جهاد صقر

جهاد صقر

كاتب في مجال الحريات والإستراتيجيات

حملة العلاقات العامة لعزل قطر التي تشنها أطراف إقليمية ودولية لإحداث تغيير ملموس في بنية السياسة القطرية ليست جديدة، وستستمر على حلقات تهدف كسابقاتها لدفع قطر نحو التحول من مربع الانفتاح على الربيع العربي إلى خندق الثورة المضادة عليه في مرحلة أولى، ثم إلى خندق مشروع القرن الذائع الصيت لتصفية القضية الفلسطينية وإعادة ترتيب المنطقة إسرائيليا في مرحلة أكثر تقدماً.

جديد الحملة تصعيدها كمّاً وكيفا على صعيد العزل والحصار بشكل يمزج تجارب العقوبات على العراق وإيران وليبيا وكوريا الشمالية، تمهيدا لانقلاب فعلي في مرحلة تالية كسابقة لافتة في تاريخ العلاقات الخليجية/الخليجية؛ وهي سابقة تستنسخ نخر بُنى الشرعية في غير بلد عربي على يد الثورة المضادة.

دوافع الحملة يمتزج فيها السياسي بالإعلامي؛ فلو ظل الصوت والموقف السياسي القطري حبيس الإمارة الصغيرة لما حظي بهذا الكمّ من الاهتمام خارج حدود الإمارة.

من عوامل إخفاق حملة عزل قطر الاعتمادُ على حسابات آنية في المحاولة الخارجية لإحداث تغييرات بُنيوية حقيقية على صعيديْ سيادة قطر وخطها السياسي، كأن يتم اعتبار مئات المليارات من العقود والهبات -التي حصل عليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته للمنطقة- ضمانة طويلة الأجل يعول عليها في كسب دعم أميركي مؤثر لتلك الحملة وللمحور الداعم لها


مشكلة مهندسي حملة عزل قطر تكمن إذن في تمتع الإمارة -بجانب قدراتها السياسية وتطورها الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي- بقدرات يمكنها توصيل صوت جميع الأطراف؛ صوت قطر إلى العالم، وصوت العالم إلى العالم في نفس الوقت، بكل ما ينطوي على ذلك من تثوير للوعي الجمعي، وبما يكفي لسحب البساط من وسائل الإعلام الرسمية التقليدية التي تسير غالبا بصوت واحد وفي اتجاه واحد.

تصعيد الحملة أخذ سنوات وإن دخل مراحله المتقدمة بمجرد انفضاض القمة الإسلامية الأميركية التي شهدتها الرياض مؤخرا، لكننا هنا نكتفي بمحاولة استشراف المآلات وتعداد عوامل الإخفاق المتوقع، رغم سنوات من الحشد والإعداد والتمهيد وفقا للوقائع والتسريبات الموثقة، مع ملاحظة كيف أن الانفصام عن الواقع يكاد يكون القاسم المشترك بين تلك العوامل.

ولعل أول هذه العوامل هو: الاعتماد على حسابات آنية في المحاولة الخارجية لإحداث تغييرات بُنيوية حقيقية على صعيديْ سيادة قطر وخطها السياسي بضربة واحدة، كأن يتم اعتبار مئات المليارات من العقود والهبات -التي حصل عليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته للمنطقة- ضمانة طويلة الأجل يعول عليها في كسب دعم أميركي مؤثر لتلك الحملة وللمحور الداعم لها.

وتناسى القوم أن ترمب ليس في وضع مستقر على ضوء التحقيقات وجلسات الاستماع الدائرة في الكونغرس بشأن ملابسات "روسيا غيت". ونفس الأمر ينسحب على اعتماد مهندسي الحملة على إنجازات الثورة المضادة في تغيير أوجه بعض المجتمعات العربية جزئيا بشكل مؤقت، واتكاء التيار المتصهين على شبكة علاقات عامة خارجية تضم إعلاميين وسياسيين سابقين من العاملين في فلك اللوبي الصهيوني.

وثانيها: كما يتضح عدم الإلمام الكافي بموازين القوى والأبعاد الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وغياب الاستيعاب الدقيق لطبيعة الأحلاف والمصالح والمتغيرات والثوابت، ناهيك عن الأعراف الاجتماعية والمزاج العام السائد في المنطقة.

وكلما نأى الفعل السياسي عن الواقع فإنه يترتب على خطواته من النتائج ما يمكن أن يكون كارثيا عند الأخذ بعين الاعتبار تعقيد المشهد وتشابك مصالحه. ويشهد لذلك تعجل مهندسي الحملة في بسط سلسلة من الاشتراطات غير الواقعية والمستحيلة التحقق عمليا، وضغط عامل الوقت سلبا على الحملة في ضوء التسريبات الإعلامية بتورط عرابيها في ما يسيء لأوطانهم وحلفائهم من المخالفات.

وكلها اعتبارات تضع الحملة ذاتها في الجانب المأزوم والمحتاج إلى العون للخروج من الورطة. ويغذي ذلك عدم انجرار الطرف المستهدَف (أي قطر) في مجاراة حملات التحريض والفبركة والتشهير الساعية لحشرها كمُتّهم في الزاوية. وككل أزمة يتم فيها تبين الإخفاق في تحقيق الأهداف، يتم فتح الباب للوساطات مما يسمح بخروج الحملة بماء الوجه إعلاميا على الأقل.

وثالثها يتعلق بالوسائل: فلم يعد من المألوف في عصر الإعلام الرقمي والتجسس الإلكتروني اللجوء إلى تكتيكات الإعلام الرسمي التقليدي، من تقديم فبركة تنقصها الحرفية ومكشوفة للرأي العام أساسا لخطة عزل وحصار إستراتيجي غير مسبوق، بكل ما يتضمنه من قطع للعلاقات وتشديد للحصار البري والجوي، وغيرها من الخطوات العملية للمقاطعة السياسية والاقتصادية.

ورابعها: تكرار خطأ إهمال البعد الشعبي في إفشال محاولات النيل من الشرعية، كما حدث ليلة انقلاب تركيا العسكري الذي لم يمنعه المكر الدولي من إسقاطه على يد الاصطفاف الشعبي.

لعل الإنجاز الوحيد الذي تم النجاح في تحقيقه من الحملة على قطر -وعلى لسان أكثر من مسؤول في إسرائيل- يعبر عنه سفيرها في واشنطن بقوله بشأن الأزمة الخليجية الراهنة إنها تشير إلى "خط جديد رُسِمَ في رمال الشرق الأوسط..، أصبحنا مع العرب ضد قطر"


وفي حالة حملة عزل قطر الدائرة لم تنجح دعاوى دعم قطر للإرهاب أو تهديدها أنظمة المنطقة في إقناع الشارع الخليجي والعالمي بأن عدو المنطقة الحقيقي هو قطر، وليس استعمارها الداخلي عبر الفساد وقمع الحريات، أو الخارجي المتمثل في فتح شهية كل من هبّ ودبّ للمزيد من النهب والسلب الطوعي تحديدا.

ولعل تصدر الوُسوم (الهاشتاغات) المؤيدة لقطر على شبكات التواصل الاجتماعي خليجياً وعربياً وتركياً على الأقل، مؤشر على نجاح حملة شيطنة قطر في استنفار قطاعات لا بأس بها من الشارع تعاطفا مع قطر.

وخامسها: عدم الاستفادة من التجارب السابقة، فهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها المس بالعلاقات مع الشقيقة قطر، ففي مارس/آذار 2014 تم سحب السفراء قبل إعادتهم مرة أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته، دون حدوث تغير ملموس على أجندة هذا الطرف أو ذاك.

ولم يستفد مهندسو الحملة من دروس فشل حملة حصار وإخضاع قطاع غزة سلما أو حربا ولسنوات، ولا من مآلات فشل الثورة المضادة على الربيع العربي في كسر إرادة الإنسان العربي إلى الأبد.

يشهد لذلك تململ الشارع العربي -بما فيه الكثير من مؤيدي الثورة المضادة أول الأمر- بكل ما يحتمله من مؤشرات إنضاج ظروف انفجاره مجددا في وجه الساهرين على تركيع الإنسان العربي، وعلى رأسهم قادة الثورة المضادة.

أما سادسها فيتعلق بالإنجازات والثمن المترتب على تحقيق أهداف حملة عزل قطر، فلعل الإنجاز الوحيد الذي تم النجاح في تحقيقه -وعلى لسان أكثر من مسؤول في إسرائيل- يعبر عنه سفيرها في واشنطن بقوله بشأن الأزمة الخليجية الراهنة إنها تشير إلى "خط جديد رُسِمَ في رمال الشرق الأوسط..، أصبحنا مع العرب ضد قطر".

أما أثمان تحقيق ذلك فحدث ولا حرج؛ أقلها تبديد الموارد ورهن مستقبل الأجيال، وأوسطها تعريض مشاريع الوحدة الخليجية للخطر، بعدما ظل مجلس التعاون الخليجي الكيان العربي الوحدوي الوحيد الذي ما زال يعمل كجهد ومؤسسة.

وأعلى هذه الأثمان فتح الساحة لمزيد من الاستفراد الإيراني والإسرائيلي، وسواهما من الطامعين في وجبة جديدة من العواصم العربية التي تنتظر دورها على قائمة الاجتياح. وبين هذا وذاك قد لا يمر وقت طويل لتكتشف الثورة المضادة أن من يعبث ببيت جاره يفاجئه الربيع في عقر داره.

المصدر : الجزيرة