عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

إذا كان صدرك لا يتسع للرأي الآخر فأنت مهزوم داخليا، وتحاول الهروب من الحقيقة، وهذا هو شأن المؤسسة الرسمية العربية التي تقمع الرأي وتحارب حرية التعبير. المخطئ والفاسد والاستبدادي جميعهم يحاربون حرية التعبير لأنهم على خطأ، بل على خطيئة، ولا يريدون تداول أخطائهم وخطاياهم من قبل العامة خوفا على مناصبهم وكراسيهم ونهبهم للثروات العامة.

الحاكم الخيّر والمحترم الذي يعمل على إقامة العدالة بين الناس لا يحارب الناس في آرائهم، ولا يمنعهم من التعبير عن أنفسهم، وإبداء وجهات نظرهم.

ولهذا نقول دائما إن الجبناء فقط هم الذين يحرمون الناس من التحدث بصراحة ووضوح عن آلامهم وأحلامهم وآمالهم وتطلعاتم، وفقط الشجعان هم الذين يرون في الرأي الآخر إثراء لأدائهم لأن في ذلك ما ينبههم إلى أخطاء قد يكونون قد ارتكبوها، أو أمور قد سهوا عنها.

الجبان يحتقر نفسه، ويعي أن قدراته ضئيلة جدا، ويعرف أنه يستخدم أموال الناس لتقوية أعوانه ومنافقيه من أجل أن يكونوا أدوات قمع وقهر وطغيان. وحالنا في الوطن العربي ليس بعيدا عن هذا التوصيف؛ ففي هذا العالم المتغير بسرعة يستمر أغلب حكام العرب متمسكين بالسلوكيات القمعية التقليدية حتى لا تبقى هناك ألسنة تلهج بالحق أو تطالب به


الشجاع يستطلع آراء الناس دوما لأنهم هم المعنيون دائما بسياساته التي تمس حياتهم اليومية ومستقبل البلاد والعباد والأجيال، أما الجبان فيبقى أسير جبنه مرتعدا خائفا كارها لسماع ما يتردد على ألسنة الناس حوله. هو يعلم أن الناس غير مرتاحين له، فيسخّر كل قواه -خاصة أجهزته الأمنية- لحراسة مكان أسره لكي يبقى عدوا لنفسه وللناس.

الجبان يحتقر نفسه، ويعي أن قدراته ضئيلة جدا، ويعرف أنه يستخدم أموال الناس لتقوية أعوانه ومنافقيه من أجل أن يكونوا أدوات قمع وقهر وطغيان. وحالنا في الوطن العربي ليس بعيدا عن هذا التوصيف؛ ففي هذا العالم المتغير بسرعة يستمر أغلب حكام العرب متمسكين بالسلوكيات القمعية التقليدية حتى لا تبقى هناك ألسنة تلهج بالحق أو تطالب به. وأكبر دليل على ذلك استمرار قوى الأمن العربية في ملاحقة وسائل الإعلام والإعلاميين وأصحاب الأصوات الحرة في المجتمعات العربية.

ما زال الحكام العرب -حتى في هذا الخضم العالمي العارم من التركيز على حريات الناس- يلاحقون أصحاب الرأي والأقلام الحرة. وبسبب غياب الشجاعة لديهم، تهتز عروشهم من مقال أو مقابلة تلفازية، ويحشدون قواهم الأمنية لملاحقة رئيس تحرير جريدة أو أكاديمي أو أي فرد عادي يجرؤ على انتقادهم.

لنا في المواقف من قناة الجزيرة مثال حي على ما أقول؛ فمنذ أن انطلقت الجزيرة -ولغاية الآن- وهي تعاني المتاعب من ملاحقات الأنظمة العربية، من إغلاق مكاتب واعتقال مراسلين واقتحام مقرات وملاحقة عدد من الذين تُجري معهم مقابلات.

القناة لم تكن تسلم عبر السنوات، وضيوفها أيضا لم يسلموا. ولي أنا في هذا الأمر تجارب؛ فمثلا أغلقت دولة عربية مكاتب الجزيرة في عاصمتها بعد مقابلة تمت معي لدقائق. لم يستطع النظام تحمل عدة دقائق من النقد الموجه ضده، واعتبر الشخص والقناة خطرا عليه.

وفي تجربة أخرى، هاجم مسلحون فلسطينيون -غير مناضلين ويعملون في السلطة الفلسطينية- مكتب شركة بال ميديا الفلسطينية في نابلس بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2011، لإيذائي بسبب مقابلة مع الجزيرة حول "كشف المستور" (وثائق بشأن مفاوضات السلطة الفلسطينية الإسرائيلية).

وجدوني قد غادرت المقر إذ أحسنت الخروج، لكنهم قاموا بتحطيم بعض الأجهزة الخاصة بالتصوير وتكلفت الشركة مبلغا كبيرا. وأنا لم أسلم من الشركة؛ إذ عممت حظرا لظهوري على التلفاز من خلال مكاتبها لمدة قاربت سنة ونصف سنة. وهنا يتعاون الحاكم مع رأس المال.

نقمت دول عربية كثيرة على قناة الجزيرة بسبب انتشارها الواسع، وبسبب تناولها لقضايا الأمة العربية الحساسة والدفع باتجاه النهوض العربي، وتحقيق تضامن عربي فعلي نحو وحدة عربية.

جمعت الجزيرة حولها عشرات ملايين المتابعين الذين رأوا فيها متنفسا حقيقيا عن الضيق الشديد الذي يعانون منه، ووظفت الحكومات العربية العديد من المخبرين لمراقبة مكاتب الجزيرة وموظفيها ومرتاديها. ودائما كنا نقول إن على الجزيرة أن تصمد وتصبر ففيها بذرة التغيير. وهذا التغيير هو ما يخشاه حكام العرب وما يتمناه الجمهور العربي


لقد جمعت الجزيرة حولها عشرات ملايين المتابعين الذين رأوا فيها متنفسا حقيقيا من الضيق الشديد الذي يعانون منه، ووظفت الحكومات العربية العديد من المخبرين لمراقبة مكاتب الجزيرة وموظفيها ومرتاديها. ودائما كنا نقول إن على الجزيرة أن تصمد وتصبر ففيها بذرة التغيير. وهذا التغيير هو ما يخشاه حكام العرب وما يتمناه الجمهور العربي على طول الوطن العربي وعرضه.

لم تنج حكومة قطر أيضا من الضغوط، وأخذت حكومات عربية عديدة توجه سهامها نحو دولة قطر على اعتبار أنها تخصص ميزانية كبيرة لاستمرار القناة في أداء رسالتها؛ فهددتها دول عديدة وطالبتها بإغلاق القناة والتخلص من العاملين فيها.

وكنت ألاحظ أن حكومة قطر كانت تستجيب أحيانا للضغوط العربية فتخف الوطأة الإعلامية. وهنا لا بد من أن أشير إلى أنني أكتب ما حصل، ولكل شخص رأيه وله أن يكون مع الجزيرة أو منتقدا لها.

الآن هناك معركة الحصار على قطر والمطالبة بإغلاق قناة الجزيرة. أربع دول عربية (وهي مصر والسعودية والبحرين والإمارات) تصر على مطلب إغلاق قناة الجزيرة، وهذه دول تمتلك عشرات القنوات الفضائية. صحيح أن بعض قنواتهم للتسلية، لكن أغلبها يروج للحاكم الظالم ويعمل بوقا لمصلحته.

قناة الجزيرة واحدة، والقنوات التي تلاحقها وتنتقدها وتناصر الحكام كثيرة جدا، وهي لا تتورع عن إشاعة الأخبار الكاذبة وممارسة التضليل الإعلامي. أفلا يكفي الدول الأربع هذا العدد من القنوات الذي يتبنى مواقفهم وسياساتهم؟

الموضوعية تقتضي شن الحرب على وسائل الإعلام التي تمارس التزييف والكذب والتضليل، وأغلبية وسائل الإعلام العربية الرسمية لا تخرج وظائفها عن هذه الممارسات السيئة. لو لم تكن وسائل الإعلام العربية موجَّهة لما أغلقت أبوابها أمام الآراء الأخرى.

من ناحية عامة، لم تعد وسائل الإعلام هي السلطة الرابعة لأنها ممولة وموجهة حتى في البلدان التي تقول إنها ديمقراطية؛ فمحطة "سي أن أن" (CNN) العالمية ليست مستقلة وليست موضوعية، وكذلك محطة "بي بي سي" (BBC) البريطانية. وهذا يشمل جريدة نيويورك تايمز وواشنطن بوست، ومختلف القنوات الأميركية العملاقة مثل "سي بي أس" (CBS) و"أي بي سي" (ABC).

الحكومات والأحزاب والتنظيمات والشركات اشترت وسائل الإعلام في أغلبها، ومن الصعب أن نجد في العالم وسائل إعلام مستقلة تماما، وذلك بسبب التمويل. وسائل الإعلام لا تستطيع أن تستمر بدون تمويل من جهة تملك المال، والتمويل يأتي بالموالاة السياسية. وكم من الأشخاص حاولوا إنشاء صحف متواضعة الأداء على نفقتهم الخاصة، لكنهم كانوا يُصدرون أعدادا قليلة جدا ومن ثم يخرجون من سوق الإعلام.

لو أن حكام العرب لا يشعرون بالخوف من الجزيرة لما لاحقوها بهذا الشكل الشنيع. انضم الكيان الصهيوني مؤخرا إلى الجوقة العربية التي تضغط من أجل التخلص من الجزيرة بإقفالها إلى الأبد، ومن المحتمل أن تلحق أميركا بالجميع فتصنفها إرهابية


لكن هنا أقول إن الحاكم الراشد والرشيد يبحث دائما عن إقامة وسائل إعلام تنطق بالحقيقة من أجل ألا يقع شعبه في شرك الخداع والكذب. ما يجري على الساحة العربية لا يشمل رعاية وسائل إعلام محايدة وموضوعية تماما، وإنما ملاحقة وسائل إعلام تنطق بالحقيقة ولو أحيانا. ولو أن حكام العرب لا يشعرون بالخوف من الجزيرة لما لاحقوها بهذا الشكل الشنيع.

انضم الكيان الصهيوني مؤخرا إلى الجوقة العربية التي تضغط من أجل التخلص من الجزيرة بإقفالها إلى الأبد، ومن المحتمل أن تلحق أميركا بالجميع فتصنفها إرهابية. ألم يقم العرب بالهجوم على قناة "المنار" في السابق وألغوا اشتراكها في قمريْ عربسات ونايل سات. وحتى الآن لا يستطيع العربي متابعة قناة "المنار" إلا من خلال وسائل إليكترونية غير القناة التلفازية.

لماذا لحق الكيان الصهيوني بالحكام العرب؟ يقول الصهاينة إنهم استاؤوا من تغطية الجزيرة لأحداث المسجد الأقصى والقدس عموما، وأنهم اكتشفوا أنها تحرض، على حد قول ذلك العاهة العربي المتصهين أكثر من الصهاينة والمسمى أيوب قرة.

الجزيرة سبق أن غطت الحرب على لبنان بكافة تفاصيلها عام 2006، وكانت مؤيدة بقوة للمقاومة اللبنانية، وغطت أحداث حروب الكيان الصهيوني على غزة أعوام 2008/2009 و2012 و2014، وهي ستغطي أي حرب قادمة تشنها إسرائيل بنفَس عربي يرفض العدوان ويدافع عن المقاومة.

مجريات الأمور تشير إلى أن الكيان الصهيوني قد استجاب لطلبات عربية بإغلاق مكاتب الجزيرة في القدس. العرب يقدمون خدمات كثيرة للكيان الصهيوني وينسقون معه أمنيا وربما عسكريا، وهم يطبعون معه، ويدخلون وزراءه وأدباءه وفنانيه إلى بيوت العرب في كل مكان؛ فلماذا لا يقدم الكيان خدمة لهؤلاء الحكام حتى ولو ناقض بعض مبادئ الديمقراطية التي يدعي أنه يتبناها؟

السؤال المطروح على حكام العرب -الذين يحاربون وسائل الإعلام- هو: هل لديكم الاستعداد لتمويل قناة فضائية عربية مستقلة يديرها إعلاميون مشهود لهم على الساحة الدولية بالموضوعية والتفكير العلمي والمنهجية العلمية؟ طبعا الجواب هو: لا، لأنكم لا تملكون الجرأة على النطق بالحقيقة.

المصدر : الجزيرة