سلمان أحمد الأنصاري

سلمان أحمد الأنصاري

رئيس الرابطة القطرية للاعبين ونائب رئيس مؤسسة قطر للتحكيم الرياضي وعضو لجنة الاستئناف في الفيفا

مع كل أزمة تمر بها المنطقة -سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم غيرها- تنشط جيوش المشككين في نزاهة ملف قطر ٢٠٢٢، والمطالبين بسحب استضافة بطولة كأس العالم ٢٠٢٢ من قطر. وهذا ما حصل مع بدء الحصار؛ فقد تزايدت هذه المطالبات خصوصاً مع نشر الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تقرير مايكل غارسيا.

بل تجاوز الأمر هذه المطالبات إلى محاولة الترويج لنتائج مخالفة لما ورد في التقرير. وفي هذا السياق، سأتناول مدى إمكانية سحب استضافة كأس العالم ٢٠٢٢ من قطر من منظور قانوني.

ولمن لا يعلم ما هو تقرير غارسيا وصلاحياته؛ نقول إن السيد مايكل جون غارسيا هو محقق تم تعيينه بعد منح استضافة بطولتيْ كأس العالم ٢٠١٨ و٢٠٢٢ وتزايد الادعاءات بعدم عدالة إجراءات المنح وفسادها، فأسند إليه التحقيق في إجراءات منح استضافة البطولتين.

ووقع الاختيار على غارسيا باعتباره صاحب خبرة واسعة (حيث عمل محاميا عاما سابقا لمقاطعة جنوب نيويورك، ويعمل حالياً قاضيا مساعدا في محكمة الاستئناف بولاية نيويورك وهي أعلى محكمة في الولاية)؛ ليقوم بمراجعة ملفات كل الدول المتقدمة للاستضافة وتقديم تقرير بشأنها، وهو التقرير الذي انتهى بتبرئة ملف قطر ٢٠٢٢.

تنقسم التزامات الدولة المستضيفة (قطر) إلى التزامات سيادية تتطلب قرارات وتعديلات تشريعية تتخذها حكومة دولة قطر لضمان تنفيذ هذه الالتزامات، والتزامات خاصة ترتبط بالاتحاد القطري لكرة القدم كالتنظيم وغيره


تنقسم مراحل إمكانية سحب استضافة كأس العالم من أي دولة مستضيفة -وهي في حالتنا قطر- إلى مرحلتين
: الأولى هي مرحلة ما قبل توقيع عقد الاستضافة، والثانية ما بعد توقيع العقد.

وإذا ما تناولنا المرحلة الأولى؛ فإننا سنجد أنه لكي يتراجع الفيفا عن قرار منح قطر استضافة كأس العالم ٢٠٢٢ فهو بحاجة لدليل يثبت مخالفة ملف قطر ٢٠٢٢ للوائح النزاهة والشفافية واللوائح ذات الصلة.

وهذا ما تم نفيه وقد ثبت ذلك للجميع بعد نشر تقرير غارسيا، كما أن المُدد القانونية للطعن في قرارات اللجان القضائية التابعة للفيفا قد انتهت، وعليه فإن المرحلة الأولى لا مجال للحديث عنها أو تناولها بالتشكيك قانوناً.

أما المرحلة الثانية -وهي مرحلة ما بعد توقيع عقد الاستضافة- فيتم فيها تقديم ضمانات حكومية من قِبل الدولة المستضيفة لضمان تنفيذ الالتزامات الواردة في العقد. وخلال هذه المرحلة تتحول استضافة البطولة من كونها علاقة من جانب واحد مرتبطة بالقرار الفردي للفيفا إلى علاقة تعاقدية يحكمها العقد المبرم بين الطرفين.

وبناءً على ذلك؛ تنقسم التزامات الدولة المستضيفة إلى التزامات سيادية تتطلب قرارات وتعديلات تشريعية تتخذها حكومة دولة قطر لضمان تنفيذ هذه الالتزامات، والتزامات خاصة ترتبط بالاتحاد القطري لكرة القدم كالتنظيم وغيره.

ولكي يستطيع الفيفا سحب استضافة البطولة من قطر بعد توقيع العقد، يتحتم -بشكل عام- حدوث إحدى الحالات التالية:

- الحالة الأولى: أن يخل الاتحاد القطري لكرة القدم -عبر لجنة ملف ٢٠٢٢- بالتزاماته الواردة في عقد الاستضافة. ولتجنب أية إشكالية في هذه الحالة؛ قامت الحكومة القطرية بتأسيس اللجنة العليا للمشاريع والإرث، لتكون هيئة حكومية مستقلة ومخصصة لمتابعة تنفيذ الالتزامات الواردة في عقد الاستضافة والضمانات الحكومية المصاحبة.

والمتابع لعمل اللجنة العليا للمشاريع والإرث سيجد أنها تلعب دوراً بارزاً في السعي نحو تعديل كثير من القوانين والإجراءات، بالإضافة إلى التقدم الهائل في تجهيز البنى التحتية للبطولة. وخير شاهد على ذلك هو افتتاح استاد خليفة الدولي، أول الملاعب المخصصة لاستضافة مباريات كأس العالم ٢٠٢٢.

- الحالة الثانية: أن تُخل الحكومة القطرية بالضمانات التي قدمتها في عقد الاستضافة. ومثل هذا الأمر مستبعد، حيث لم تخل الحكومة القطرية بأي من التزاماتها الدولية سابقاً، كما أنها أكدت مراراً التزامها التام بالوفاء بتعهداتها المصاحبة لعقد استضافة البطولة.

احتمالات سحب بطولة كأس العالم ٢٠٢٢ من دولة قطر غير واردة قانوناً، وبالتالي فإن استمرار إثارة الأقاويل حول إمكانية سحب البطولة من قطر ما هو إلا أسطوانة مشروخة كُسرت بعد نشر تقرير غارسيا


وفي هذا السياق؛ اتخذت الحكومة خطوات لضمان تنفيذ تلك الالتزامات، حيث أعلنت زيادة مالية في بند المشاريع الوارد في الموازنة العامة للدولة ليكون ١٠٠ مليار ريال قطري، كما اتخذت العديد من الخطوات لتعديل التشريعات القانونية والمالية وغيرها لتسهيل استضافة البطولة، ومن ذلك تعديل قانون شؤون الوافدين وقانون العمل.

- الحالة الثالثة: حصول إحدى حالات القوة القاهرة التي تنحصر في حالات متفق عليها بين طرفيْ التعاقد، وتعرف في حدود ضيقة جداً مرتبطة بأحداث طبيعية ليس لأي من الطرفين يدٌ فيها؛ فهي ترجع إلى قضاء الله عز وجل وقدره. وفي هذه الحالة لا يتم سحب البطولة إلا بعد التأكد من أن حالة القوة القاهرة مستمرة وليست مؤقتة.

وبناءً على ما تقدم؛ فإن احتمالات سحب بطولة كأس العالم ٢٠٢٢ من دولة قطر غير واردة قانوناً، خصوصاً مع التزام الدوحة ببنود العقد والضمانات الحكومية المصاحبة. وبالتالي فإن استمرار إثارة الأقاويل حول إمكانية سحب البطولة من قطر ما هو إلا أسطوانة مشروخة كُسرت بعد نشر تقرير مايكل غارسيا.

المصدر : الجزيرة