يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

في 20 يناير/كانون الثاني 2017؛ وصل دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بترتيب 45 بين الرؤساء الذين توالوا على حكم الولايات المتحدة الأميركية.

ومع أن المؤسسات المتخصصة في دراسة سلوك المرشحين للرئاسيات -بناءً على طباعهم وميولهم ونزواتهم- كانت تؤكد أن الرئيس المنتخب -كائنةً ما تكن اتجاهاته وطموحاته- سيخضع لمبادئ وتوجهات "الجمهورية"؛ فإنها لم تتوقع أن الرئيس الجديد سيخرج عن "أصول اللياقة في الخطاب" والحكمة في اتخاذ القرار، ناهيك عن "الأعراف الدبلوماسية" التي يستوجبها منصبه وتفترضها القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى عالميا.

والشاهد الأقوى على ذلك أن الرئيس ترمب يلجأ غالبا -منذ ترسيمه رئيساً- لصفحته على موقع تويتر لإعلان مواقف وقرارات إستراتيجية، في غفلة ودهشة تامتين من مستشاريه وأركان مكتبه. والشاهد أيضا أن مهندسي السياسات (الداخلية والخارجية) لم يفتؤوا يجاهرون بتذمرهم وعجزهم عن توقع التحولات التي من شأنها أن تشمل "وجه" الولايات المتحدة، إذا لم يكن في العقود القادمة فعلى الأقل طيلة فترة حكم ترمب.

لم يعد المتابعون يتساءلون عن "السر" خلف نجاحه في انتزاع منصب الرئيس من بين يديْ المرشحة هيلاري كلينتون التي كانت جل استطلاعات الرأي ترجح فوزها، بل إنهم بدؤوا يتساءلون عن قدرة رئيس يتبرم جهارا نهارا من التاريخ والجغرافيا والسياسة ونظريات العلاقات الدولية بقوله إن سياسة بلده "لن تكون أبدا كما كانت عليه"


لم يعد المتابعون يتساءلون عن "السر" خلف نجاحه في انتزاع منصب الرئيس من بين يديْ المرشحة هيلاري كلينتون التي كانت جل استطلاعات الرأي ترجح فوزها، بل إنهم بدؤوا يتساءلون عن أهلية رئيس يتبرم جهارا نهارا من التاريخ والجغرافيا والسياسة ونظريات العلاقات الدولية -على خلفية من الادعاء- لدى تقديمه لخطاب التنصيب: "إن سياسة هذا البلد لن تكون أبدا كما كانت عليه"؛ فما قصده من ذلك بالتحديد؟

يوضح مستشاره في الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر هذا القصد بالقول التالي: "إنها الرؤية الثاقبة بأن العالم ليس مجموعة شاملة، بل حلبة. الأمم والفاعلون غير الحكوميين والفاعلون الاقتصاديون يتدافعون ويحاربون من أجل الامتيازات، من بين ظهرانيها.

نحن نقدم القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية بدون منازع". لكن، يتابع المستشار: "عوض أن نجهل أو نتجاهل هذه الخاصية الأولية للعلاقات الدولية، نحن نتحمل مسؤوليتها ووزرها".

من البديهي أن يكون توضيح مستشار شؤون الأمن القومي في سياق نزعة رئيسه، لكن المثير حقا هو أن يتم التشديد أولاً على القوة العسكرية، فيما لم يأت التنصيص على القوة الأخلاقية إلا في مؤخرة أولويات الترتيب.

سيطول الحديث حتما إن نحن عمدنا إلى الوقوف عند عناصر الوصل والفصل بين ما يعتزمه الرئيس ترمب وما قدمه سابقوه، وضمنهم الآباء المؤسسون أيضا، لكننا نلاحظ -على الأقل بهذه الجزئية- أن ثمة تمثلا مشتركا واحدا لمقام ومكانة أميركا بالداخل وعلى مستوى العالم، حتى بتباين واختلاف آليات وسبل إدراكه.

والدليل على ذلك أن مستشار الأمن القومي سابقا زبيغنيو بريجنسكي (زمن الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر) يقول تقريبا نفس كلام مستشار ترمب، وإن بصيغة "أقل خشونة وأكثر مرونة".

يقول بريجنسكي: "بفضل وجودها العالمي الهائل، فإن لأميركا الحق في أن تتمتع بمستوى من الأمن أكبر من مستوى باقي الدول..، إن المقاولة سترفع حتما من حظوظ نجاحها إذا سلمت بقية بلدان العالم بأن الإستراتيجية الكبرى لأميركا تهدف إلى إقامة مجموعة عالمية بمصالح مشتركة ومتقاسمة".

بيد أنه رغم كون موقفيْ مستشاريْ الأمن القومي الأميركي يصبان في نفس الخانة، مع اختلاف في الصيغة والنبرة؛ فإن الرئيس ترمب -الذي لا يرى في العالم إلا مجالا لـ"الفوضى الشاملة"، وفي الإنسان إلا "أعنف الحيوانات على الإطلاق"- لا يرى مستقبلا زاهرا لأميركا إلا بتفوقها المطلق على كل منافسيها وفي كل الميادين، العسكري والسياسي قبل الثقافي والأخلاقي.

لذلك، فليس من الصدفة في شيء أن يتنكر الرجل لكل الالتزامات السابقة، التي قطعها أسلافه ولا تبدو له متماهية مع هذا التصور، أو نسجت على النقيض منه. بمعنى أنه لا يتبنى إطلاقا علاقات الأمن التي لا تخدم أولا وأخيرا المصلحة القومية الأميركية.

ينادي ترمب بضرورة نهج سياسة انعزالية، لكن دون أن يعني ذلك التقوقع الصرف والبدائي على الذات، إنه يتطلع لإحياء الماضي الأسطوري الذي ضمن لأميركا القوة الداخلية الصلبة، وأفسح لها المجال فيما بعد (وفيما بعد فقط) للتفوق على باقي بلدان العالم، وبالانطلاق من هذه القاعدة الصلبة لا العكس. إنه يراهن على الشعبوية داخليا وعلى الوطنية في علاقات بلاده مع الخارج


ومن هنا يمكن فهم تنكُّره للعلاقات مع آسيا/المحيط الهادي العابرة للحدود، وتقويضه لاتفاقية التبادل الحر لأميركا الشمالية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتهديده بإعادة النظر في هياكل، لا بل في جدوى وجود حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي لا يبدو له ذا أهمية أو مصلحة عملية.

ليس المجال قائما هنا للتساؤل في مدى امتلاك الرئيس ترمب لرؤية ناظمة لسلوكه وسياساته، من عدمه. ولا يسمح المجال أيضا للحديث في طبيعة هذه السياسات: هل هي امتداد لسياسة هذا الرئيس أو ذاك أم هي تبنٍّ لقطيعة من نوع ما معها؟

الرجل نفسه لا يبدو مهتما بهذا الجانب بقدر اهتمامه بالنتائج المباشرة على أرض الواقع: إنه يريد أن يضع بلاده على خط الوصل مع نسبة نمو عالية (4% فما فوق)، ومن ثَم توجيه كل مفاصل الدولة في هذه الجهة، والنظر فيما قد تقدمه علاقات أميركا الخارجية لهذا الهدف.

لذلك، فهو لا يخجل من المجاهرة بضرورة القيام بإصلاح جبائي شامل، وبتحرير كل مفاصل الاقتصاد وبأسرع ما يمكن، وتحقيق الاستقلال الذاتي في مصادر الطاقة، وإعادة التفاوض حول كل المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمها الرؤساء السابقون مع هذا الطرف أو ذاك.

إنه ينادي -بوضوح ودون تردد- بضرورة نهج سياسة انعزالية، لكن دون أن يعني ذلك التقوقع الصرف والبدائي على الذات، إنه يتطلع لإحياء الماضي الأسطوري الذي ضمن لأميركا القوة الداخلية الصلبة، وأفسح لها المجال فيما بعد (وفيما بعد فقط) للتفوق على باقي بلدان العالم، وبالانطلاق من هذه القاعدة الصلبة لا العكس. إنه يراهن على الشعبوية داخليا وعلى الوطنية في علاقات بلاده مع الخارج.

ولهذا السبب، فإن أول ما عمد إليه ترمب -أشهرا فقط بعد تبوئه مقعد الرئاسة- هو الهجوم العنيف على النخب التقليدية، وعلى البيروقراطية التي غالبا ما تكون خلف نجاح هذا الرئيس أو ذاك. والشاهد القاطع على ذلك أن ثلثيْ المناصب الحساسة في وزارة الخارجية لا تزال شاغرة، لكونها في نظره غير مهمة "ولا تصلح لأي شيء".

وفي المقابل، رفع الرئيس ترمب مقام الطبقات المتوسطة وطبقة العمال، واعتبرهم مفتاح الوصل مع فترات الازدهار الأميركي التي عاشتها البلاد في زمن رونالد ريغان مثلا. إنها الطبقات التي لم تستفد -في نظره- من مزايا الاقتصاد الأميركي، وحان الوقت لمجازاتها وإعادة الاعتبار إليها.

ولما كان الأمر يحتاج إلى شعبوية من نوع خاص بحكم تجذر النخب التقليدية في مفاصل الإدارات الأميركية المتعاقبة؛ فقد عمد ترمب إلى ركوب موجتها بناءً على "وعد قاطع" منه بتغيير بنيات المنظومة برمتها، من الداخل أولا، ثم معاضدة ذلك بتوجهات جديدة في العلاقات مع الخارج.

إنه هنا إنما يمثل الامتداد الطبيعي لسياسة أميركية خارجية تبغض الصداقات وتركز على التحالفات، تماما كما هو الحال في تدافعات الفاعلين في السوق. إنه يريد علاقات عسكرية مع "حلفاء" محددين، تكون أميركا معهم هي المالك الأساسي لحصص رأس مال الحلف، ويكون لها امتياز وأفضلية الحصول على الأرباح المتأتية من ذلك قبل من هم معها في الحلف.

لا يبدو على الرئيس ترمب أي حرج عندما يعلن أن أي اتفاق لا يخدم ثلاثية "النجاح والقوة والمال" لا يلزمه، حتى وإن مس الأمر استقرار السياسة الخارجية ومبدأ التوافق "التاريخي" بين الحزبين بشأنها، لا بل إنه لا يعنيه إن أدى ذلك إلى اهتزاز مصداقية الولايات المتحدة مع هذا الحليف أو ذاك، مع هذه المنظمة الدولية أو تلك


وعلى هذا الأساس، كان ترمب متّسقا مع تصوره عندما طالب السعودية وبعض دول الخليج الأخرى بأداء "أجرة الأميركان"، نظير الحماية التي قدموها ويقدمونها لها منذ مدة بعيدة. ولم يكن خارجا على نطاق ما وعد به عندما صرح بأن بلاده لا تجني مقابلا ماديا مباشرا من وجودها في باكستان، أو من تمركز أساطيلها في هذه المنطقة من العالم أو تلك.

إن "البزنس الحقيقي للشعب الأميركي هو البزنس"، يقول الرئيس ترمب ويردد أتباعه من خلفه. وعليه، فمنطق الربح الاقتصادي يجب ألا يعمل من بين ظهراني السوق فحسب، بل يجب أن يكون الخيط الناظم لأي فعل وقرار، حتى وإن كان من طبيعة عسكرية أو سياسية خالصة.

كل ما يترتب على هذا التصور هو المحدد، وما سواه يجب أن يُطرح جانبا. لذلك فكل مفاصل سياسة ترمب المناهضة للهجرة، ونعوت "الحثالة" التي وزعها ويوزعها على الأفارقة والهايتيين (على هامش إعداده لقانون الهجرة الجديد)، ونقله للسفارة الأميركية إلى القدس إرضاء للوبي اليهودي، وتهديده بضرب إيران؛ كلها "إجراءات عملية خشنة" كان الرؤساء السابقون يتحرجون من اتخاذها أو حتى الجهر الصريح بها.

بهذه الجزئية أيضا لا يبدو على الرئيس ترمب أي حرج عندما يعلن أن أي اتفاق لا يخدم ثلاثية "النجاح والقوة والمال" لا يلزمه، حتى وإن مس الأمر استقرار السياسة الخارجية ومبدأ التوافق "التاريخي" بين الحزبين بشأنها، لا بل إنه لا يعنيه إن أدى ذلك إلى اهتزاز مصداقية الولايات المتحدة مع هذا الحليف أو ذاك، مع هذه المنظمة الدولية أو تلك.

ولذلك، فإن فترة حكم ترمب ستكون عصيبة لا محالة في نظر العديدين؛ فهي لا ترتكن إلى مبدأ التوازن الذي كانت تعبّر عنه "المثالية الأميركية" لعقود عدة (وإن ببعض التباينات الشكلية)، وتخترقه بين الفينة والأخرى "قيم الاستثنائية الأخلاقية".

كما أن سياسته لا ترتكن إلى مبدأ الواقعية السياسية التي يتم التفاوض في ظلها من أجل الدفاع عن المصالح القومية، لكن مع أخذ مصالح الآخرين بعين الاعتبار ضمنيا أو عند "التفاوض". إن الرئيس ترمب لا يؤمن بمقولة "أعطي وآخذ"، وإنما يؤمن بأطروحة "لا أعطي إلا بالقدر الذي آخذه، وإن استطعت أن آخذ دون أن أعطي فذاك أفضل وأحسن".

المصدر : الجزيرة