باقر درويش

باقر درويش

رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان

لم يكن من باب الصدفة أن يخصص الأمير زيد بن رعد -في خطابه الأخير كمفوض سامٍ- حيزا للبحرين، عبر انتقاده السجل الحقوقي والإشارة إلى أنَّ السلطات البحرينية "مستمرة في قمع المجتمع المدني، وسن المزيد من التشريعات التي تحد من ممارسة الشعب لحقوقه الأساسية".

ثم جاءت المفوضية السامية الجديدة ميشيل باشيليت في سبتمبر/أيلول الماضي لتعبّر عن قلقها من "التقارير بشأن احتمال استبعاد مواطنين بحرينيين من الانتخابات القادمة"؛ وذلك لأنَّ المفوضية السامية من أكثر الجهات الأممية مواكبة لما جرى من سحق للمجتمع المدني في البحرين.

ولا يكاد يخلو تقرير من تقارير هذه المفوضية عن البحرين من انتقاد للإجراءات القضائية والأمنية، على النحو الذي جعل الخارجية البحرينية لا تفوت فرصة إلى وهاجمتها فيها.

في الحقيقة؛ لم تكن الضغوط القاسية التي واجهها المجتمع المدني المستقل بالبحرين في السنوات الأخيرة جديدة؛ إلا أنَّ السلطة رفعت وتيرة تقويض العمل المدني بالبحرين منذ 2016 بنحو لافت، حتى أصبحت البيئة السياسية غير مواتية أو مشجعة للمساهمة المدنية، ونستطيع تلخيص الخطوات التي أقدمت عليها السلطة لشطب المجتمع المدني المستقل في 14 خطوة أساسية:

جاءت المفوضية السامية الجديدة ميشيل باشيليت في سبتمبر/أيلول الماضي لتعبّر عن قلقها من "التقارير بشأن احتمال استبعاد مواطنين بحرينيين من الانتخابات القادمة"؛ وذلك لأنَّ المفوضية السامية من أكثر الجهات الأممية مواكبة لما جرى من سحق للمجتمع المدني في البحرين


1- تقوية مؤسسات المجتمع المدني المنفذة لسياسات الدولة والداعمة للانتهاكات (ماليا، وقانونيا بـ"تسهيل الإجراءات القانونية وتسجيلها"، وإعلاميا ودبلوماسياً).

2- رمي المجتمع المدني المستقل في "حقل الألغام التشريعية"، عبر تقييد عمله باستغلال بعض المواد التشريعية في قانون العقوبات أو قانون الجمعيات الأهلية. وذلك بفرض إجراءات تعقّد عملية التسجيل، وتتيح لوزارة التنمية صلاحيات حل الجمعيات أو إيقافها مؤقتا، والتدخل في أعمال وإدارة شؤون الجمعيات على نحوٍ فجٍّ.

3- تقويض "الدور الهامشي" لمؤسسات المجتمع المدني التابعة للسلطة؛ فقبل 2014 دأبت هذه المنظمات على التظاهر بالاستقلالية، وإبراز صورتها أمام الوفود الدبلوماسية بوصفها منظمات معتدلة، رغم عدم قدرتها على إخفاء "ميولها السياسية" وأدوارها في تلميع الانتهاكات وتشويه صورة المطالب الشعبية.

وبعد برلمان 2014 واتجاه السلطة إلى حل المؤسسات السياسية والدينية والثقافية والأهلية المعبرة عن الإرادة الشعبية (مثل المجلس الإسلامي العلمائي وجمعية التوعية الإسلامية وجمعية الوفاق)، واستصدارها قرارات تقوّض العمل الأهلي وتُحكم القبضة الأمنية على الإنفاق المالي؛ تحولت سياسة المنظمات التابعة للسلطة إلى التعبير عن انحيازها للسلطة.

ومن أمثلة ذلك: مشاركتها في استصدار المواقف الرسمية ضمن توجهات سياسية ومبرمجة عليها كافة مؤسسات الدولة عند أي أزمة أو استحقاق. فعند تجديد عضوية البحرين بمجلس حقوق الإنسان؛ عبّرت المؤسسات التابعة للسلطة عن موقف واحد وأحيانا بعبارات مشابهة، كما فعلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان المنشأة بخلاف مبادئ باريس والمشتغلة بالتغطية على الانتهاكات.

4- حل الجمعيات السياسية والثقافية والمؤسسات الدينية، وملاحقة قيادات هذه المؤسسات (قضائيا وأمنيا ومجتمعيا)؛ وتحويل المؤسسات المستقلة وقياداتها وكوادرها إلى "هدف دائم للقمع".

5- حظر "غير معلَن" لإنشاء منظمات جديدة مستقلة؛ فقد تم رفض عدة طلبات لتأسيس مؤسسات مجتمع مدني مستقلة لأسباب كيدية.

6- حظر إقامة "العلاقات الدبلوماسية": إذ تم تهديد الناشطين وممثلي مؤسسات المجتمع المدني بإلحاق الأذى بهم، إذا تواصلوا مع البعثات الدبلوماسية والجهات الأممية والدولية. وشُددت -قبل حل الجمعيات السياسية- إجراءاتُ التواصل الدولي، كما في طرد مساعد وزير الخارجية الأميركي توم مالينوسكي عام 2014 بعد لقائه قيادات معارضة.

اتخذت الحكومة البحرينية خطوات أريد منها تحقيق عزل سياسي تام لكل الطبقة "المغضوب عليها" من السياسيين والنشطاء، بسبب الأزمة السياسية وفشل الانتخابات في 2014. والملاحظ هنا بشأن إجراءات العزل السياسي أنه تم استصدار التشريعات لها خلال ثلاثة أشهر (مايو ويونيو ويوليو)، وقبل أربعة أشهر من انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني


7- العزل السياسي الشامل (الحياة البرلمانية والعمل الأهلي): ففي 11 يونيو/حزيران 2018؛ صادق الملك على قانون يمنع أعضاء الجمعيات المنحلة من الترشح لـ"مجلس النواب"، وفي مايو/أيار 2018 أصدر ملك البحرين مرسوماً يمنع أعضاء الأندية والاتحادات الرياضية من الانتماء لأي جمعية سياسية.

بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ ففي 31 يوليو/تموز 2018 أقر ملك البحرين قانوناً يحرم أعضاء الجمعيات السياسية التي أغلقها النظام من عضوية الأندية والجمعيات الثقافية.

وهذه الخطوات أريد منها تحقيق عزل سياسي تام لكل الطبقة "المغضوب عليها" من السياسيين والنشطاء، بسبب الأزمة السياسية وفشل الانتخابات في 2014. والملاحظ هنا بشأن إجراءات العزل السياسي أنه تم استصدار التشريعات لها خلال ثلاثة أشهر (مايو ويونيو ويوليو)، وقبل أربعة أشهر من انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

8- توقيف التمويل للمؤسسات غير التابعة للحكومة: فمنذ 2011 بدأت الدولة في تعويق أو توقيف تمويل مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، ويعدّ هذا من العقوبات الرسمية والضغوط التي واجهت بها السلطة هذه الجهات.

9- تفريغ المجتمع المدني من الأدوات الفاعلة: إذ قلصت السلطة -بشكل قهري- قدرة المجتمع المدني على ممارسة دوره بفعالية، ولاحقت حتى الندوات والمؤتمرات، ولم يعد متاحا لهذه المؤسسات عقد ندوة مثلا سوى في مقرها وبترخيص، وأقصتها عن نطاق المشاركة المفروضة مع السلطة في تفعيل آليات الأمم المتحدة (مداولات تقرير البحرين للاستعراض الدولي الشامل).

10- استعداء الإعلام الحكومي للمنظمات المستقلة: أصبحت هذه المؤسسات هي العدو الأول في وسائل الإعلام الرسمية، ولا تكاد تخلو الصحافة من التغطيات التحريضية ضد هذه المؤسسات وكوادرها، والمطالبة بالزج بهم في السجن وإسقاط جنسياتهم ومحاكمتهم والتضييق عليهم.

من الملاحظ استعداء الإعلام الحكومي للمنظمات المستقلة، فقد أصبحت هذه المؤسسات هي العدو الأول في وسائل الإعلام الرسمية، ولا تكاد تخلو الصحافة من التغطيات التحريضية ضد هذه المؤسسات وكوادرها، والمطالبة بالزج بهم في السجن وإسقاط جنسياتهم ومحاكمتهم والتضييق عليهم


بل زادت على ذلك بتحويل من يتعاون معهم من جهات أممية إلى ضحايا لخطاب الكراهية، كما حدث للمفوضية السامية التي أصبحت من ضحايا هذا الخطاب افي البحرين.

11- الانتقام بسبب التعاون مع آليات الأمم المتحدة: فرضت السلطة حظرا على السفر لأكثر من 30 مدافعا عن حقوق الإنسان، كما كرست جهاز الأمن الوطني لارتكاب جرائم التعذيب المروعة (منها التحرش الجنسي والصعق الكهربائي في غرف الموت) بحق هؤلاء النشطاء، لإجبارهم على توقيف نشاطهم أو إعلان استقالتهم أو العمل كمخبرين، مع التهديد باستهداف أقاربهم.

12- تسخير منظمات "الغونغوز" لمناكفة "المجتمع المدني المستقل: زادت السلطة من الإنفاق المالي على منظمات "الغونغوز" التي يشرف عليها وزير المتابعة في الديوان الملكي، وظلت تجول لدى البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية وتقدم تقارير مزيفة عما يجري في البحرين وتشوه سمعة المنظمات المستقلة.

13- تخوين السياسة الخارجية الحكومية للمستقلين: دأب العاملون في الحقل الدبلوماسي على تشويه صورة المنظمات المستقلة وتوصيف العاملين فيها بأنهم خونة ومرتزقة، وذلك عبر الوسائل الدبلوماسية والإعلامية.

14- إقناع الرأي العام الموالي بعدم جدوائية "المجتمع المدني غير المستقل": تسببت سياسة السلطة عبر توجيه "الغونغوز" في تكريس قناعة لدى الموالاة بأنَّ هذه المنظمات لا طائل منها ومن أدوارها، وبأنّها تعمل ضمن نطاق شركات العلاقات العامة، فضلا عن أنَّ عدم وجود بيئة صحية للمجتمع المدني عطّل الدور المطلوب للمؤسسات المستقلة أو الموالية.

المصدر : الجزيرة