مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

كان مدخل هذا المقال ضمن بحث العاقلات الغربية الإسلامية.. الطريق الثالث، كمهمة أساسية في محطة كندا لمعرفة أصول ساهمت في التوجه الحقوقي والتعايشي الحديث لكندا، وخاصة في فترة رئيس الحكومة الحالي جاستن ترودو، الذي اشتهر بمبادرات عديدة تجاه المسلمين في وطنه، وبمواقفه مع حالات الاضطهاد التي تعرض لها الشرق المسلم.

حيث بات المسلمون ضمن خريطة الاضطهاد الشرسة للعالم الجنوبي، للنجاة من المستبدين بعد مصادرة الثروات لصالح القوى الإمبريالية الروسية وحتى الصينية، أو الغربية العريقة في إمبرياليتها، فهَامَ الضحايا على وجوههم يبحثون عن موطن حلم جديد لحياتهم وحياة عائلتهم.

فوصلوا كندا إثر الحروب أو حالات المطاردة العنصرية التي حاصرتهم بعد تزايدها حتى في أوروبا، وصولاً إلى موقف ترودو من حوادث العنف والإرهاب التي وقعت للمسلمين في كندا، وخاصة في حادثة دهس يميني متطرف عددا من المصلين في مسجد كيبيك، التي أودت بمقتل ستة منهم وجرح آخرين.

فالقاعدة الأكثر دقة وعمقاً في فهم الظواهر والأحداث السياسية هي العودة للتاريخ الاجتماعي ببعده السياسي والفلسفي، لفهم توجهات حياة الأمم والمجتمعات من حيث نزعات التشدد أو التسامح، وهل هي سلوك فردي لشخصيات انطلقت من مبادئ ذاتية بعد تجربة سياسية أو فكرية، أم بنية تراكم انتهت إلى تأثير محوري في هذا المجتمع باتجاهيه، الاعتدال والتطرف.

القاعدة الأكثر دقة وعمقاً في فهم الظواهر والأحداث السياسية هي العودة للتاريخ الاجتماعي ببعده السياسي والفلسفي، لفهم توجهات حياة الأمم والمجتمعات من حيث نزعات التشدد أو التسامح، وهل هي سلوك فردي لشخصيات انطلقت من مبادئ ذاتية بعد تجربة سياسية أو فكرية، أم بنية تراكم انتهت إلى تأثير محوري في هذا المجتمع باتجاهيه، الاعتدال والتطرف


خاصة أن كندا شهدت حكم المحافظين منذ فترة قريبة تزامنت مع حروب الولايات المتحدة الأميركية في الشرق، وكانت هذه الحكومة -التي اتُّهمت بتسهيل تعذيب واعتقال لصالح واشنطن- شريكا ورديفا مباشرا يُنظر إليه أحيانا كظل لواشنطن في التاريخ الغربي الحديث، فهل فترة حزب الأحرار الكندي (الحزب الليبرالي الديمقراطي) الذي يقوده الشاب جاستن ترودو في كندا، تكفي للحكم على هذا التطور الديمقراطي؟ كان هذا هو السؤال الرئيسي.

ويجب التذكير هنا بأن روح التسامح والتعايش التي شعر بها المسلمون لدى أبناء الشعب الكندي، وفي منطقة كيبيك الفرنسية ضمن الفدرالية الكندية؛ تصاعدت وتعزّزت في العهد الأخير، وهي لا تزال قوية وحاضرة بشهادات عديدة سمعتها من أئمة المراكز الإسلامية وشخصيات المسلمين.

وفي المقابل لا تزال المخاوف قائمة من أعمال تستهدف المسلمين الكنديين ومؤسساتهم ومساجدهم، يقودها يمين عنصري محدود يدعو لوقف هجرتهم إلى كندا، لكن لثقافته مساحة مؤثرة جداً في الإعلام.

كما أن التأثير الأميركي بثقافته العنصرية -وخاصة بعد فوز دونالد ترمب- يحضر في بعض أركان الشارع الكندي وزواياه، لكن الحكومة الليبرالية تسعى لمحاصرته، ولا يزال النقاب -على سبيل المثال- يُتنقل به في كندا بحرية، مع مطالبات ضعيفة بحظره لم تصل حتى الآن إلى نجاح في تشريع الحظر كقانون.

وقد استفاد المسلمون من التعاطف الذي جرى معهم بعد حادثة مسجد كيبيك، حيث تواصل الكنديون -وخاصة من المسؤولين المحليين في الإدارات الأمنية والاجتماعية والسياسية- مع المجتمع المسلم، وفهموا منهم مباشرة أفكار وسلوك وشعائر المسلمين، مما خلق ثقافة تفاهم عملية إيجابية، كما حدثني بذلك عدد من أبناء المسلمين، منهم الشيخ حسين عامر إمام مسجد الجسر في مونتريال.

هذه الحملة التضامنية التي حفّزها الحزب الحاكم لموقف مبدئي أو مصلحي ضمن خريطة الانتخابات، يسعى العرب والمسلمون لنقلها إلى كتلة حقوق تشريعية، تساهم في تحقيق حقوقهم المدنية داخل المجتمع الكندي كشريحة تكاملية وليسوا لاجئين موسومين بالتمييز، وتعزيز المواجهة الحقوقية لتأثيرات الحملات اليمينية المتطرفة في الإعلام والمجتمع وبعض الأحزاب السياسية.

ويقود هذه المسيرة شخصيات من قدامى المهاجرين من أبرزهم الشيخ حسن غيّة اللبناني الأصل، وهو أحد أبرز الدعاة والموجهين التربويين للجالية المسلمة، لكن بعمق فكري مختلف.

وقد لفتت نظري في الشيخ حسن -الذي استمعت إليه وشاركت معه في تنقلاته العديدة في زياراته للمراكز الإسلامية ولأبناء الجاليات العربية وخاصة أبناء لبنان- روحُ الاستقلال الشخصي التي تمد يديها إلى الجميع من أقليات عربية مسلمة أو مسيحية، وجسوره المتعددة مع المدارس الإسلامية الموجودة بين المسلمين الكنديين ومواطني الهجرة القادمين لغرض التوطن.

ومن الصعب جداً أن نجد حالات انسجام وتجارب تشاركية كبيرة في مناطق المواطنة الجديدة للمسلمين في الغرب، بسبب توجهات ومذاهب التيارات والمجتمعات المختلفة التي تجدها حتى في مونتريال، لكن محاولة الشيخ حسن تعتبر متقدمة جدا وناضجة في هذا الاتجاه.

وهو شخصياً من عرّفني مثلا على الأستاذ حسن عز الدين وكيل شيخ العقل للدروزالموحدين في لبنان لدى دروز كندا، وهو مثقف قدير من جيل الهجرة الأول وصاحب مكتبة الشرق الأوسط العربية أقدم مكتبة في كندا.

تطوير العلاقات الإيجابية بين المسلمين من كل الشرائح والجاليات العربية، ثم التعاون الذي حصل مع أقليات أخرى كالسيخ، في سبيل تحشيد التصويت ضد الأحزاب العنصرية المقاومة لحقوق المواطنين والمهاجرين؛ سيُساعد مسلمي كندا على تجاوز تحديات صعبة، ودمج مواطنتهم كحق سياسي أصلي


وعرّفني على عدد من الشخصيات المسيحية السياسية والاجتماعية اللبنانية، مثل صديقه القديم د. رشاد أنطونيوس الكندي المصري المهتم بعلم الاجتماع السياسي، والذي كان حواره -الذي سأعود له في مقال قادم- من أهم معالم الرحلة. هذا فضلا عن تنقل الشيخ حسن غيّة المستمر في عدد من الجوامع، وإلقائه للدروس في مساجد عديدة.

ولدى الإخوان المسلمين أيضا مؤسساتهم وشخصياتهم التي يبني معها الشيخ حسن تعاقدا تكامليا لا تناقضيا، وهي مركزية مهمة نتمنى أن تتجه للتطوير في العلاقات الإسلامية/الإسلامية.

وكان الشيخ حسن ألقى الكلمة الرئيسية في محفل تأبين شهداء مسجد كيبيك، واستخدم فيها لغة مدنية حقوقية وإدانة فكرية لكل الإرهاب، وسلط الضوء على مسؤولية الإسلامفوبيا عن تحشيد مشاعر الشاب الجاني من اليمين المتطرف مما ساقه إلى ارتكاب هذه العملية الإرهابية، كما أن خطاب الشيخ حسن يشرح في الإعلام الكندي قضية تطرف وغلو جماعات الإرهاب التي وُلدت في الشرق المسلم، ويُفنّد سلوكها بلغة العدالة الإسلامية.

وبحسب شهادات؛ فإن كلمة ذلك المحفل -الذي أُلقي فيه تأبين شهداء جامع كيبيك- أخذت صدىً كبيراً في كندا، فتحولت وسائل الإعلام للاستماع من الشيخ حسن غيّة وزملائه في استضافات عديدة للموقف الإسلامي الممثل للمسلمين، بدلاً من استباقهم المعتاد للبحث عن مبررات للتطرف اليميني، من خلال استدعاء تصريحات لمتشددين داخل أو خارج كندا.

وهو مؤشر مهم، وإن كانت مسألة ضبط الإعلام بمعايير منصفة ليست في مقدور مسلمي كندا ولا غيرهم، فهو لعبة صعبة تعتمد التمويل لا المصداقية، لكن أجواء التسامح -التي ترعاها الحكومة الحالية- تعزّز فرص حضور المسلمين في الإعلام الكندي.

كما أن تطوير العلاقات الإيجابية بين المسلمين من كل الشرائح والجاليات العربية، ثم التعاون الذي حصل مع أقليات أخرى كالسيخ، في سبيل تحشيد التصويت ضد الأحزاب العنصرية المقاومة لحقوق المواطنين والمهاجرين؛ سيُساعد مسلمي كندا على تجاوز تحديات صعبة، ودمج مواطنتهم كحق سياسي أصلي.

وهو ما يستدعي تحريرات فكرية من شركاء الرحلة في الغرب إجمالاً وفي كندا على وجه الخصوص، تخرجهم من قوالب أزمات التفكير المرتبطة بنزاعات الشرق أو ثقافته التائهة التي تقدم تصورات الصراع قبل تصورات التعاون، لتحقيق مصالح أكبر ودفع مفاسد أخطر في وطن الحلم الجديد لمسلمي كندا وشركائهم المهاجرين والمواطنين الغربيين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات