عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

ملمحان أوّليان
بكائية ووعيد 

ألقى محمود عباس -رئيس السلطة الفلسطينية غير الشرعي- خطابَه التقليدي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي بالغ مؤيدوه في أهميته قبل التوجه إلى نيويورك. وفي كل مرة يحزم عباس أمتعته للسفر؛ ينبري مؤيدوه للمبالغة في الإنجازات التي سيحققها، ويودّعونه بزفة ويستقبلونه بزفة، ويبالغ إعلام السلطة الفلسطينية في التمجيد والتحميد وصفات القيادة الحكيمة المؤزرة.

وفي النهاية يكتشف الجميع من الفلسطينيين وغيرهم أن الإنجازات مجرد صفر، وأن السفريات ليست إلا تكاليف يتحملها الشعب الفلسطيني. قد يحصل الفلسطينيون على قرار من الجمعية العامة، لكنه كالعادة لا يتم تنفيذه ولا تستغله الآلة الإعلامية الفلسطينية بشكل جيد على الساحة الدولية.

ملمحان أوّليان
لاحظت أمرين هامين عند إلقاء عباس خطابه في الجمعية العامة وهما: فراغ القاعة إلى حد ما من الحضور، وتوتر عباس. لاحظت أن أغلب مقاعد الجمعية العامة كانت فارغة، وأن الجزء الأمامي من القاعة كان مشغولا، بينما الجزء الخلفي كان فارغا.

وهذا ما حذرنا أصحاب الكواليس الدولية منه، إذ قلنا لهم إن عباس يقول شيئا في الجمعية العامة ولا ينفذه مما أفقده ثقة البعثات العالمية بكلامه، ودفعها إلى عدم الاستماع إليه.

سبق لعباس أن قال إنه سيفجّر قنبلة في الأمم المتحدة فقال إنه إن لم تلتزم إسرائيل بالاتفاقيات فإن الفلسطينيين لن يلتزموا بها. إسرائيل ومعها أميركا لم تلتزما لا باتفاقيات ولا بقوانين دولية، بينما بقي الفلسطينيون ملتزمين بها.

الأمم لا تبحث لعباس أو غيره عن تبريرات للتخلي عن مواقف معلنة، وإنما تبحث عن إرادة سياسية لتنفيذ ما يُقال. الأمم ليست مجموعة "هتّيفة" (شغلهم الهتاف) يبلعون الخداع والكذب والتحايل.

تحدث عباس عن ممارسات الصهاينة التقليدية ضد الشعب الفلسطيني، وأتى على ذكر قضية الخان الأحمر الساخنة وأعلن رفضه لاستعمال القوة والسلاح الناري. لكنه لم يقل ما إن كان من حق الفلسطينيين الذين سيفقدون مساكنهم أن يحملوا السلاح دفاعا عن أنفسهم وحقوقهم، علما بأن القوانين الدولية تجيز لهم ذلك


الملمح الثاني هو أن عباس كان متوترا جدا، ودلّ على ذلك السعال الشديد الذي أطبق على حنجرته في بداية الخطاب. ومن المعروف أن هذا السعال ناجم عن تشنج عضلات الحلق وأوتار الصوت، وهو تشنج يحصل في حالات التوتر التي يشهد فيها المتحدث صعوبة في إخراج الكلمات.

لقد هدأ عباس في الجزء الثاني من خطابه لكنه لم يكن هناك أي موجب للتوتر، خاصة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مكانا لمشاحنات أو شجار أو هجوم بالأسلحة النارية. توتره لم يخدمه ولم يخدم الهدف الذي سافر من أجله إن وُجد.

وكما كان متوقعا؛ لم يخرج عباس عن المواضيع التي قدر المراقبون أنه سيلمسها. فقد تحدث عن إجراءات أميركا وانتقد مواقفها وأخرج إدارتها من دائرة النزاهة، لكنه لم يخرجها من دائرة الوساطة بين الفلسطينيين والصهاينة.

لقد أخرج أميركا كوسيط وحيد، لكنه قبلها عضوا في مجموعة من الوسطاء. وهو -على أية حال- لا يستطيع إخراجها لأنه ربط نفسه والشعب الفلسطيني بالإرادتين الأميركية والصهيونية.

وتحدث عباس عن ممارسات الصهاينة التقليدية ضد الشعب الفلسطيني، وأتى على ذكر قضية الخان الأحمر الساخنة وأعلن رفضه لاستعمال القوة والسلاح الناري. لكنه لم يقل ما إن كان من حق الفلسطينيين الذين سيفقدون مساكنهم أن يحملوا السلاح دفاعا عن أنفسهم وحقوقهم، علما بأن القوانين الدولية تجيز لهم ذلك.

أكد عباس مواقف تقليدية يكررها الفلسطينيون وهي المطالبة بحل الدولتين، والغريب هنا أن عباس ما زال يظن أن حل الدولتين ممكن في ظل الإجراءات الأميركية والصهيونية التي يتم اتخاذها باستمرار وكل يوم. ولهذا دعا إلى عقد مؤتمر دولي للسلام رغم أن كل المؤتمرات الدولية لم تحرر شبرا واحدا من أرض فلسطين.

وهنا عباس ارتكب خطأ فاحشا عندما قال إن إسرائيل اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني. بينما قالت رسالة إسحق رابين لعرفات عام 1993 إن إسرائيل تعترف بالمنظمة ممثلا للشعب الفلسطيني.

من المهم قراءة رسالة رابين؛ وهذا يدعونا إلى القول أيضا إنه من المهم قراءة قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي تتمسك به المنظمة. هذا القرار لا يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، ولا يعترف بمنظمة التحرير شريكا في صناعة السلام؛ بل ينص على إقامة سلام بين دول.

بكائية ووعيد
كرر عباس حديثه عن المقاومة الشعبية السلمية التي دأب على تكرارها طوال سنوات، لكنه حتى الآن لم يقل ما يعنيه بالمقاومة السلمية الشعبية. لم يعرّفها للعالم أو للشعب الفلسطيني، ولم يقل للشعب الفلسطيني ماذا يجب عليه أن يعمل من أجل تثبيت المقاومة الشعبية ميدانيا.

هدد عباس بأنه لن يلتزم إذا لم تلتزم أميركا. أميركا غير ملتزمة وهي تتحدى الحقوق الفلسطينية كل يوم، لكن عباس ما زال يلتزم بالاتفاقيات مع الصهاينة وبأركان تفاهماته مع الأميركيين. هو لا يعني ما يقوله، ولا يستطيع إلا أن يلتزم وإلا تخلّص منه الأميركيون.

الأميركيون والصهاينة ينخرون السلطة الفلسطينية كما ينخرون الحكومات العربية، وهم قادرون على إحداث التغييرات السياسية على هواهم وكيفما يشاؤون.

لم يخل خطاب عباس من النهج البكائي الذي يتبناه فلسطينيون، وذلك بالتذمر من قلة المال وضعف الحال وعدم القدرة على الحماية الذاتية. طلب من العالم حماية للشعب الفلسطيني، وهو يعي أن كل دعواته السابقة للحماية لم تكلل بالنجاح.

من ذا الذي يمكن أن يتطوع ويسخر جيشه للدفاع عن الشعب الفلسطيني؟ يبدو أن عباس لا يدرك بعدُ أنْ لا حماية إلا بالعضلات الذاتية؛ وهو بدل أن يبحث عن تقوية الذات يعمل على هدم القوة الفلسطينية.

البكاء لا يجدي نفعا، وهو يمتّع الأعداء ولا يسر الأصدقاء. هذه لهجة خطابية عقيمة، وتدفع العدو إلى مزيد من الطمع والعدوان. العدو تزيد شراسته عندما يرى مقابله ضعيفا غير قادر، ويرفع من مستوى ملاحقاته وإجراءاته لأنه مطمئن إلى قلة حيلة المستنجد. من الضروري ألا يتباكى الفلسطينيون، ومن المهم أن يبعثوا مشاعر القوة بالنفوس. الاستنجاد يُضعف المعنويات، بينما بعْث القوة يُرهب العدو


البكاء لا يجدي نفعا، وهو يمتّع الأعداء ولا يسر الأصدقاء. هذه لهجة خطابية عقيمة، وتدفع العدو إلى مزيد من الطمع والعدوان. العدو تزيد شراسته عندما يرى مقابله ضعيفا غير قادر، ويرفع من مستوى ملاحقاته وإجراءاته لأنه مطمئن إلى قلة حيلة المستنجد. من الضروري ألا يتباكى الفلسطينيون، ومن المهم أن يبعثوا مشاعر القوة بالنفوس. الاستنجاد يُضعف المعنويات، بينما بعْث القوة يُرهب العدو.

قال عباس إنه سيحارب الإرهاب على اتساع العالم، وتحدث عن ممارسات السلطة ضد الإرهاب، أي الإرهاب الفلسطيني. لقد أساء عباس -بحديثه عن الإرهاب- إلى شهداء فلسطين وأسراها وجرحاها وعائلاتها. نحن شعب فلسطين لم نكن يوما إرهابيين، وإنما كنا دائما مناضلين من أجل الحرية واسترداد الحقوق، والإرهابي منا هو الذي يلاحق شعبَه دفاعا عن أمن عدو الشعب.

ثم لم يشرح لنا عباس كيف سيحارب الإرهاب على مستوى العالم؟ هل سيحرك الجيوش الفلسطينية لتتجول في العالم بحثا عن الإرهابيين والتخلص منهم؟ لا بد أن عباس كان يعني حماس بالتحديد لأنها -وفق الأعداء- تمارس الإرهاب.

حماس هي الجهة الوحيدة التي هددها عباس ويمكن أن يلتزم بتهديده؛ فقد قال في خطابه إن جولة الحوار الأخيرة في القاهرة ستكون آخر جولات الحوار، وبعدها "سيكون لنا شأن آخر." هذه لغة تهديد، وتشير إلى مدى تمسكه بالإجراءات التي اتخذها ضد قطاع غزة.

لكن عباس نسي أو لم يجرؤ على ذكر الإرهاب الصهيوني. إسرائيل وأميركا دولتان إرهابيتان؛ إسرائيل إرهابية لأنها تمارس الاحتلال والاحتلال بالتعريف إرهاب، وأميركا دولة تساند الإرهاب الإسرائيلي؛ فهل نتوقع حربا عباسية على الإرهاب الصهيوني؟

أشار عباس -في نهاية خطابه- إلى أنه يجب أن يبقى في فلسطين سلاح واحد. هذا كلام سليم، ونحن نقول نعم يجب أن يبقى سلاح المقاومة، وعلى السلطة الفلسطينية أن تسلم سلاحها للمقاومة في غزة، لأنه سلاح غير شرعي.. مرخّص من الصهاينة ويدافع عن الصهاينة.

المصدر : الجزيرة