يان ياب دي روتر

يان ياب دي روتر

مستشرق هولندي وأستاذ في جامعة تلبورخ

توقع المعلقون أن عام 2017 سيكون عام صعود للقوى الشعبوية نحو تسلم مقاليد السلطة في أوروبا. أو على أقل تقدير، رأوا أن تلك القوى ستجني مكاسب ليست بالهينة في الانتخابات التي جرت في مختلف البلدان الأوروبية.

والآن وبعد أن حل الصيف وانقضت الانتخابات في هولندا وفرنسا والمملكة المتحدة، وتشرف على الأبواب الانتخابات في ألمانيا؛ حان الوقت لتقييم الوضع السياسي في أوروبا.

ففي هولندا؛ جرت الانتخابات الهولندية في 15 مارس/آذار الماضي، وكان توقُّع المعلقين أن يحقق حزب "من أجل الحرية" -الذي يرأسه خيرت فيلدرز- فوزا كبيرا، ويحصل على قرابة 30 مقعدا في برلمان فيه إجمالاً 150 مقعد. كما حذّر السياسيون من تنامي تأثير حزب فيلدرز المعروف برفضه للإسلام وبرنامجه الهادف إلى هولندا "خالية من الإسلام".

إثر فوز إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا؛ تنفست أوروبا كاملة الصعداء مع بروز هذا "النجم" الذي تتوقع البلدان الأوروبية أنه سيمد الاتحاد الأوروبي بطاقة جديدة، ويبث روح الأمل في القارة التي كانت تخشى من صعود الشعبوية مع سلالم السلطة


حسنا، لقد فاز الحزب بمقاعد ولكنها ليست بالقدر الذي تنبأت به استطلاعات الرأي، فقبل الانتخابات كان يحظى الحزب بـ15 مقعدا ثم فاز بخمسة مقاعد، مما يجعل إجمالي ما يحظى به الحزب عشرين مقعدا. بالطبع، هذا يعد مكسبا ولكنه ليس بالمكسب الكبير.

إضافة إلى ذلك، فلا بد من اعتبار شيء آخر مهم، فقد أعلنت الأحزاب الكبرى الأخرى، مثل حزب "الأحرار"، وحزب "الديمقراطيون المسيحيون"، وحزب "الديمقراطيون"، أنها لن تشكل حكومة جديدة مع حزب "من أجل الحرية". وقد وفت تلك الأحزاب بوعدها، حيث لم يبدأ أي منها مفاوضات مع هذا الحزب لتشكيل حكومة جديدة؛ بل إنها تتجاهله تماما.

وفي فرنسا؛ جرت الانتخابات الرئاسية الفرنسية في مايو/أيار المنصرم. وفي الجولة الأولى منها، حلت ماري لوبان (مرشحة الحزب الشعبوي "الجبهة الوطنية") في المركز الثاني بنسبة 21,3% من الأصوات، بعد السيد إمانويل ماكرون (مرشح الوسط السياسي) الذي حصل على نسبة 24,0%.

وفي الجولة الثانية، حقق ماكرون فوزا هائلا بنسبة 66,1%. وقد اشتمل برنامجه على تجديد الاتحاد الأوروبي، ومحاربة الإرهاب الذي يتم باسم الإسلام، وفي الوقت نفسه حماية المسلمين في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية ضد التمييز.

وقد تنفست أوروبا كاملة الصعداء مع بروز هذا "النجم" الذي تتوقع البلدان الأوروبية أنه سيمد الاتحاد الأوروبي بطاقة جديدة، ويبث روح الأمل في القارة التي كانت تخشى من صعود الشعبوية مع سلالم السلطة.

في فرنسا، لم يتمكن الشعبويون من الصعود إلى السلطة، إذ خسرت لوبان الانتخابات الرئاسية. وفي الانتخابات البرلمانية التي نُظّمت بعدها، حصل حزب ماكرون الجديد على أغلبية مقاعد البرلمان (350 مقعدا من إجمالي 577 مقعدا)، بينما حصل حزب لوبان على ثمانية مقاعد فقط.

وفي بريطانيا، لم يكن للأحزاب الشعبوية في الانتخابية البرلمانية دور كبير، إذ خسر الحزب الشعبوي الوحيد-وهو "حزب استقلال المملكة المتحدة"- مقعده في البرلمان. وكانت البلاد قد تعرضت لثلاث هجمات إرهابية باسم الإسلام في الشهور التي سبقت الانتخابات، إلا أن تلك الهجمات ما كان لها تأثير يُذكَر على نتائج التصويت.

وتجب الإشارة كذلك إلى أن الانتخابات في بريطانيا كان تركيزها الأكثر على البريكست (عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، أكثر من تركيزها على الإرهاب الذي يتم باسم الإسلام.

يمكن أن نستنتج أن عام 2017 لم يكن هو عام الفوز الخارق للأحزاب الشعبوية، وهذا أمر يعطي البشارة لأوروبا ولقضية اللاجئين فيها وللمجتمعات المسلمة في القارة؛ ولكن ذلك لا يعني أن ننسى أن القوى الشعبوية ما زالت قائمة، فلا بد من أن نكون على أهبتنا ضدها


أما ألمانيا؛ فستجري فيها أهم انتخابات هذا العام في سبتمبر/أيلول القادم، وتحديدا الانتخابات الألمانية من أجل تشكيل برلمان جديد. ففي الانتخابات الإقليمية الأخيرة حقق "الحزب الديمقراطي المسيحي" -الذي ترأسه المستشارة أنجيلا ميركل- فوزا ملموسا على الاشتراكيين، ولا سيما الحزب الشعبوي "البديل لألمانيا"، إذ أحرز هذا الحزب نتائج ضعيفة في الانتخابات الإقليمية.

وكان الحزب قد عقد مؤتمرا في وقت سابق خلال الربيع وقرر مجلسه وأعضاؤه تبني برنامج شعبوي متطرف مع معارضة قوية للاجئين في ألمانيا وللإسلام. وقد ذكر المعلقون أن الناخبين الألمان لم يصوتوا للحزب لأنهم رأوا أن برنامجه متطرف جدا.

وعلينا الآن الانتظار لرؤية ما إن كانت الانتخابات البرلمانية في ألمانيا سينتج عنها فوز المستشارة الألمانية، وما إن كان الحزب الشعبوي (البديل لألمانيا) سيظل حزبا هامشيا، مع أنه يبدو أن المستشارة أقرب إلى الفوز بالانتخابات.

إن كل ما سبق بيانه يُظهر أن أوروبا بثت روح الأمل وجددت طاقاتها. صحيح أن الأحزاب الشعبوية لم تختف في الانتخابات الفرنسية والهولندية، وصحيح أنها لا تزال تتمتع بقوة نسبيا في هذه البلاد تُقدّر بنحو 20% من الأصوات. ولكن إن نظرنا إلى الساحة السياسية بأوروبا اليوم؛ فإننا يمكن أن نستنتج أن عام 2017 لم يكن هو عام الفوز الخارق للأحزاب الشعبوية.

ويمكننا أن نستنج كذلك أن انتخاب ماكرون رئيسا جديدا لفرنسا قد منح قوى الوسط السياسي الكثير من الثقل. وفي حال فوز ميركل في الانتخابات البرلمانية الألمانية، سنرى تشاركاً قوياً بين ألمانيا وفرنسا، وهذا يعطي البشارة لأوروبا ولقضية اللاجئين فيها وللمجتمعات المسلمة في القارة.

ولكن في الوقت نفسه، لا يعني هذا أن ننسى أن القوى الشعبوية ما زالت قائمة، فلا بد من أن نكون على أهبتنا ضدها. وفي الختام، فإن عام 2017 لم يكن هو عام الفوز الخارق لهذه القوى، بل العكس هو الصحيح.

المصدر : الجزيرة