ماجد أبو دياك

ماجد أبو دياك

كاتب ومحلل فلسطيني متخصص في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي

فشل وخلاف أميركي
مستقبل الأزمة وتأثيراتها 

لم تنته أزمة الخليج بعدُ، ولا يبدو أن هناك شيئا يلوح في الأفق لحلها في وقت تتمادى فيه دول الحصار في مواقفها، ويعود وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خاوي الوفاض من جولته في المنطقة. إلا أن الأزمة شهدت في الأيام القليلة الماضية توقفا في التصعيد من قبل دول الحصار ضد قطر التي ردت على مطالبها بالرفض، دون أن تغلق باب الحوار والتفاوض للوصول إلى حل للأزمة.

فبعد تشجيعه دول الحصار؛ طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من هذه الدول التوقف عن التصعيد عبر مكالمته مع رئيس نظام الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي قُبيل انعقاد المؤتمر الصحفي لهذه الدول بالقاهرة، مما أدى لظهور وزراء خارجية هذه الدول بحالة مزرية ومرتبكة! صحيح أن مضمون المحادثة لم يُعلن، ولكن ردة فعل وزراء دول الحصار أكدت أن ترمب أمر بوقف التصعيد دون أن يدفع لإنهاء الأزمة.

والسبب في ذلك أن حملة الحصار لم تؤت أكلها، ولم تتمكن من إخضاع قطر أو التأثير في خياراتها السياسية التي مضت فيها بعيدا عن دول الحصار، باتجاه القرب من خيارات الشعوب وأمانيها التي سُحقت بالثورات المضادة، التي خططت لها دول الحصار خوفا من امتداد هذه الثورات لتطال كراسي هؤلاء وتزعزع عروشهم.

فشل وخلاف أميركي
كما أن ترمب -على ما يبدو- لم يشفِ غليله بعدُ من قطر التي رفضت -لأسباب استثمارية بحتة- الدخول في شراكات تجارية غير مربحة معه ومع زوج ابنته جاريد كوشنر، وذلك قبل وصول ترمب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

حملة الحصار لم تؤت أكلها، ولم تتمكن من إخضاع قطر أو التأثير في خياراتها السياسية التي مضت فيها بعيدا عن دول الحصار، باتجاه القرب من خيارات الشعوب وأمانيها التي سُحقت بالثورات المضادة، التي خططت لها دول الحصار خوفا من امتداد هذه الثورات لتطال كراسي هؤلاء وتزعزع عروشهم


وعلى هذا الأساس لم تتوافر العوامل الكافية لنجاح مهمة وزير الخارجية الأميركية تيلرسون الذي انتهت جولته المكوكية بين دول الخليج إلى الفشل، بسبب نقص الإجماع الذي يُفترض أن يتوافر لدى الإدارة الأميركية لحل الأزمة. فترمب لا يزال عند موقفه المؤيد للسعودية على حساب قطر!

وإضافة لذلك، يبدو أن ترمب يريد أن تنتهي الأزمة فقط بعد انتزاع تمويلات مالية إضافية لواشنطن من كلا الطرفين المتنازعين. وفي المقابل؛ تضغط على الموقف الأميركي رغبته في استجماع القوة للمواجهة المقبلة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الرقة بعد النجاح الذي تحقق في الموصل.

وتعتبر القاعدة العسكرية الأميركية في العديد بقطر الأداة الأكثر فعالية في توجيه العمليات العسكرية الجوية ضد تنظيم الدولة، وبدون شك فإن استمرار الخلافات في المنطقة يشتت جهود استهداف التنظيم فيها، وذلك حسبما أعلنته وزارة الدفاع الأميركية.

إلا أن استمرار الأزمة وتداعياتها لن يكون بلا ثمن بالنسبة لواشنطن ودول الحصار؛ فقد دخلت تركيا على خط الأزمة بدعم الموقف القطري وإرسال خمسة آلاف جندي بكامل عتادهم إلى قطر تطبيقا للاتفاقية الدفاعية بين الطرفين، الأمر الذي أنهى إمكانية التحرك العسكري لدول الحصار.

كما وقفت إيران مع قطر وساعدتها في فك الحصار بتوريد السلع وفتح الموانئ البحرية لتوريد البضائع إليها، فضلا عن إشارات متعددة أرسلتها طهران بأنها لن تسمح بأي وجود للسعودية في المنطقة القريبة من حدودها. وفوق هذا وذاك؛ فإن طهران تسللت عبر الأزمات لتساهم في تفكيك التحالف الخليجي ضدها، وإضعاف مساعي السعودية لمواجهة نفوذها في المنطقة.

كما دخلت ألمانيا ومن بعدها بريطانيا وفرنسا على خط الأزمة، فأعلنتا دعمهما للوساطة الكويتية التي لم تؤت ثمارها حتى الآن. وساهم ذلك في إضعاف الدور الأميركي بهذه المنطقة الحساسة، وهذا ما لم تكن ترتجيه واشنطن بسبب دور ترمب غير الموزون، وهو ما يهدد بتعاظم نفوذ هذه الدول على حساب النفوذ الأميركي عاجلا أو آجلا.

وقد ساهم الدور الأميركي المتهور والمرتبط بأحقاد شخصية لترمب، والصمود القطري في وجه المطالب غير المنطقية من دول الحصار، في فشل الحصار في تحقيق مآرب ليست لها علاقة بالإرهاب.

كما كشفت الأزمة أن مخاوف السعودية والإمارات من إيران لا تشكل أولوية لهما بالقدر الذي تنشغلان فيه بالحفاظ على أنظمتهما الحاكمة، والخوف من الثورات الشعبية والإسلاميين الذين يشكلون تحديا لهما!

مستقبل الأزمة وتأثيراتها
فيما أفرزته الأزمة أن دول الحصار أغفلت القدرات المالية والتنظيمية للقيادة القطرية التي كانت قد استعدت جيدا لمثل هذه الأزمة، من خلال تخزين الأساسيات واللجوء إلى الأسواق البديلة في تأمين النقص الناتج عن إغلاق الحدود مع السعودية.

الأزمة الخليجية لا تتجه إلى حل قريب طالما أن الإدارة الأميركية لا تبد تصميما واضحا على إنهائها، ما لم ينته الأمر باستقالة ترمب على خلفية التهم الموجهة إليه في إطار قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية


وفوق هذا، لعبت الدبلوماسية النشطة دورا مهما في تعزيز موقف الدوحة والدفاع عنه أمام اتهامات هلامية لا رصيد لها من الواقع. بل انتقلت قطر من موقف الدفاع إلى الهجوم بتوقيعها اتفاقية مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب، ودعت بقية دول الخليج للتوقيع عليها في التفاف واضح على مطالب المحاصرين!!

كما لجأت إلى المؤسسات الدولية لتجريم الحصار والعمل على فكّه لأنه مخالف لحقوق الإنسان وغير قانوني. وغدا مطلب إغلاق الجزيرة مرفوضا دوليا لأنه اعتداء على حرية الصحافة وحرية الرأي، مما دفع بالإمارات إلى التراجع عن هذا المطلب واكتفائها بطلب مراقبة برامج الجزيرة!

كما أن وسائل الإعلام القطرية ركزت -في لفتة ذكية- هجومها على الإمارات ودورها في اليمن ضد أهداف التحالف العربي، محاولة بذلك فك عُرى التحالف السعودي/الإماراتي والتشكيك في أهداف الإمارات ودورها في التحالف العربي. وبالنسبة لمصر، فقد تجاهلتها القيادة القطرية منذ البداية باعتبارها تشن منذ فترة هجوما على الدوحة دون أن تجد لها آذانا صاغية.

وهكذا تقدم الدور القطري على المحاصرين ليلاحقهم ويطاردهم ويحاصرهم أمام العالم، في تحرك ممنهج لم تصمد أمامه مطالب هشة وغير منظمة، ولا تحظى بالقبول الدولي وليس عليها أي دليل.

يشير ما سبق إلى أن الأزمة الخليجية لا تتجه إلى حل قريب طالما أن الإدارة الأميركية لا تبد تصميما واضحا على إنهائها، ما لم ينته الأمر باستقالة ترمب على خلفية التهم الموجهة إليه في إطار قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وتضغط التطورات -التي تشي بتعزيز موقع إيران وزيادة التدخل الأوروبي- باتجاه ضرورة إعادة الإدارة الأميركية النظر في موقفها الذي يتكشف عن خسائر مستمرة بالمنطقة.

ولعل النجاح الوحيد الذي حققته هذه الإدارة هو وقف تصعيد الدول المحاصرة لقطر، وفتح باب التفاوض للوصول إلى حل للأزمة، بما يسمح للمحاصِرين بالنزول عن الشجرة التي ارتقوها، ويحفظ بالتالي ماء وجوههم في أي تسوية قادمة.

التصعيد ضد قطر سيؤثر على برنامج مكافحة الإرهاب والعلاقات مع بقية الدول، حيث يرجح أن تتخذ قطر وسلطنة عُمان والكويت خياراتها المستقلة بعيدا عن السعودية التي ستجد أنها أضعفت موقفها في المنطقة، بحيث لم تصبح قائدة في مجلس التعاون الخليجي


ولا تبدو قطر مستعجلة لحل الأزمة؛ إذ أعلنت أنها جاهزة للتعامل معها حتى ولو استمرت مدى الحياة. وتجري الآن حالة من عض الأصابع بين الطرفين لا تبدو فيها قطر بحاجة إلى أن تصرخ أولا، وهذا ما بدأت تدركه الدول المحاصرة.

إلا أن التأثير الأهم للأزمة هو فقدان الثقة بين المحاصرين وقطر، حتى ولو تمت تسوية بينهما بوساطة كويتية أو بغيرها. كما أن هذه الأزمة سيكون لها ما بعدها، وستؤدي إلى خسائر على مستوى الثقة حتى بين الشعوب، وسيكون لها تأثير سلبي على وحدة مجلس التعاون الخليجي.

وتعمل قطر على تنمية خياراتها الاقتصادية الذاتية بشكل جدي وغير مسبوق، وقد يؤدي ذلك إلى فراق اقتصادي، فضلا عن التأثيرات الاجتماعية السلبية بين هذه البلدان، والتي تتحمل الدول المحاصِرة مسؤوليته.

ولذلك، فإن التصعيد ضد قطر سيؤثر على برنامج مكافحة الإرهاب والعلاقات مع بقية الدول، حيث يرجح أن تتخذ قطر وسلطنة عُمان والكويت خياراتها المستقلة بعيدا عن السعودية التي ستجد أنها أضعفت موقفها في المنطقة، بحيث لم تصبح قائدة في مجلس التعاون الخليجي.

وسيغري ذلك الولايات المتحدة بالمزيد من الضغط على دول المنطقة لوقف برامج التعليم المستندة إلى الوهابية ومواجهة الإرهاب بطريقة أشد، في ظل عدم تطابق أهداف الرياض مع أبو ظبي التي تعمل أصلا وفق خياراتها الذاتية في كل من اليمن وليبيا وغيرها!

المصدر : الجزيرة