مارك ليونارد

مارك ليونارد

مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

قام وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون -في الأسبوع الماضي- بإعادة إحياء مقترح قديم بإنشاء جسر بطول 22 ميلا عبر القنال الإنجليزي، ولكن سخرية المقترح لم تمر مرور الكرام، فجونسون يدعو لإنشاء جسر خيالي في الوقت الذي يدمر الجسر الوحيد الحقيقي بين الجزر البريطانية والقارة الأوروبية أي الاتحاد الأوروبي.

إن مقترح جونسون المتعلق بالجسر يظهر مجددا أن البرنامج الكامل لمؤيدي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي "بريكست" يعتمد في الأساس على الإنكار الدائم للوقائع على الأرض؛ ففي ديسمبر/كانون الأول تظاهرت المفوضية الأوروبية بالقبول فسمحت لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بالادعاء بأنه من الممكن التوصل إلى ثلاثة أهداف متناقضة، تتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد.

إن الهدف الأول لبريطانيا هو الاحتفاظ بحدود "ناعمة" وتجارة سلسلة مع جمهورية إيرلندا، التي ستبقى دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي، وتخضع لأحكام السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي.

إن الهدف الثاني هو تأسيس أحكام تنظيمية متطابقة في طول المملكة المتحدة وعرضها، بما في ذلك إيرلندا الشمالية. وأما الهدف الثالث فهو "استعادة السيطرة" بالخروج من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي والسلطة القضائية لمحكمة العدل الأوروبية.

البرنامج الكامل لمؤيدي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي "بريكست" يعتمد في الأساس على الإنكار الدائم للوقائع على الأرض؛ ففي ديسمبر/كانون الأول تظاهرت المفوضية الأوروبية بالقبول فسمحت لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بالادعاء بأنه من الممكن التوصل إلى ثلاثة أهداف متناقضة، تتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد


إن تحقيق هدفين من تلك الأهداف الثلاثة يبدو ممكنا، ولكن لا أحد يعرف كيف يمكن تحقيق جميع تلك الأهداف الثلاثة. ومهما يكن من أمر؛ فإن مفاوضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يمضون قُدُماً الآن للمرحلة الثانية من عملية بريكست بدون تسوية المعضلة الثلاثية للمرحلة الأولى.

وفي واقع الأمر؛ يتوقع خبراء في المفوضية الأوروبية أن الجولة القادمة من المفاوضات ستقود إلى ثلاث اتفاقيات مع المملكة المتحدة بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2018.

إن الاتفاقية الأولى ستعمل على تسوية بنود الطلاق؛ فرغم الغموض المتعلق بإيرلندا الشمالية فإن المفاوضين بدؤوا في التوافق على القضايا المهمة الأخرى، بما في ذلك حجم فاتورة الخروج البريطاني، والحقوق المستقبلية لمواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا والمواطنين البريطانيين في الاتحاد الأوروبي.

ستعمل الاتفاقية الثانية على تأسيس عملية انتقالية ثابتة، بحيث تحتفظ المملكة المتحدة بجميع مزايا عضوية الاتحاد الأوروبي، ولكن مع التقيد بالتزامات مثل المساهمة في ميزانية الاتحاد، والسماح بحرية حركة الناس، والالتزام بأحكام المحكمة الأوروبية.

إن الاختلاف الجوهري هو أن المملكة المتحدة ستخسر صوتها على الطاولة، وبالنسبة للبريطانيين المؤيدين للبقاء في الاتحاد- فإن هذه العملية الانتقالية ستسمح للمملكة المتحدة بالبقاء داخل الاتحاد في كل شيء عدا الاسم، وبالنسبة لبعض البريطانيين المؤيدين للخروج من الاتحاد فإن هذه طريقة للخروج بدون السقوط من حافة الهاوية.

إن الاتفاقية الثالثة في المرحلة الثانية ستتركز حول خريطة طريق للعلاقات البريطانية مع الاتحاد الأوروبي بعد سنة 2021، وهذا لا يعني وجود اتفاقية تجارة حرة بل هو إعلان سياسي عن المستقبل المنشود لكلا الطرفين.

والمرجح أن الصفقة الناتجة عن ذلك ستكون قائمة على تصوُّر وجود ترتيبات تجارية مستقبلية مبنية على نموذج الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة بين كندا والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الاتفاقيات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن والإرهاب وتطبيق القانون.

ولكن هذا يثير المخاوف نفسها كما في المرحلة الأولى؛ فإذا لم تجد الحكومة البريطانية نفسها مضطرة لتفسير خطتها على المدى الطويل بالتفصيل، فإن هذا يمكنها من المراوغة فيما يتعلق بكيفية تحقيق تقدم في هذا الخصوص.

وفي واقع الأمر؛ عندما تبدأ العملية الانتقالية الثابتة فإن من المستحيل تجنب المحاسبة التي ستحصل بين الجماعات المختلفة، ضمن مؤيدي ومعارضي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي في البرلمان البريطاني.

وحتى لو كانت هناك خطة طويلة المدى تحظى بقبول البرلمانيين البريطانيين، فإن من غير المرجح أن تحظى تلك الخطة بقبول البرلمانيين والناخبين على الجانب الآخر من القنال.

وفي وقت تتصاعد فيه المشاعر المعادية للعولمة؛ فإنه من غير المرجح أن توافق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أي صفقة تجارية يمكن أن تؤثر سلبا على رفاهيتهم الاجتماعية والمالية. وبينما كانت اتفاقيات الاتحاد السابقة تهدف لتحقيق التقارب بينه وبين طرف ثالث، فإن صفقة بينه وبين بريطانيا ستتجه إلى منع الاختلافات.

في وقت تتصاعد فيه المشاعر المعادية للعولمة؛ فإنه من غير المرجح أن توافق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أي صفقة تجارية يمكن أن تؤثر سلبا على رفاهيتهم الاجتماعية والمالية. وبينما كانت اتفاقيات الاتحاد السابقة تهدف لتحقيق التقارب بينه وبين طرف ثالث، فإن صفقة بينه وبين بريطانيا ستتجه إلى منع الاختلافات


إن ميشيل برينر -وهو كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي- كان صريحا فيما يتعلق بهذه النقطة، حيث قال إن السؤال الكبير ليس عما إن كانت بريطانيا ستخرج من الاتحاد، بل عما إن كانت "ستلتزم بالنموذج الأوروبي" بالنسبة للقواعد والأنظمة.

لقد كان سهلا -بالنسبة للسياسيين والنشطاء في أوروبا- معارضة اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي، وهي صفقة كبيرة جدا تستهدف الدفاع عن المقاييس التجارية الغربية في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، ولكن سيكون أسهل بكثير إطلاق حملات ضد أي صفقة مع المملكة المتحدة.

وذلك نظرا إلى أن الشخصيات الرئيسية -على جانبيْ الطيف السياسي البريطاني- تشكل تهديدا للنموذج الأوروبي؛ فعلى اليسار يبدو أن زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن يريد العودة للدعم والمساعدات الحكومية، كما كان عليه الحال في سبعينيات القرن الماضي.

وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي في بريطانيا؛ فإن أعضاء حزب المحافظين من أقصى اليمين يحلمون علنا بتأسيس نظام مرتكز على الضرائب المنخفضة والأحكام التنظيمية القليلة في بريطانيا، وهو قائم على أساس نموذج سنغافورة.

للأسف، ونظرا للجدول الزمني الخاص ببريكست؛ فإن الفشل في الاتفاق على صفقة طويلة المدى يمكن أن يأتي بعد أن تتجاوز بريطانيا بالفعل نقطة اللاعودة. إن بريطانيا -التي ستكون حينها قد خرجت من الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي وتخلت عن أي قدرة على المشاركة في اتخاذ قراراته- ستكون لا تزال خاضعة لقوانين الاتحاد الأوروبي.

وخيارها عندئذ سيكون إما الكارثة الاقتصادية ببريكست بدون صفقة، أو الكارثة السياسية بعملية انتقالية لا تنتهي وتترك بريطانيا بدون قدرة على التصويت بشأن قرارات الاتحاد الأوروبي، وفي كلتا الحالتين فإن بريطانيا لن تتمكن من استعادة السيطرة.

وهذا يُرجعنا إلى جسر جونسون الذي لا يقود إلى أي شيء، وهو التشبيه المجازي الصحيح لحركة بريكست؛ فعوضاً عن تصديق وعود جوفاء بمشاريع بناء خيالية، يجب على البرلمانيين البريطانيين أن يضغطوا في اتجاه اتخاذ قرار واقعي، يتعلق بعلاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد بريكست، وذلك قبل فوات الأوان.

المصدر : بروجيكت سينديكيت