عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي

تجارب حفظ التوازن
اختلالات تتطلب المراجعة
جدل قانون النسبية
 

يتردّد بين حين وآخر -فيما يخصّ تجارب عربية- أن النموذج اللبناني نجح في إيجاد صيغة لتسوية داخلية تقوم على توازن المصالح بين الطوائف والفئات المختلفة؛ فهل حقاً نجح النموذج اللبناني؟ ثم هل يمكن القياس عليه على افتراض وجود شكل من التوافق بين الطوائف المختلفة على توزيع الامتيازات بينها؟

وهل فعلاً أن "الميثاق الوطني اللبناني" -الذي يشكو الكثير من اللبنانيين من تداعياته السلبية- هو نموذج يستحق الاقتداء به؟ أم هو تكريس للمحاصّة الطائفية التي قادت في الماضي إلى الاحتراب، والتوتر والاضطراب في الحاضر، لدرجة عطّلت الدولة اللبنانية عن القيام بوظائفها وواجباتها تجاه الوطن والمواطن إلى حدود غير قليلة، سواءً بالتهديد تارة والاستقواء بالخارج في مرّات كثيرة، ناهيك عن اللجوء إلى السلاح لحسم الخلاف؟

تجارب حفظ التوازن
إذا كان اتفاق الطائف عام 1989 قد وضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية -التي دامت نحو 15 عاماً وأدت إلى استنزاف طاقات البلاد وأجهزت على بنيته التحتية ودمّرت مرافقه ومنشآته الحيوية ومزّقت النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي- فإنه في الوقت نفسه وضع الدولة على برميل بارود لا يعرف أحد متى ينفجر، علماً بأن بعض بنوده الإيجابية المتعلّقة بالحدّ من الطائفية لم يتم تفعيلها، بل أهمِلت تماماً.

ولكن رغم كل النواقص والثغرات والعيوب التي احتواها اتفاق الطائف فإنه كان إقراراً بواقع أليم، حيث كرّست الدساتير اللبنانية صيغة المحاصّة الطائفية والمذهبية التمثيلية للجماعات والطوائف، في إطار نظام يقوم على التقاسم الوظيفي وقانون انتخابي يعيد إنتاج "أمراء" الطوائف ذاتها.

كانت التجربة العراقية -بعد غزو العراق عام 2003- أول من تأثر بالنموذج اللبناني، لا سيّما أن بعض "أمراء" الطوائف هم الأكثر استفادة منها، والعملية السياسية تم تصميمها من جانب بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق بعد الاحتلال، وفيما بعد نظّمتها صيغة دستور نوح فيلدمان


وكانت المبرّرات التي تم الاتكاء عليها -ولا تزال  مستمرة- هي "حفظ التوازن" بين المسلمين والمسيحيين وتدريجياً بين "الطوائف" المختلفة، و"عدم الإخلال بصيغة التعايش" و"عدم الإضرار بالآخر" و"انتهاك حقوقه"، بحيث يعترف كلّ بحجمه ودوره.

ويقوم النظام بحفظ هذا الدور ويقرّ بحقوق الطوائف بعيداً عن الإلغاء أو سياسات الإقصاء أو التهميش، التي شهدتها أنظمة عربية أخرى تحت مسمّيات مختلفة. ولربما كان مثْلُ هذا التبرير أو الزعم هو ما يدفع بعض "التجارب" العربية لتحذو حذو النموذج اللبناني، سواء صرّحت بذلك أو لمّحت.

كانت التجربة العراقية -بعد غزو العراق عام 2003- أول من تأثر بالنموذج اللبناني، لا سيّما أن بعض "أمراء" الطوائف هم الأكثر استفادة منها، والعملية السياسية تم تصميمها من جانب بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق بعد الاحتلال، وفيما بعد نظّمتها صيغة دستور نوح فيلدمان (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وتبعه الدستور الدائم لعام 2005).

كانت هذه الصيغة تقوم على أساس المحاصّة المذهبية الطائفية/الإثنية، حيث قام مجلس الحكم الانتقالي على تمثيل جديد قوامه منح ما يدعى الشيعة 13 مقعداً ومنح ما يسمى السنّة 5 مقاعد، وتحديد حصة الأكراد بخمسة مقاعد وحصة التركمان بمقعد واحد، والمقعد الأخير من الـ25 مقعداً هو مقعد الكلدوآشوريين، وهكذا اكتملت صيغة المشهد العراقي -ما بعد الاحتلال- بغياب من يدعي تمثيل العرب.

لكن النموذج العراقي سرعان ما وصل إلى طريق مسدود حتى دون المرور بحالة الاستعصاء التي وصلها النموذج اللبناني، فقد كان التصميم المقترح غير مطابق تماماً للحالة العراقية، بل إن البيئة السائدة كانت مضادة وسلبية، وشهدت البلاد بسببه أعمال عنف وإرهاب لا مثيل لها.

وكان من نتائجه شعور فئات بالحيف والظلم والتمييز، وهو ما وفّر تربة خصبة لانتشار فيروس الإرهاب والجماعات التكفيرية من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي احتل محافظة الموصل ونحو ثلث أراضي العراق، مستنفداً طاقات عراقية هائلة وأموالاً ضخمة لمواجهة معه دامت ثلاث سنوات.

اختلالات تتطلب المراجعة
لقد عانى الموديل اللبناني من إشكالات جوهرية واختلالات بنيوية منذ البداية، لتعارضه مع المفهوم العصري والدستوري لمبدأ المواطنة، التي تقوم على اتحاد أفراد أحرار لهم نفس الحقوق والواجبات المكفولة بموجب القانون والمثبتة في الدستور.

وأسس مبادئ المواطنة هي: الحرية التي هي الشرط الذي لا غنى عنه، والمساواة خصوصاً أمام القانون، والشراكة والمشاركة وهما أساسان لا يمكن الانتقاص منهما، ولا سيّما فيما يتعلق بالتمييز سواء لأسباب دينية أو إثنية أو سلالية أو لغوية، أو لأسباب تتعلق بالجنس أو الأصل الاجتماعي أو اللون، أو غيرها مما يؤدي إلى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

ولكي تكتمل مبادئ المواطنة وتتّخذ بُعداً حيوياً وفاعلاً؛ لا بدّ من اعتمادها على قاعدة العدل ولا سيّما الاجتماعي، إذْ ستكون المواطنة بدونه ناقصة لا سيّما مع الفقر، ومبتورة مع التمييز ومشوّهة مع الافتقار إلى مبدأ المساواة، ومبتسرة إذا استبعدت الشراكة الحقيقية والمشاركة الفعلية بين أبناء الوطن الواحد.

لكي نقرأ الوضع العربي (العراقي والسوري والليبي واليمني) علينا أن نلقي نظرة على ما وصل إليه النموذج اللبناني بعد عقود من الزمان، حيث كانت صيغة التمثيل والتوزيع الطائفي قد استقرت استناداً إلى آخر إحصاء لبناني عام 1932، ولكن اليوم اختلفت النسب التوزيعية للسكان على نحو كبير، بينما بقي العقد الاجتماعي السابق ذاته


لقد أدّت الهزّات التي تعرّضت لها بلدان عربية وأطلِق عليها "الربيع العربي" إلى تفكّك بعض الدول والمجتمعات إلى درجة غير مسبوقة، كما قادت إلى ارتفاع منسوب الهوّيات الفرعية، ولا سيّما إذا كانت قد عانت من كبت طويل أو قمع أو تهميش. وبغض النظر عن الحقوق والاستحقاقات التاريخية ومبادئ المساواة؛ فإن بعض ردود الفعل قادت إلى التقوقع والانغلاق، وذلك جرّاء سياسات العزل والتهميش والاستعلاء التي مورست ضد أصحابها.

كما أظهرت التغييراتُ الانقلابية السريعة وانهيارُ الشرعيات القديمة وعدمُ اكتمال قيام شرعياتٍ جديدةٍ هشاشةَ المجتمعات العربية، خصوصاً بالعودة إلى صيغ ومرجعيات ما قبل الدولة (الدينية والطائفية والإثنية والجهوية والمناطقية والعشائرية والقبلية والعائلية) في العديد من البلدان، ففي ليبيا مثلاً أعيد طرح النموذج الفدرالي بين أقاليم ثلاثة هي: برقة وطرابلس وفزّان في إطار نظرة تقسيمية لا علاقة لها بفكرة الفدرالية الإدارية.

أما اليمن فإن العودة إلى صيغة شمال/جنوب كانت حاضرة خلال الحراك الجنوبي -الذي اتخذ في بعض توجهاته ومن أطراف وفئات مختلفة- دعوة صريحة إلى الانفصال، والعودة إلى صيغة ما قبل الوحدة عام 1990.

وكانت الحرب قد اندلعت -بعد خلافات بين أطراف الوحدة- عام 1994 وحصدت أرواح الآلاف من أبناء الشعب اليمني، كما شهدت البلاد حروباً أخرى بين الحكم المركزي و"الحوثيين" الذين عُرفوا لاحقاً باسم "أنصار الله"، والذين سيطروا على الحكم ثم تحالفوا مع خصمهم التاريخي الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وقد ساهم العامل الإقليمي -ولا سيّما دور إيران، وفيما بعد الحضور الخليجي المعروف باسم "عاصفة الحزم"- بدور كبير في ذلك.

وتظل اليمن بئراً عميقة لا قرار لها، ولا يعرف أحد كيف السبيل إلى تسوية عقلانية بعد انفجار العنف والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، ناهيك عن تفشي ظاهرة الكراهية والانتقام والثأر. وهو ما ساد في ليبيا أيضاً حيث انقسمت المجموعات المسلحة وقاتل بعضها بعضا بعد أن أطاحت بنظام القذافي، وذلك للحصول على النفوذ والمال.

ولكي نقرأ الوضع العربي (العراقي والسوري والليبي واليمني) علينا أن نلقي نظرة على ما وصل إليه النموذج اللبناني بعد عقود من الزمان، حيث كانت صيغة التمثيل والتوزيع الطائفي قد استقرت استناداً إلى آخر إحصاء لبناني عام 1932، ولكن اليوم اختلفت النسب التوزيعية للسكان على نحو كبير، بينما بقي العقد الاجتماعي السابق ذاته وهو الذي تم تقنينه أيام الانتداب الفرنسي على لبنان.

جدل قانون النسبية
لقد حرّك إقرار قانون النسبية اللبناني (16 يونيو/حزيران 2017) الجدل مجدداً حول الصيغة اللبنانية للتسوية؛ ففي حين يرى البعض أنها الصيغة المثالية والنموذجية لحفظ التوازن السياسي عبر تمثيل الطوائف والفئات المختلفة -ولا سيّما بين الكتل البشرية الكبيرة- لمنع هيمنة طائفة على أخرى، فإن هناك من يعتبر أن الصيغة اللبنانية القائمة لا مستقبل لها، وأن أية محاولات لتلميعها أو تعميمها أو اعتبارها صيغة ناجحة، إنما هو مجافاة للحقيقة.

هذا فضلاً عن أن لبنان دفع ثمناً باهظاً بسببها، وقد كانت السبب الأساسي في الاستنزاف المالي والفساد المستشري في مفاصل الدولة اللبنانية، وهو ما تقرّه جميع القوى والجماعات اللبنانية، ناهيك عن أنه ساهم في انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.

إذا كان نظام النسبية خطوة أولى إيجابية سميّت بخطوة الألف ميل، فإنه جاء استجابة لمطالبات كثيرة كانت تدعو لكسر القاعدة التوافقية القائمة على المحاصّة، ورغم الأثر الإيجابي المحدود الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التغيير في النظام الانتخابي، فإنه لن يحل المعضلة المعتّقة والمرض العضال الذي عانى منه لبنان ورافق حياته السياسية


وكان القانون الانتخابي الجديد مادة سجالية فتحت الشهية لإعادة بحث موضوع النظام اللبناني الذي شهد أزمات حكم وشروخا وطنية وتوتّرات سياسية واحترابات مجتمعية، ولعلّ ذات الأسباب التي قيلت بخصوص القانون الانتخابي -منذ عام 1960- لا تزال موجودة، وقبل ذلك النقاشات التي أثيرت حول تعديلات مقترحة على القانون الأساسي إبان فترة الاحتلال والانتداب الفرنسي. 

وإذا كان نظام النسبية خطوة أولى إيجابية سميّت بخطوة الألف ميل، فإنه جاء استجابة لمطالبات كثيرة كانت تدعو لكسر القاعدة التوافقية القائمة على المحاصّة، وقد نشط ساسة ومثقفون وناشطون مدنيون لبنانيون لأكثر من 50 عاماً في هذه المطالبات. ورغم الأثر الإيجابي المحدود الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التغيير في النظام الانتخابي، فإنه لن يحل المعضلة المعتّقة والمرض العضال الذي عانى منه لبنان ورافق حياته السياسية.

لقد مضى على اتفاق الطائف 27 عاماً، وكان قد أقِرّ بعد حروب دامية أوصلت الجميع إلى القعر، فما كان من بدّ إلا الجلوس على طاولة المفاوضات بإرادة إقليمية ودولية، وأجريت على أساس الاتفاق تعديلات دستورية هيأت بالتدريج لاختلال في توازن القوى؛ فما الذي يمكن للنسبية أن تؤدي إليه؟

يكاد من يتفقون مع الصيغة الجديدة أو يعارضونها أو يتحفظون بشأنها؛ يجمعون على أنها ستكون قاصرة عن إحداث تغيير جوهري بسبب ربطها بالدوائر الانتخابية، في حين يُفترض أن يكون لبنان كلّه دائرة انتخابية واحدة، وهذه الأخيرة هي التي تنتج برلماناً ممثلاً للقوى والتيارات السياسية على نحو أكثر تمثيلاً.

لكن تقسيم البلاد إلى 15 دائرة انتخابية ودمج بعضها بطريقة لا تخلو من ارتباك في المعايير، وجّه انتقادات جديدة للقانون نفسه الذي حاول مجاملة زعامات سياسية في بعض المناطق، مراعاةً لتوازن هو أقرب إلى نظام المحاصّة.

ولا شكّ أن في ذلك نوعا من المحاباة، خصوصاً أن فئات واسعة -غير منتمية أو لا تقبل تصنيفها إلى فئات طائفية- ظلّت معوَّمة. أما الصوت التفضيلي في الدائرة فهو الآخر سيكرّس هيمنة بعض الزعامات على طوائفها وأحزابها، وسيُضعف بقية المرشحين في ذات اللائحة لأنهم سيكونون أقرب إلى تابعين أو ملحقين، وستكون المنافسة بينهم على كسب الأصوات.

فهل هذا النموذج هو النموذج الصالح للتعميم أو للاستنساخ أو للاقتباس أو حتى للاستفادة؟ إن ما تحتاجه البلدان العربية كطريق للتنمية هو الحفاظ على وحدتها الوطنية، واستعادة الدولة لمكانتها وهيبتها ووظيفتها أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم اعتماد مبادئ المواطنة السليمة وفقاً لما تم ذكره، خصوصاً الإقرار بالتنوّع والاعتراف بالآخر وفي ظل حكم القانون، وليس طبقاً لصيغ محاصّة وتقاسم مذهبي وطائفي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات