مارك ليونارد

مارك ليونارد

مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

في الأسابيع الأخيرة، هيمنت على وسائل الإعلام الأميركية والألمانية مجادلات سياسية غريبة؛ فلا يزال الجدال مستمرا في الولايات المتحدة بشأن رد فعل الرئيس دونالد ترمب الغامض والمراوغ تجاه العنف الذي ارتكبه دعاة تفوق الجنس الأبيض والنازيون الجدد في مدينة تشارلوت فيل بولاية فيرجينيا.
 
وفي الوقت نفسه، انشغل الألمان بالرد على مقال نشره نائب وزير المالية الألماني ينس سبان، اشتكى فيه من خطر تآكل الهوية القومية الألمانية الذي يشكله شباب الهيبستر (دعاة الليبرالية المفرطة) الذين يتحدثون الإنجليزية في برلين.
 
تسلط هذه المجادلات الضوء على كيفية تأثير الهوية القومية على سياسة كل دولة؛ ففي تشارلوت فيل قُتِلَت هيذر هاير (32 عاما) عندما دهس أحد دعاة تفوق الجنس الأبيض بسيارته حشدا من الناس، حيث كان هو وآخرون من تياره في المدينة للاحتجاج على قرار إزالة تمثال الجنرال روبرت إي لي، الذي هو أحد رموز الكونفدرالية. وعندما قابلهم متظاهرون مضادون، رد البعض بالعنف.
 
من الواضح أن سياسة الهوية الثقافية قد غلبت على سياسة الطبقة الاجتماعية/لاقتصادية في الولايات المتحدة. وبدفاع ترمب عن آثار تُعَد موضع نزاع وتأكيده على أن "كلا الطرفين" في حادث تشارلوت فيل يستحقان اللوم، فهو يرسل إشارة إلى القاعدة المؤيدة له -والتي تتكون أغلبيتها الساحقة من البيض- بأنه سيحارب من أجل حقوقهم بوصفهم "أكثرية مهددة".

من الواضح أن سياسة الهوية الثقافية قد غلبت على سياسة الطبقة الاجتماعية/لاقتصادية في الولايات المتحدة. وبدفاع ترمب عن آثار تُعَد موضع نزاع وتأكيده على أن "كلا الطرفين" في حادث تشارلوت فيل يستحقان اللوم، فهو يرسل إشارة إلى القاعدة المؤيدة له -والتي تتكون أغلبيتها الساحقة من البيض- بأنه سيحارب من أجل حقوقهم بوصفهم "أكثرية مهددة"


وعلى أية حال، فقد كان وعده الانتخابي "بجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" بمثابة شفرة تلمح إلى معارضته لزيادة التنوع العرقي في أميركا.
 
لا عجب في أن يصبح تراث الجنرال لي نقطة اشتعال رمزية، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار تاريخ العلاقات بين الأجناس في أميركا. لكن هتاف كثير من دعاة تفوق الجنس الأبيض في تشارلوت فيل بأن "اليهود لن يحلوا محلنا" يبين أن نوعا واحدا من التعصب قد يتحول بسرعة إلى شكل آخر من أشكال التعصب.
 
في الوقت الذي تنتقل فيه الهولوكوست (المحرقة) من الذاكرة إلى التاريخ، لم يكن من المتصور أن يطلق قائد سياسي ألماني لنفسه العنان ليبث هذا القدر من معاداة السامية بين أنصاره. لكن القلق على الهوية القومية لا يزال حيا في ألمانيا، خاصة منذ وصول أكثر من مليون لاجئ إليها منذ 2015.
 
وهذا الأمر هو الذي يفسر سبب إقدام سبان -وهو نجم صاعد في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم- على كتابة مقال لصحيفة "دي تسايت" الأسبوعية ذات التأثير الشعبي هاجم فيه "دعاة الليبرالية المفرطة" لتحدثهم اللغة الإنجليزية، ويتحسر على انتشار قوائم الطعام المكتوبة باللغة الإنجليزية في المطاعم والمقاهي.
 
وفقا لما ذكره سبان؛ فإن الألمان الأكبر سنا -مثل والديْه- سرعان ما سيشعرون بأنهم "كالغرباء في وطنهم"، وسيؤدي انتشار اللغة الإنجليزية بين "جيل الإيزي جيت" (إشارة إلى شركة طيران بريطانية تعمل بنظام الطيران المنخفض التكلفة) الذي لا ينتمي لقومية معينة (كوزموبوليتان) إلى ظهور "مجتمع موازٍ"، تضيع فيه "الاختلافات الثقافية" وتُدمر فيه الثقافة القومية الألمانية.

ثم يتساءل سبان: كيف يطالب الألمان اللاجئين والمهاجرين بالاندماج في المجتمع الألماني إذا كان الألمان أنفسهم لن يتحدثوا لغتهم؟ وقد رد النخبويون المقيمون في برلين على مقال سبان بالسخرية، التي تمثل في حد ذاتها انعكاسا للثقافة السياسية للعاصمة الألمانية.
 
وهي ثقافة يتزايد طابعها الأممي المتحرر من القوميات منذ إعادة توحيد الألمانيتين، إذ تشترك نخب ألمانيا اليوم في نظرة مستقبلية تبعد كل البعد عن العصبية المحلية المنغلقة على الذات، والتي تجسدت في جمهورية بون ما بعد الحرب.

وقد يبدو من المستغرب أن يكون سبان بوقا لمهاجمة الأممية المتحررة من النزعة القومية، لكونه عضوا في طبقة برلين السياسية في العقد الرابع من عمره، وميوله مثلية. لكن سبان مُنَظِّر إستراتيجي سياسي طموح يضع عينه على المستقبل الانتخابي، كما أنها ليست المرة الأولى التي يثير فيها جدالا.
 
فبعد ادعائه بأنه يعاني من "رُهاب النقاب"، انتقد سبان علانية سياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشأن اللاجئين، وطالب بسن قوانين لتنظيم محتوى الخطب والمواعظ في المساجد وإنشاء سجل لرجال الدين الإسلامي.

ويبدو سبان مصمما على الإبقاء على الناخبين الأكبر سنا من المحافظين ذوي الميول الدينية، ومنع تركهم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي والانضمام لحزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي.
 
لكن ليس مفاجئا أن يُتهم سبان أيضا بالشرب من نفس البئر السياسية التي شرب منها ترمب. وبهذا المعنى، تعتبر حالة الجدال الدائرة في ألمانيا اليوم أكثر تهذيبا وأصح سياسيا من النسخة الأميركية.

يرى الصحفي البريطاني ديفد جودهارت أن سياسة اليوم لم تعد معركة بين اليسار واليمين، بل أضحت صراعا بين "الأشخاص المثقفين المتحركين الذين يرون العالم من 'أي مكان' ويقدرون الاستقلالية والسلاسة"، وهؤلاء "الأكثر تمسكا بالجذور، الأقل ثقافة وتعليما بشكل عام، والذين يرون العالم من 'مكان ما' ويعطون الأولوية للارتباطات الجمعية والأمن"


يرى الصحفي البريطاني ديفد جودهارت -في كتابه "الطريق إلى مكان ما: التمرد الشعبوي ومستقبل السياسة"- أن سياسة اليوم لم تعد معركة بين اليسار واليمين، بل أضحت صراعا بين "الأشخاص المثقفين المتحركين الذين يرون العالم من 'أي مكان' ويقدرون الاستقلالية والسلاسة"، وهؤلاء "الأكثر تمسكا بالجذور، الأقل ثقافة وتعليما بشكل عام، والذين يرون العالم من 'مكان ما' ويعطون الأولوية للارتباطات الجمعية والأمن".
 
لا شك أن ألمانيا -على عكس الولايات المتحدة- لا تزال حتى الآن محصنة بدرجة كبيرة ضد التحول الشعبوي الذي أحدث انقلابا في سياسات الدول الغربية الأخرى.
 
فرغم كل الغضب والانفعال بشأن اللاجئين؛ تحتفظ ميركل والاتحاد المسيحي الديمقراطي بتقدم متفوق للغاية على كل الأحزاب الأخرى في استطلاعات الرأي. وسيكون حزب البديل من أجل ألمانيا محظوظا لو حصل على عُشر الأصوات في الانتخابات الفدرالية المزمعة في 24 سبتمبر/أيلول الجاري.
 
وهذا يجعل تدخل سبان الطموح جديرا بالاهتمام والملاحظة، إذ إن قراره بمهاجمة الأممية خلال الحملة الانتخابية يكشف كثيرا عن تكهناته لمستقبل السياسة الألمانية، لكونه خليفة محتملا لميركل. فبدلا من النظر إلى أحزاب ألمانيا المعتدلة على أنها طلائع لمستقبل أممي؛ يبدو سبان وكأنه يعتبر إخفاق بلاده في تبني واحتضان سياسة الهوية انفصالا غريبا عن الواقع.
 
ووفقا لنظرة سبان، فإن "دُعاة الليبرالية المفرطة النخبويين" ربما يعتقدون أنهم أمميون، لكنهم في الحقيقة يخونون عصبيتهم المحلية. فبينما هم منشغلون ومهتمون بمحادثة بعضهم باللغة الإنجليزية، تحتفي معظم الدول الأخرى بلغاتها وهوياتها القومية.
 
ويبدو أن سبان يقدم وجهة نظر مماثلة بشأن القوامة السياسية، من خلال التنبيه إلى أنه إذا لم تدافع أحزاب ألمانيا الرئيسة عن الهوية الألمانية التقليدية، فسيقوم متطرفو اليمين بذلك.
 
لكن رهان سبان على سيادة سياسات على نمط سياسات ترمب في ألمانيا مستقبلا ينطوي على مخاطرة، أخذا في الاعتبار مدى ما شهدته برلين -من بين كل الأماكن الأخرى- من مآسٍ جلبتها سياسات الهوية. وبالتأكيد لن يتلاشى الخوف من التاريخ بالسهولة التي يفترضها سبان.
 
ومع ذلك، تظل شكوك سبان بشأن مستقبل السياسة الألمانية مقلقة حقا. إن حالة الجدال الدائرة في ألمانيا -وكذا في الولايات المتحدة- لا تفتح نافذة كاشفة على روح القادة السياسيين فحسب، بل وعلى روح ناخبيهم أيضا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات