توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

العالم العربي يمر بمخاض سيُنتج تغييرات جذرية في بنيته الحالية، بحيث تسجَّل هذه الحقبة لقرون تلي باعتبارها فترة التغيير الأكبر والأهم عربيا، بل أهم حتى مما جرى بعد الحرب العالمية الثانية.

والسبب الرئيس لعمق التغيير الآتي أن جزءا كبيرا من العالم العربي -رغم الكثير من مظاهر الحداثة المادية، بل ورغم تصدر مقولة الجمع بين "الأصالة والمعاصرة" منذ أواخر القرن التاسع عشر ولأغلب عقود القرن العشرين- أدى زعم "خصوصية" كل قُطر فيه إلى تبرير تناقضاته الرئيسة.

فتكشفت في النهاية عن تربة تعود لما أسمي "عصور الانحطاط" في التاريخ العربي، وأنتج فقهُها وأدبياتُها تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ولا ندري أية تسمية سيتخذها لاحقا النبت الذي سيتناسل لحين القضاء على ما غدا "مستنبتاته"، وليس فقط "حواضنه" المنتشرة في عالمنا العربي.

ومن أهم أسباب هذه التغيرات النقلةُ العالمية في وسائل الاتصال التي غيرت دور "الإعلام" بدعمه بـ"المعلومة". وعربيا جاءت نقطة التحول بإنشاء قناة الجزيرةالتي غيرت محاولة منافستها -إلى حد كبير- حال الإعلام العربي. وأهمية أثر الجزيرة تاريخيا أنها جاءت في فترة ما قبل انتشار وسائل اتصال أحدث، وأصعب لجهة السيطرة على فحواها كالإنترنت.

من أهم أسباب التغيرات -التي يشهدها العالم العربي- النقلةُ العالمية في وسائل الاتصال التي غيرت دور "الإعلام" بدعمه بـ"المعلومة". وعربيا جاءت نقطة التحول بإنشاء قناة الجزيرة التي غيرت محاولة منافستها -إلى حد كبير- حال الإعلام العربي. وأهمية أثر الجزيرة تاريخيا أنها جاءت في فترة ما قبل انتشار وسائل اتصال أحدث كالإنترنت


أما الهاتف المحمول فقد اعتُبر مؤشر رفاه وأقرب للعبة الإلكترونية، فجرى تشجيعه بدل أن يقاوم كما جرت مقاومة الجزيرة. وأهم توظيف له في البداية تكشفه إعلانات الهواتف الخلوية وشركات الاتصال، التي تغري بـ"دردشة بلا حدود".

ثم أصبحت الدردشة الفارغة المنذهلة بالتكنلوجيا تبادلا للمعلومة، بل ونشرا لها وصل حد أن يصبح هاتف محمول شخصي واحد وكالةَ أنباء، تبث الحدث بالصوت والصورة -بعد إضافة الكاميرا- وبحيدة لا تتوفر لمراسلي أفضل الوكالات.

وأنتج هذ التبادل تغيرا كبيرا لم يجر الاعتراف به أو لم يجر إدراكه، بدلالة استمرار المطالبة بإغلاق قناة الجزيرة! فيما نشر أفكار "داعش" والتجنيد لديها جرى عبر الإنترنت والهواتف المنقولة، بفيديوهات تخاطب النزعات الجرمية وليس العقل.

ولكن ثبتت غلبة الوعي على المتلقي العربي المسلم الذي قلب السحر على الساحر، إذ تصاعد رفض التطرف الديني، ورفض غض الطرف عن ذلك التطرف لتوظيفه كعذر للقبضة الأمنية.

وهو ما سبق أن جرى للكنائس المسيحية التي تغولت في تحالفها مع أنظمة قروسطية، وجاء إصلاحها أيضا نتيجة لتغير جذري في وسائل الإعلام والوصول إلى المعلومة، المتمثلة في النصوص الإنجيلية هنا. فتلك النصوص كانت حشرت في اللاتينية حصريا، رغم أن اللغة الأصل للإنجيل هي الآرامية.

والسبب أن اللاتينية كانت لغة نخبوية لا يتقنها سوى طبقة الكهنوت وطبقة الحكم المتوفر لها التعليم في أوروبا، بينما عامة الناس أميون. فجاءت مبادئ مارتن لوثر وترجمته الإنجيل إلى الألمانية التي أطلقت ترجمتها إلى لغات أخرى، لتصبح ثورة معلوماتية أدت ليس فقط للإصلاح الكنسي، بل ولكسر ما أسمِي "التحالف غير المقدس بين الملوك والكنيسة" بما أسمِي ثورات الربيع الأوروبي. 

لهذا من المحتم أن المخاض العربي الجاري ستتولد عنه مجموعة توائم أوجه أخوّتها في تشابهها لكونها تمثل إرادة الشعوب العربية، واختلافاتها البسيطة تأتي لهوامش الاختلاف الاجتماعي والعقدي. فحتى وصف المسلم في السجلات الرسمية لم يعد يعني قناعات فردية متطابقة مئة بالمئة، بل طيفا من قناعات تشكلت على امتداد أكثر من أربعة عشر قرنا.

وحرية المعتقد -التي نص عليها القرآن الكريم صراحة- ستتيح أن يبقى كثر في سجلات المسلمين، دون أن يخشى هؤلاء أن يطلب منهم رهن قناعاتهم وتجميد عقولهم لدى من يُنصَّب أو ينصِّب نفسه شيخا أو مفتيا ليمتلك سطوة دولة، بل وأحيانا سطوة قلة من الغوغاء.

وهو ذات ما رسا عليه العالم المسيحي منذ قرن ونيف، وتحديدا منذ ثورات ربيع الشعوب الأوروبية، والتي كانت بدايتها وريادتها للثورة الفرنسية التي تعثر تحقيقها لمبادئها، مما جعلها تبدو منتكسة -أو حتى منتهية- لبضعة عقود.

وهذا يعيدنا لحتمية استمرار الربيع العربي رغم العثرات الهائلة التي شهدها، وأهم أسبابها التدخلات الخارجية وليس النشأة الخارجية كليا، كما يُزعم في تقزيم للشعوب العربية يصل حد الإلغاء.

وهي تدخلات بات يصاحب تكشفها ما يشبه الاعتذار والعودة عنها، كما يتبدى الآن في موقف فرنسا إيمانويل ماكرون مقارنة بفرنسا نيكولا ساركوزي، كعينة أوروبية ذات دلالات هامة لكامل أوروبا.

أو يصاحبها وسمٌ بخطايا ذلك التدخل كما يتبدى في حال الحزب الجمهوري الأميركي المنحدر بتسارع منذ عهد آل بوش، وخاصة بوش الابن وحربه القروسطية الهمجية على العراق، وصولا بالحزب إلى حرج تمثيله بدونالد ترمب.

وفوز ترمب ما كان يمكن أن يتم لولا أن هيلاري كلينتون أصبحت "مكروهة" (كما توصف الآن في وسائل إعلام أميركية)، خاصة لكونها كانت وراء التدخلات الأميركية والأطلسية في مسار أكثر من حراك ربيع عربي، وخاصة التدخل في ليبيا.

والكل يفهم أن قبول أوباما المسؤولية عن ذلك التدخل -الذي أدى بالسفير الأميركي إلى ذات نهاية معمر القذافي- هو من باب رفضه التهرب من مسؤولية "الإدارة" التي ترأسها حين فاز كمرشح للحزب الديمقراطي، مكتفيا (هو أو الحزب لا ندري)- بتنحية كلينتون عن وزارة الخارجية، مما أطلق يد أوباما إلى حد كبير في شأن إيران الوثيق الصلة بتحجيم إسرائيل.

جاء كشف حقيقة إسرائيل والصهيونية العالمية بفضل التطور الإعلامي والتواصلي. ويمكن أن نؤرخ لبداية تغير صورة إسرائيل عالميا بحادثة بث فيديو الجنود الإسرائيليين وهم يكسرون أطراف شبان فلسطينيين عزّل في انتفاضة الحجارة، وكان إسحق رابين هو صاحب خطة التكسير لجعل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين معاقين جسديا


ودوليا أيضا جاء كشف حقيقة إسرائيل والصهيونية العالمية بفضل ذات التطور الإعلامي والتواصلي. ويمكن أن نؤرخ لبداية تغير صورة إسرائيل عالميا بحادثة بث فيديو الجنود الإسرائيليين وهم يكسرون أطراف شبان فلسطينيين عزّل في انتفاضة الحجارة، وكان إسحق رابين هو صاحب خطة التكسير لجعل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين معاقين جسديا.

ولم تفد الهرولة لإعطاء رابين جائزة نوبل للسلام (مشاركة مع ياسر عرفات وشمعون بيريز) سوى التشكيك في تلك الجائزة لأول مرة. ولم ينقذ رابين سوى اغتياله على يد صهيوني أكثر تطرفا منه. وهؤلاء المتطرفون هم المهيمنون في إسرائيل الآن، ولا يمكن التستر على حقيقتهم كما جرى التستر على رابين.

فنتنياهو يسجل إصابات في مرماه هو على المستوى السياسي الدولي، كما جرى في حادثتيْ خطابه في الكونغرس دون المرور عبر البيت الأبيض، ومخاطبته لليهود الأميركان وكأنهم رعايا إسرائيل. وكلاهما تصدى له أوباما بما ألزم بإصدار أكبر تنظيم يهودي في أميركا إعلان ولائهم لأميركا أولا.

وأحرج الكونغرس بصورة قوّت أوباما في مسألة الاتفاق الذي أجراه مع إيران مهمشا -بل ولاغيا إلى حد بعيد- كل ما كانت إسرائيل تخطط له مع اللوبي الصهيوني. ونتنياهو مستمر في تسجيل أهداف في مرماه، من مثل ترحيبه بقاتل الأردنيين بحديث مسفٍّ يصل حد سؤاله إن كان واعد "صديقته" لدى عودته لإسرائيل!

في حين لم تكن دُفنت بعدُ جثة الشاب القاصر الذي قتله ولا ندري من كان يحب، أو ما إن كان عرف الحب ويفكر في الزواج؛ ولا جثة الطبيب الذي ارتضى تأجير عمارته للسفارة الإسرائيلية التي بقيت فترة طويلة لا تجد من يقبل هذا.

هذه الجريمة أكدت أن الأردنيين الرافضين لأي تعامل مع إسرائيل بزعم السلام أو الدبلوماسية كانوا على حق. وهذه حلقة مهمة ومفصلية في تاريخ الرفض الشعبي العربي للعلاقات مع إسرائيل.

فكيف إن تبدّت علاقات جديدة تحت ذات عناوين السلام، واعتراف الطرف المسلم فقط بأن الإبراهيمية تجمعنا دون توقف عند إلههم "يهوه" الذي قدم له بيريز (العلماني!) دماء الأطفال والنساء في ملجأ قانا "لترتوي كرمته وتزهر عناقيد غضبه"! أقله نريد معرفة تفاصيل علاقات كهذه حيث يقبع "الشيطان"؟!

لماذا نريد للجزيرة أن تبقى؟ ببساطة لذات السبب الذي جعل نتنياهو يسعى لإغلاق مكاتبها في إسرائيل، قائلا إنه إن لم تتح القوانين السارية ذلك فسيضع قانونا يتيحه. وفي هذه يبدو أننا نحن من نقود وإسرائيل تتبع؛ فقد سبق أن أصدرت حكومة أردنية أكثر من مئتيْ قانون مؤقَّت لشرعنة ما لا يُشرعَن بأي معيار!                                                      

المصدر : الجزيرة