إليزابيث درو

إليزابيث درو

مؤلفة كتاب يوميات واشنطن

في الكثير من الإدارات الأميركية -إن لم يكن أغلبها- يظهر شخص يتمكن من إقناع الصحافة بأن الرئيس لا يستطيع العمل بدونه (لا ينطبق هذا على أي شخصية نسائية حتى الآن). وتمثل عبارة "المساعد الذي لا غنى عنه" في واقع الأمر واحدا من أكثر المجازات اللغوية ابتذالا في الرئاسة الحديثة.

فكان كارل روف بمثابة "دماغ الرئيس جورج بوش الابن"؛ وكان هاري هوبكنز يعمل على تماسك فريق البيت الأبيض الغزير الإنتاج في عهد فرانكلين روزفلت؛ وظَهَر بِل مويرز على غلاف إحدى المجلات بوصفه "الملاك الطيب لليندون جونسون".

ووفقا لهذه الرواية؛ فإن الإدارة الأميركية كانت ستغرق حتما في الفوضى -أو تنزلق إلى الكارثة- في غياب مثل هذه الشخصية. في أغلب الأحيان؛ يجري اختراع أو تشجيع هذا المجاز من الشخصية المعينة التي لا يمكن الاستغناء عنها.

يصدّق الصحفيون هذه القصة عادة، وبصرف النظر عن مدى صدقها أو ما إن كانت تقوم على أساس جيد: فهي توضح كل شيء، وتعطيهم شيئا يكتبون عنه. وبالطبع، يشعر الشخص الذي لا غنى عنه بالسعادة في الكشف عن قصة درامية حول الكيفية التي حوّل بها الهزيمة إلى نصر، أو ابتكر فكرة بارعة، أو منع وقوع خطأ رهيب.

تطفل بانون على السياسة الخارجية بوضع نفسه على رأس مجلس الأمن القومي فترة من الوقت، إلى أن أزاحه اثنان من الجنرالات في إدارة ترمب، وهما تحديدا مستشار الأمن القومي هربرت مكماستر وجون كيلي (كبير موظفي البيت الأبيض الآن). وكان من المتصور أن بانون وراء الدفعة الأخيرة لإرغام مكماستر على الخروج، في الأساس عبر الإشارة إلى أنه "مناهض للسامية"


ولكنّ الشخصية المصيرية المزعومة تتجاوز عادةً حدود دورها أو سلطانها؛ ففي البيت الأبيض في عهد رونالد ريغان، رأينا كيف تصور دونالد رِغَان -الذي خلَف جيمس بيكر في منصب كبير موظفي البيت الأبيض- نفسه رئيسا للوزراء: فأقحم نفسه في صور الرئيس ريغان مع الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف.

كما كان فظا مع الناس الأقل شأنا منه (بما في ذلك المراسلون الصحفيون)، ثم ارتكب خطأه الفادح المتمثل في إغلاق الخط في وجه نانسي ريغان (زوجة الرئيس)، التي كانت تكرس نفسها لراحة "روني" (الرئيس). وسرعان ما طُرِد دونالد رغان.

الرؤساء أنفسهم ليسوا مولعين بشكل خاص بقراءة الكيفية التي تمكّن بها مساعد خارق الذكاء من إنقاذ سمعته. فكل الرؤساء يتمتعون بشعور صحي بالذات العليا؛ إذ لو كان الآخرون في مستوى ذكائهم، فلماذا لم يصبح أي منهم رئيسا؟ والرئيس المنتخَب الحكيم يستطيع تمييز الطاووس إذا رأى واحدا -وهو يتجنب هذا النوع منذ البداية- أو يعرف كيف يُبقي ريشه تحت السيطرة.

كان باراك أوباما راضيا للغاية عن نفسه لأسباب وجيهة، كما كان حسه بكرامته عاليا حتى إنه لم يسمح بظهور مساعد خارق خلال رئاسته. ولم يتجرأ أي من مستشاريه على محاولة سرقة الأضواء منه.

لم يكن ستيفن بانون شخصا حكيما وبشكل خاص كمساعد في البيت الأبيض -إذ لم يتمكن من احتواء الطاووس داخله- وكانت "أنا" دونالد ترمب هشة بشكل كبير. وكان كل منهما غير كفء للقيام بدوره. فقد أمضى ترمب حياته في عالَم المال والأعمال محاطا بأفراد أسرته وأتباعه، ولم يكن هناك من المساهمين أو النواب لرئاسة شركاته من يتمتع بطموح خاص. وكان الرجلان عبارة عن سوء توافق صُنِع في جحيم البيت الأبيض.

كان ترمب كمرشح ينصت لغرائزه، وكانت غرائزه في السباق الرئاسي العام الماضي تشير عليه بأن العمال الكادحين -وغيرهم ممن يخشون على مستقبلهم الاقتصادي- في احتياج إلى ضحايا يصبون عليهم جام غضبهم، سواء كانوا المهاجرين المكسيكيين أو المصرفيين من أصحاب المليارات.

وكانت فكرة بناء جدار (على الحدود مع المكسيك) -سواء كانت تخيلية وهمية أو لم تكن- ستمنع "الأشرار" الذين كانت المكسيك "ترسلهم إلينا". وبالصدفة كان بانون بين كل الأشخاص المحيطين بترمب هو الأكثر توافقا مع آرائه. وكان شخص مثل بانون -الذي يقدم باعتباره رجلا متعلما مثقفا ويشدد على تألقه وذكائه- هو الشخص الذي يرغب المرء في تقريبه منه.

ترمب رجل لا يتورع عن استغلال كل ما قد يضمن له النجاح. وبمجرد انتخابه، وضع أصحاب المليارات على مقاعد الحكومة، ويبدو أن أحدا لم يراجعه حتى الآن في تصريحه لأنصاره بأن أصحاب الثراء الفاحش مطلوبون لإدارة البلاد.

من ناحية أخرى، لفّ بانون نفسه بما يمكن وصفه عموما بعباءة الفلسفة، التي تتألف من غضب عَدَمي تجاه أي "مؤسسة". ولكن شعبويته كانت زائفة؛ ففي حين ناصر بانون سياسيا العمال الكادحين، كان يعيش بالملايين التي حصل عليها من عمله لدى "غولدمان ساكس" ومن خلال ثروة استثمرها في الكوميديا التلفزيونية "ساينفلد".

كما ازدهر بدعم من أسرة الملياردير ميرسر، التي جمعت ثروتها من خلال الموهبة التكنولوجية الفائقة التي تمتع بها رب الأسرة روبرت ميرسر وصندوق التحوط الذي تولى قيادته، ومن تمويل "بريتبارت نيوز"، وهو الموقع الإلكتروني اليميني المتطرف الذي كان بانون يتولى تحريره سابقا، والذي يروج للقومية المتطرفة وسيادة ذوي البشرة البيضاء، مع نفحة من معاداة السامية.

كانت آراء بانون المتطرفة مكتسية ظاهريا برداء مجموعة خيالية من المبادئ المزينة بزخارف من مفكرين مدهشين. وفي التجارة والهجرة مثلا، اكتسب بانون فلسفة تتماشى مع انتهازية ترمب السياسية (أما ذات ترمب الأكثر ليبرالية والداعمة للديمقراطية فهي قصة أخرى).

سمَّمَ تلميحُ بانون إلى أنه لعب دورا أساسيا في النصر الانتخابي الذي حققه ترمب العلاقة بين الرجلين. ولهذا، كان من الواجب أن يبلغ سوء التوافق هذا في البيت الأبيض منتهاه. والآن بعد أن ذهب بانون، سيواصل إطلاق الرسائل من مجثمه القديم الجديد الذي عاد إليه في نفس اليوم الذي أُعلِن فيه رحيلُه. وسيظل ترمب على حاله


كان من الخطأ أن ننظر إلى بانون بوصفه "بيغماليون" لـ"غالاتيا" ترمب، أو -كما فعل بعض المراقبين- بوصفه "راسبوتين" في بيت ترمب الأبيض. فقد عمل بانون على تعزيز الميل القومي الذي دفع ترمب إلى المبالغة في تجاهل ابنته إيفانكا ومستشاريه الاقتصاديين، عند اتخاذ قراره بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ.

كما تطفل بانون على السياسة الخارجية بوضع نفسه على رأس مجلس الأمن القومي فترة من الوقت، إلى أن أزاحه اثنان من الجنرالات في إدارة ترمب، وهما تحديدا مستشار الأمن القومي هربرت مكماستر وجون كيلي (كبير موظفي البيت الأبيض الآن). وكان من المتصور أن بانون وراء الدفعة الأخيرة لإرغام مكماستر على الخروج، في الأساس عبر الإشارة إلى أنه "مناهض للسامية".

بيد أن الدور الذي لعبه بانون بوصفه عبقريا بلا وزارة -والذي أوقعه فيه ترمب إلى أن وصل كيلي وأوضح تسلسل القيادة- كان فيه دماره. فمع غياب أي مسؤوليات محددة؛ تدخل بانون حيثما شاء، وانتهت به الحال إلى تكوين عدد كبير من الأعداء.

كما كان لديه متسع من الوقت لخوض معارك داخلية عبر تغذية المراسلين بقصص حول منافسيه في البيت الأبيض، رغم أنه كان على استعداد لتحويل أي شخص (مثل كبير موظفي البيت الأبيض رينس بريبوس) من خصم إلى صديق، كلما كان ذلك مناسبا.

كان بانون مثيرا للمتاعب بقدر ما كان صانعا للسياسة، ولم ينسجم الدوران. وبدأ ترمب أيضا يرى في بانون "مصدرا للتسريب". والواقع أن البيت الأبيض في عهد ترمب يتسم بالتسريب الشديد؛ فقد سمح كثيرون ممن يعملون هناك لأنفسهم بإبلاغ المراسلين بأن مشاعرهم مختلطة بشأن العمل لدى ترمب، ولكنهم يعتقدون أنه من الشجاعة أن يصروا على البقاء وحماية البلاد من زعامته.

الحق أن تبجح بانون قاده إلى الأرض الأكثر خطورة لمواجهة ترمب: هوس الرئيس بنصره الانتخابي. ذلك أن الغموض الذي اكتنف الفوز بتصويت الهيئة الانتخابية (وليس -كما زعم كاذبا- بأكبر فارق منذ ريغان) ولكن مع خسارة التصويت الشعبي بنحو ثلاثة ملايين صوت؛ يقض مضجع ترمب.

وهذا هو السبب الذي دفعه إلى اختراع الملايين من الأصوات "غير القانونية"، وعرض خرائط تُظهِر الولايات التي فاز فيها باللون الأحمر الذي غطى أغلب أراضي الولايات المتحدة، بل إنه اقترح على مراسل واحد -على الأقل- أن تنشر صحيفته الخريطة على صفحتها الأولى.

سمَّمَ تلميحُ بانون إلى أنه لعب دورا أساسيا في النصر الانتخابي الذي حققه ترمب العلاقة بين الرجلين. ولهذا، كان من الواجب أن يبلغ سوء التوافق هذا في البيت الأبيض منتهاه. والآن بعد أن ذهب بانون، سيواصل إطلاق الرسائل من مجثمه القديم الجديد الذي عاد إليه في نفس اليوم الذي أُعلِن فيه رحيلُه. وسيظل ترمب على حاله.

المصدر : بروجيكت سينديكيت