محمد بن نصر

محمد بن نصر

باحث وأكاديمي تونسي

الثورة الإيرانية التي طربنا لها حينا بوصفها ثورة المستضعفين، وارتفعت حناجرنا في الساحات الجامعية وفي شوارع مدننا مرددة شعاراتها باسم الله قاسم الجبّارين وناصر المستضعفين؛ ينقلب عليها مستضعفوها الذين فدوها بأرواحهم وبكل ما يملكونه.

ولكن الاستضعاف الذي سكن أحياءهم أبى أن يبرحها وحتى الذين تحرروا منه اختاروا العيش على نمط حياة من قامت الثورة ضدهم، فغادروا المواقع والمواقف واتّسقوا مع ثقافة السوق. فكيف نفسر هذا التحول الذي بدأ بطيئا ثم أخذت وتيرته تتسارع بسبب الانحباس الداخلي والتغول الجواري والنفخ الخارجي؟

ما النتائج التي يمكن أن تترتب على ذلك؟ وهل بإمكان إيران التي أثبتت دبلوماسيتها الخارجية كفاءة عالية في تجاوز المطبّات الكبرى التي مرّت بها أن تتجاوز مطبّاتها الداخلية؟

قامت الثورة وسقط عرش الشاه وأصبح الخميني نائبا للقائم وقائدا للثورة ومرشدها، ولم يجد صعوبة كبيرة في تحييد كل من نازعه سلطته الدينية، ولكنه انتقل إلى جوار ربه قبل أن يأتي القائم فاستأنف الشيعة رحلة الانتظار ولكن في حالة من الحراك المستمر. كانت تلك هي الرجة الأولى في بنية نظام ولاية الفقيه


ظل الشيعة عهودا طويلة ينتظرون عودة الإمام الغائب (القائم) الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن مُلئت جورا، وفي فترة غيابه الطويل طوروا ثقافة التقيّة التي جعلتهم يتعايشون مع كل الأوضاع، حتى جاء إمام وقال بالتصدي وأعطى مفهوما جديدا للانتظار، فقال إن الإمام الغائب (القائم) لا يظهر إلا عندما تنتفضوا على الظلم والاستبداد، فحول الانتظار من السلب إلى الإيجاب ونجح في تحريك المخزون الرمزي الساكن.

قامت الثورة وسقط عرش الشاه وأصبح الخميني نائبا للقائم وقائدا للثورة ومرشدها، ولم يجد صعوبة كبيرة في تحييد كل من نازعه سلطته الدينية، ولكنه انتقل إلى جوار ربه قبل أن يأتي القائم فاستأنف الشيعة رحلة الانتظار ولكن في حالة من الحراك المستمر. كانت تلك هي الرجة الأولى في بنية نظام ولاية الفقيه، تمّ تجاوز هذه الرجة الأولى بسلام وأصبح خامنئي مرشدا أعلى بسلطة مماثلة للخميني ولكن برمزية أقل.

 لم تكن الأجواء الإقليمية والدولية العدائية مساعدة على التساؤل عن المشروعية المذهبية لهذا الإجراء، ولكنه ألقى ظلالا من الشك ظلت كامنة في النفوس والأذهان تخشى التعبير عن نفسها، وساعدت التقية على تصريف مفعول هذه الأسئلة المحرجة للمذهب.

رغم اعتماد نظام الانتخابات -الذي احتكم في الغالب إلى نتائج الصندوق- فإن النظام السياسي ظل يتحرك في أفق مغلق، وفي كل مرة يصطدم فيها بالقبة الحديدية لمرجعية ولاية الفقيه يزداد تصلبا وتحجرا، حتى بدت إمكانية تطويره شبه مستحيلة.

المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية له الكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بالإصلاحات السياسية والاجتماعية الكبرى، والمذهب الجعفري هو الإطار العام للاجتهاد الديني. تبدأ الحوارات وكأنها بلا سقف، ولكن كلما تقدمت ولامست القضايا الحساسة ظهرت المرجعية ودفعت بها إلى المخارج الضيقة، فلا تبلغ مداها وترتد على أعقابها.

لم تستطع الثورة الإيرانية -خلال كل هذه العقود- أن تخرج من منطق المواجهة والاستعداد لها إلى منطق المواطنة وسيادة القانون، حيث ظلت معادلة القومية الفارسية أولا والمذهب ثانيا عند البعض، أو العكس عند البعض الآخر، هي المنطلقَ في معالجة كل القضايا. لم يعد هذا المنهج قادرا على الاستجابة لمشكلات الشباب الذي مكنته وسائل الاتصال الحديثة من الانفتاح والتفاعل مع العالم الآخر.

أثناء سنوات الحرب الأولى مع العراق وإبان فترة الزخْم الثوري في السنوات الأولى للثورة، استطاعت السلطة أن تُشرك الشعب بأكمله في هذه الحرب وبكل الأشكال، دفاعا عن الثورة ودفاعا عن الوطن. كان المواطن الإيراني حينها يعتبر ذلك من أوليات اهتمامه فكانت قابليته لتحمل المصاعب الداخلية كبيرة جدا.

ولكن في السنوات الأخيرة أدارت إيران كل معاركها بالأساليب التقليدية المعتمدة: العمل المخابراتي، وانخراط نخبتها العسكرية فيها بشكل غير مرئي. ومعلوم أن استخدام مثل هذه الأساليب في جبهة واحدة فقط قادر على استنزاف خزينة الدولة، رغم إمكانيات إيران المالية الهائلة.

ترجم المتظاهرون الإيرانيون شعورهم عبر الشعارات التي رفعوها في تحركهم الأخير؛ لقد كانت جد مُعبّرة تلك الصور التي تم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي لمجموعة من الشباب يُقدِمون على حرق صور للمرشد، فأن يصل الأمر إلى المساس بمن يُلتجأ إليه حين يحتدم الصراع، فإن ذلك يعني أن الأمر قد بلغ درجة كبيرة من الخطورة


فما الذي سيكون عليه الأمر وقد فتحت إيران على نفسها جبهات عدة: جبهة في العراق، وجبهة في سوريا، وجبهة في اليمن، بالإضافة إلى جبهات أخرى اتخذت طابعا مدنيا في أكثر من دولة من دول الجوار.

بدأ المواطن الإيراني يشعر بأن مقدرات دولته استُنزفت في جبهات غير معني بها بشكل مباشر، خاصة أنها اتخذت عنوانا طائفيا فلم تجد صدى قويا في الداخل بحكم ضعف الالتزام الديني والانتماء المذهبي.

ترجم المتظاهرون هذا الشعور عبر الشعارات التي رفعوها في تحركهم الأخير؛ لقد كانت جد مُعبّرة تلك الصور التي تم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي لمجموعة من الشباب يُقدِمون على حرق صور للمرشد، فأن يصل الأمر إلى المساس بمن يُلتجأ إليه حين يحتدم الصراع، فإن ذلك يعني أن الأمر قد بلغ درجة كبيرة من الخطورة.

من الصعب أن تُحدِث هذه التحركات نقلة نوعية في الحالة الإيرانية، أولا لطابعها الفجائي؛ فرغم تعبيرها عن مشكلات حقيقية يعيشها جزء من الشعب الإيراني فإن بروزها بهذا الشكل العنيف، والتأييد المتسرع لها من طرف الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني، أفقداها الكثير من التأييد الداخلي.

إن قدرة السلطات الإيرانية على امتصاص الغضب الشعبي بالاعتراف بمشروعية هذه التحركات، وعدم الانزلاق إلى ردات فعل عنيفة وغير محسوبة، لعبت دورا في تطويق هذه التحركات الشعبية. لا شك أن هناك تعتيما كبيرا على عدد الضحايا الذين سقطوا في هذه المواجهات، ولكن المؤكد أن السلطات كانت حذرة جدا في التعامل معها، مع التحذير من استغلالها من طرف الأعداء التقليديين لإيران وللثورة.

هل تجاوزت إيران أزمتها؟ بالتأكيد: لا؛ أولاً، لأنها اختارت أن تكون في صف الثورات المضادة فالتقت موضوعيا مع من تدّعي أنها في خلاف جوهري معهم. وثانيا، لأنها أصبحت بحكم الاعتبارات الطائفية راعية لأنظمة فاسدة ومستبدة وقاهرة لشعوبها، وهذا سيكلفها كثيرا ماديا ورمزيا ويجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات الداخلية.

وإذا استمرت على هذه الحالة؛ فإنها لن تستطيع الإفلات من البرنامج الدولي الكبير الذي يقضي بالعودة بالبلاد العربية والإسلامية إلى المربع الأول، وكأنّ الديمقراطية لا تكون ممكنة إلا بتخريب البناء المادي الذي استطاعت الدكتاتوريات تشييده مع أنه كان على حساب بناء الإنسان.

المصدر : الجزيرة