محمد غازي الجمل

محمد غازي الجمل

باحث في الشؤون السياسية

تطورات درامية تشهدها القضية الفلسطينية، وظروف بالغة السوء والتعقيد يعيشها قطاع غزة، وتتأثر بها بشدة حركة حماس التي تحكمه. ولمحاولة استشراف أفق لتجاوز هذه الظروف والاقتراب من تحقيق أهداف الشعب؛ لعله من المفيد الإجابة عن الأسئلة التالية:

ما هو وضع القطاع؟ ولمعرفة ذلك لعله من المفيد أيضا الإجابة عن أسئلة أخرى؛ منها:
1- ما هو تقييم سلوك عباس تجاه غزة: هل وضعها يغريه بمحاولة كسرها أم إن سلوكه يعبّر عن نزق رجل كبر في السن ولم يعد قادرا على تمييز مصلحته أو مصلحة وطنه؟

يبدو أن عباس يدرك نقطة قوته بالنسبة للاحتلال والولايات المتحدة، ويدرك مأزق غزة ولذلك فهو يشدد ضغطه على القطاع ولا مانع لديه من حصول حرب جديدة، على أمل أن تترك القطاع وحركة حماس أضعف وأكثر حاجة إليه، وعلى أمل أيضا إثارة الرأي العام العالمي ضد مسار الإدارة الأميركية والقيادة الإسرائيلية.

2- ما حدود الاتفاق والاختلاف بين عباس وإسرائيل؟ فيمَ يختلفان ومتى يتقاسمان الأدوار في الضغط على غزة؟

من الواضح أن إضعاف حركة حماس وتجريد القطاع من سلاحه يعد هدفا مشتركا لكل من عباس ودولة الاحتلال، إلا أن الطرفين يختلفان بشأن مسار تصفية القضية سياسيا ومحاولة فرض "صفقة القرن"، وهذا يفسر تناوبات الاتفاق والاختلاف بشأن التعامل مع القطاع.

يبدو أن عباس يدرك نقطة قوته بالنسبة للاحتلال والولايات المتحدة، ويدرك مأزق غزة ولذلك فهو يشدد ضغطه على القطاع ولا مانع لديه من حصول حرب جديدة، على أمل أن تترك القطاع وحركة حماس أضعف وأكثر حاجة إليه، وعلى أمل أيضا إثارة الرأي العام العالمي ضد مسار الإدارة الأميركية والقيادة الإسرائيلية


إذ يستفيد كل منهما من حصار القطاع والعقوبات عليه من زاوية إضعاف حماس، إلا أنها يختلفان حينما تقدّر إسرائيل أن الضغوط قد تؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية في ظروف غير ملائمة لها.

3- ما حدود تحمّل الشعب الغزي للوضع الاقتصادي والمعيشي؟
يبدو أن كأس التحمل تفيض بالنسبة لأهل القطاع أو توشك على ذلك، وهو ما يدفع كل الأطراف إلى التعامل بحذر وحساسية معه؛ إلا أن الجديد والهام هو أن مزاج الشعب بات يميل إلى تحميل الاحتلال وسلطة عباس المسؤولية الأكبر عما آلت إليه أوضاع القطاع.

خصوصا بعد أن أظهرت حماس استعدادها لتقديم تنازلات كبيرة للتخفف من حِمل السلطة في القطاع، ولم يقابلها عباس إلا بالمزيد من العقوبات والضغوط. والتعبير العملي لهذه القناعة يتمثل في المشاركة الشعبية في مسيرات العودة، والاشتباك مع الاحتلال مباشرة، وتجدد توجيه بوصلة النضال باتجاه العدو والمجرم الحقيقي.

4- ما حدود تحمّل العسكر -من حماس وغيرها- في غزة لضغوط العدوان الإسرائيلي؟
يصعب التنبؤ بذلك، لأن منطق الانفجار شبيه بمنطق الزلازل: ضغوط تتراكم فترة طويلة وتتحرر بشكل مفاجئ. وفي كل الأحوال؛ يجدر التعامل مع هذا الأمر بحذر على الدوام، إذ إن الإعداد النفسي للمقاتلين قائم على مواجهة النار بالنار، ولا تُفهم تكتيكات المقاومة الشعبية بسهولة.

وهذا ما يفسر عودة المواجهات العسكرية بعد امتناع المقاومة عن الرد العسكري على اعتداءات الاحتلال لأشهر عديدة، ورغم ذلك تم النجاح -حتى الآن- في الفصل بين مساريْ المقاومة الشعبية والرد العسكري على العدوان.

5- هل حان الوقت لقطف الثمار؟
يبدو واضحا في الوقت الحاضر أن الضغط الذي تشكله مسيرات العودة والبالونات الحارقة غير كافٍ لإلزام الاحتلال بتغيير إستراتيجيته، المتمثلة في حصار غزة لإضعاف حماس ومحاولة تثوير الشارع ضدها، وكل ما صدر عنه من إبداء للرغبة في تخفيف الحصار كان شراءً للوقت على أمل أن تحقق هذه الإستراتيجية أهدافها، ويُتوقع أن ما في جعبة الاحتلال والنظام المصري من خدع –في هذا السياق- لم ينفد بعدُ.

ومن الملاحظ أيضا أن إسرائيل والولايات المتحدة ما زالتا تشترطان التعامل مع السلطة -وليس أي طرف آخر- لتخفيف قطاع غزة، وذلك بالتوازي مع غض النظر عن رفض عباس تولي مسؤولية القطاع ووضعه شروطا تعجيزية متصاعدة لتحقيق ذلك.

وهو ما يعني عمليا أن الاحتلال يرفض تخفيف الحصار، وما سوى ذلك من تصريحات وحوارات إقليمية ودولية إما خداع سياسي أو تعبير لمواقف داخلية، لا تعبر عن التوجه النهائي والفعلي لدولة الاحتلال؛ وفي كلتا الحالتين تبقى النتيجة متقاربة.

حسم الوجهة بشأن ما تريده حماس لنفسها في مستقبل القطاع -القريب على الأقل- أمر أساسي في رسم مسار الأحداث، هل هو دولة في غزة أم حركة مقاومة في القطاع وخارجه، إذ إن إحداهما ستكون على حساب الأخرى في غالب الأحوال. ورغم تحقيق نجاحات جزئية في مرحلة سابقة؛ فإن محاولة الجمع بين الحكم والمقاومة وصلت إلى طريق مسدود


وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الحديث عن آليات جديدة لإدخال البضائع -كاعتماد خط بحري مع قبرص أو ميناء مصري أو جزيرة عائمة- لن يغير جوهريا في وضع القطاع، في ظل استمرار سيطرة الاحتلال وعدم سماحه بحرية حركة الأفراد.

إن ظروفا كهذه لا تترك للفلسطينيين إلا مقاومة الاحتلال، والعمل على إفشال مسعى الإدارة الأميركية في تصفية القضية وفرض انتصار الاحتلال؛ كالذي يطرحه علنا تحالف النصر لإسرائيل في الكونغرس الأميركي.

إلى أين؟ إن حسم الوجهة بشأن ما تريده حماس لنفسها في مستقبل القطاع -القريب على الأقل- أمر أساسي في رسم مسار الأحداث، هل هو دولة في غزة أم حركة مقاومة في القطاع وخارجه، إذ إن إحداهما ستكون على حساب الأخرى في غالب الأحوال. ورغم تحقيق نجاحات جزئية في مرحلة سابقة؛ فإن محاولة الجمع بين الحكم والمقاومة وصلت إلى طريق مسدود.

دولة غزة؟ منذ أن تولت حركة حماس السلطة الفعلية في القطاع تداخل مكون الدولة بمكون حركة التحرر، علما بأن مكون السلطة ذو تأثير بالغ؛ إذ إن تولي فئة من الشعب السلطة له تأثيرات على المكانة الاجتماعية والمادية لهذه الفئة، وهو أمر تلقائي الحصول غالبا، وتزداد حدته إذا ما حصل انتقال السلطة في ظل استقطاب سياسي واجتماعي حادّ، كالذي يسود الساحة الفلسطينية غالبا.

ومن غير المتوقع أن تتنازل أي فئة تشكّل "عصبية الحكم" عن موقعها بسهولة، إلا أن خيار الشراكة أسهل قبولا، ولكنه يواجه برفض من عباس وفريقه. وهنا فإن من يريد أن يصل إلى حل يقلل معاناة غزة ينبغي عليه أن يطرح حلولا منطقية تتضمن تطمينا لمختلف الأطراف؛ وليس فرض شروط تبدو وكأنها اتفاقية إذعان عقب خسارة أحد أطرافها الحرب!

وعلى الصعيد النظري؛ فإن إدراك محدودية منافع السلطة تحت الاحتلال وتناقضها مع العمل المقاوم، ينبغي أن يعزز توجه حماس نحو التخفف من مسؤوليات السلطة مع كل تبعات ذلك.

وهذ أمر صحيح عموما؛ إلا أن الحركة ترى أن محاولاتها للتخفف من مسؤولية الحكم لا تنجح، إذ تتفق مصلحة كل من دولة الاحتلال ومصر وسلطة عباس على "إبقاء الحركة في ورطتها"، لعل ذلك يدفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية أو ارتكاب أخطاء تلحق بها ضررا كبيرا.

ولذلك ينبغي أن يبقى الخيار الأصيل -الذي ينتظر توفر الظروف المناسبة لتحققه- هو حالة مقاومة فاعلة في غزة لا تتولى الحكم، وهو ما راهنت عليه قيادة حماس وبعض الفصائل في غزة.

مشكلة هذا الخيار أن لا أحد في الإقليم يريده، باستثناء إيران التي ترغب فيه ليكون أداة في صراعها لتحصيل النفوذ في المنطقة على حساب إسرائيل. في حين يدفع "أصدقاءُ الحركة" الآخرون باتجاه انخراطها في مسار التسوية السلمية.

كيف الطريق؟ هناك خيارات من بينها:
1- التسليم للسلطة: إن خيارا كهذا دونه تشرذم الحركة، وعلى الأرجح لن يتبعه تسلّم السلطة مسؤولياتها بكل الأحوال، وفي الخلاصة فإن المصالحة غير ممكنة حالياً.

2- تقديم تنازلات سياسية: إن حركة حماس لا تريد ولا تستطيع تبني خيار كهذا؛ إذ إن أي تنازلات تمسّ ثوابتها ستشرذم الحركة وتحط مكانتها السياسية، ثم إنها -في نهاية المطاف- لن تحصل على تنازلات مماثلة لما حصلت عليه حركة فتح، وذلك لأن البيئة السياسية أسوأ، إذ إنها بيئة تصفية للقضية الفلسطينية وليس بيئة حلٍّ لها.

على حماس التكامل مع حالة مقاومة شعبية في الداخل والشتات، واتخاذ صبغة وطنية عامة وغير مقتصرة على خصوصية القطاع، وعدم التصادم مع مساعي النضال من أجل الحقوق أو حل الدولة الواحدة، بل استثمار مساحة التوافق، وخصوصا إستراتيجية المقاومة الشعبية


3- الحرب: إذا ما حصلت حرب فإن الهدف المنطقي منها بالنسبة للمقاومة هو فتح ثغرة في جدار السياسة المسدود، إلا أن كلفتها ستكون أعلى من سابقاتها على الطرفين، وذلك لتزايد قدرات المقاومة ولحجم العدوان المتوقع في المقابل، علاوة على أن البيئة السياسية الإقليمية البالغة السوء ستعطي الاحتلال حرية حركة أكبر مما كان عليه الحال في المواجهات السابقة، والأهم من ذلك أنها ستمنع تحقيق ثمار سياسية معقولة في نهاية المعركة.

4- اللعب على حافة الهاوية: وذلك باستمرار التصعيد الشعبي والرد عسكريا على الاعتداءات غير المتعلقة بالاقتراب من السياج الفاصل، وهو أمر ممكن ما دام الطرفان غير راغبيْن في الحرب ولديهما القدرة على ضبط جمهورهما، إلا أنه خيار لا يخلو من المغامرة.

إستراتيجيات:
رغم صعوبة الأوضاع السياسية فإن الأفق الإستراتيجي لغزة ولحركة حماس يتمثل في أمور منها:

- التكامل مع حالة مقاومة شعبية في الداخل والشتات، واتخاذ صبغة وطنية عامة وغير مقتصرة على خصوصية القطاع، وعدم التصادم مع مساعي النضال من أجل الحقوق أو حل الدولة الواحدة، بل استثمار مساحة التوافق، وخصوصا إستراتيجية المقاومة الشعبية.

هذا مع الاحتفاظ بمكتسبات المقاومة وتعزيز قوتها؛ وبذلك تكون المقاومة "الشعبية فعلا" هي إستراتيجية المرحلة، التي ستستمر بين الحروب أو المواجهات العسكرية، مع تصعيدها حسب القدرة وتحصينها بالشراكة والتوافق الوطني.

- إدارة مدنية مشتركة للقطاع بالشراكة مع كل من يقبل ذلك من القوى الوطنية، وهو خيار ضرورة حينما يتضح عدم رغبة عباس في تحمل مسؤولية القطاع. ومن المفترض أن تشكل إدارة كهذه غطاءً وطنيا لإدارة المرحلة، وتوجِد طرفا ثالثا يمكن أن يتولى الشؤون المدنية ويتعامل بسهولة مع المجتمع الدولي.

- التعامل مع الاحتلال باعتباره مسؤولا عن تصرفات السلطة تجاه غزة، واعتبار ادعائه التزامَه باتفاقية باريس لا وزن له، إذ إنه يخرقها كثيرا باحتجازه واردات الضرائب.

المصدر : الجزيرة