عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

أوجه الخلل
الهزيمة المستمرة

لا يكرر التاريخ نفسه بشكل حرفي، لكن فيه الكثير من العبر والدروس التي لو تعلمتها الحكومات والشعوب لتجنبت الكثير من المشكلات.

للأسف وبعد نصف قرن من هزيمة يونيو/حزيران 1976؛ تجد الشعوب العربية نفسها في أوضاع أسوأ بكثير من أوضاع الستينيات، فما أوجه الخلل التي مهدت للهزيمة في مصر وهي الدولة العربية الأكبر؟ وكيف ساهمت تداعيات هذه الهزيمة فيما نعيشه اليوم من كوارث؟

أوجه الخلل
الخلل الأول: خلل سياسي في نظام الحكم بسبب الفردية والحكم المطلق، والتناقض الحاد بين النصوص والشعارات من جهة والواقع والممارسات من جهة أخرى. فمقابل رفع شعارات دولة الشعب والحريات والعدالة، كان الواقع السياسي بائسا، فقد تمت عسكرة الدولة ومؤسساتها المدنية، وسيطر جهاز المخابرات على السياسة والمجتمع، وغابت كل وسائل الرقابة والمحاسبة.

هذا بجانب تصفية كل المعارضين كالأحزاب والإخوان المسلمينومصر الفتاة واليسار، وترسيخ دولة الحزب الأوحد والرأي الواحد والإعلام الموجه، واعتماد مبدأ أهل الثقة في تعيين المسؤولين.

كان ظهور صراع قوي بين الرئاسة ممثلة في جمال عبد الناصر والجيش بقيادة عبد الحكيم عامر سببا مباشرا في الهزيمة. فمثل كل الحكومات العسكرية المطلقة؛ قضى عبد الناصر على كل معارضيه وحلفائه السابقين في سنتين تقريبا، بينما لم يستطع أن يسيطر على الجيش حتى هزيمة يونيو


وكان ظهور صراع قوي بين الرئاسة ممثلة في جمال عبد الناصر والجيش بقيادة عبد الحكيم عامر سببا مباشرا في الهزيمة. فمثل كل الحكومات العسكرية المطلقة؛ قضى عبد الناصر على كل معارضيه وحلفائه السابقين في سنتين تقريبا، بينما لم يستطع أن يسيطر على الجيش حتى هزيمة يونيو.

الخلل الثاني: خلل في مرجعية النظام وفلسفته وهوية الدولة؛ فمقابل الحديث عن العزة والكرامة ورفع شعارات القومية العربية، تحولت مصر في الداخل إلى حقل تجارب لأفكار غير مدروسة وغير ناضجة، واعتمد النظام سياسة معاداة قيم المجتمع وثقافته، واستئصال التيارات الإسلامية وتصفية الأزهر.

ولم ينجح النظام في معالجة المشكلات التي كانت قبل 1952 إلا بكوارث أكبر لا تزال البلاد تعيش تداعياتها إلى اليوم، وذلك نظرا لغياب مرجعية وطنية معبرة عن المجتمع ومتسقة مع قيمه ومبادئه.

لم يستطع النظام -كما فعلت دول أخرى في العالم الثالث كالهند وماليزيا مثلا- بناء إجماع وطني على مبادئ وقيم مشتركة ثابتة وراسخة ومتسقة، تبقى مع تغير الأشخاص والحكام.

الخلل الثالث: خلل اقتصادي واجتماعي؛ فرغم أن الدولة المصرية حققت تقدما ملموسا في الإنتاج الصناعي والزراعي والدخل القومي بشكل عام، وبنت مشاريع ضخمة كالسد العالي، ورغم استفادة الطبقة الوسطى من هذه السياسات، فإنه في المقابل تضررت فئات أخرى.

كما لم تُحْسِن الدولة تحصين هذه الإنجازات بضمانات تجعلها مستدامة، فبجانب ما ذكرناه من خلل في نظام الحكم، اقترنت الإنجازات الاقتصادية بأوجه خلل أخرى ساهمت في إجهاض كل تلك الإنجازات.

فقد تراجع أداء الجهاز البيروقراطي وسادت فيه المحسوبية والانتهازية والفساد، وتم إضعاف القضاء ومؤسساته، وضرب استقلال الجامعات والنقابات والصحافة، وغابت القدوة في المجتمع. والأخطر من هذا أنه تم إضعاف الإنسان نفسه بتغييب كرامته وقمع حرياته، فضعف المجتمع وخارت قواه المدنية والأهلية.

لقد تمتع النظام لسنوات بقدر من الشرعية كان مرتبطا بالنتائج التي حققها على الصعيد الاقتصادي وفي السياسة الخارجية، ومرتبطا أيضا بحملات الإعلام الموجه وبالنتائج السياسية لحرب 1956. ورغم هذا فقد ظهر أن هذه الشرعية كانت هشة لأنها غيبت الإنسان وأخرجته من المعادلة، وأغلقت أمامه سبل المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية الكبرى.

الخلل الرابع: خلل في السياسات الخارجية؛ فأمام الحديث المستمر عن التحرر وعدم الانحياز والدعم الفعلي لحركات التحرر في الخارج، لم تنج البلاد من الارتهان للاتحاد السوفياتي لسنوات طويلة.

ورغم دعم السوفيات لعبد الناصر عسكريا واقتصاديا فإنهم كانوا على علاقة قوية بإسرائيل التي كانوا أول دولة تعترف بها عام 1948 وحتى قبل الولايات المتحدة، كما أن السوفيات لم يؤيدوا سياسات عبد الناصر في دعم القوميين بالعراق ضد الشيوعيين، ولا في إقامة الوحدة مع سوريا.

السوفيات كانوا مصدر معلومة الحشود الإسرائيلية على الحدود مع سوريا التي أدت إلى تصعيد الموقف والوصول إلى الحرب. وحذر السوفيات -وكذلك الأميركان- مصر من القيام بالضربة الأولى، وأكدوا أنهم سيقفون ضد المعتدي، وهو الأمر الذي لم يحدث. ولم يوفروا السلاح النوعي التي ظلت تطالب به مصر إلا عام 1970


هذا بجانب أن السوفيات كانوا مصدر معلومة الحشود الإسرائيلية على الحدود مع سوريا التي أدت إلى تصعيد الموقف والوصول إلى الحرب. وحذر السوفيات -وكذلك الأميركان- مصر من القيام بالضربة الأولى، وأكدوا أنهم سيقفون ضد المعتدي، وهو الأمر الذي لم يحدث. ولم يوفروا السلاح النوعي التي ظلت تطالب به مصر إلا عام 1970.

خلل السياسة الخارجية ظهر أيضا جليا فيما شهدته المنطقة العربية من خلافات أطلِق عليها اسم "الحرب العربية البادرة"، جرّاء الانقسام الشديد بين جبهتين متنافستين في الرؤى والسياسات وأنظمة الحكم. ثم أدت تداعيات الهزيمة إلى وقوع دول المنطقة تحت الهيمنة الأميركية. وكان الهدف الأول لأميركا في ذلك الوقت هو هزيمة العرب هزيمة ساحقة.

وقد ثبت فيما بعد أن إدارة الرئيس ليندون جونسون تبنت خطة خداع لتحقيق هذا الهدف، فأعطت الضوء الأخضر للإسرائيليين، وكان جونسون يعرف موعد بدء الحرب وأخبر به قيادات حزبه (الحزب الديمقراطي) قبله بيوم واحد، حسبما كتبه مراد غالب في مذكراته.

كما حذرت أميركا مصر من بدء الحرب كما أشرنا، وأوحت لها بأن الأزمة ستحل سياسيا. وقد اقتنع عبد الناصر بهذا فطالب جيشه بعدم شن الضربة الأولى رغم أنه عرف موعد العدوان، وتصور أنه سيدخل أزمة سياسية ويخرج بمكاسب سياسية كما حدث في 1954.

الخلل الأخير هو الخلل العسكري، وهو نتيجة طبيعية لأوجه الخلل السابقة. فلم يكن الجيش مستعدا للقتال لأن نصفه تقريبا كان باليمن، وكانت قيادته ممثلة في عامر غير مؤهلة عسكريا، فالرجل انقطعت صلته بالعسكرية منذ أن كان برتبة رائد عام 1952. بل كشفت مذكرات بعض قادة الجي المصري آنذاك حجم التراجع الكبير في التخطيط والتدريب والمناورة.

لقد كان الإنفاق على الجيش جيدا لكن مشكلته الأساسية كانت في كيفية إدارة هذا الإنفاق، وفي العائد منه، في ظل سيادة هاجس الأمن والتنافس على المناصب السياسية والمناصب المرموقة بين بعض القادة العسكريين، وشيوع المظاهر الاحتفالية، واعتماد مبدأ أهل الثقة في تعيين القادة، وغير ذلك.

وكانت القرارات التي اتخِذت قبل وأثناء الحرب (كقرارات الحشد والتعبئة والانسحاب) قرارات غير مدروسة وتمت بدون نقاش حقيقي. كما تأثرت تأثرا كبيرا بالخلافات العربية/العربية، وبالتقدير الخاطئ لمواقف السوفيات والأميركان.

الهزيمة المستمرة
كان طبيعيا -مع أوجه الخلل تلك- أن تكون الهزيمة العسكرية مدوية، وأن تمتد تداعياتها الكارثية حتى يومنا هذا. فالهزيمة لم تتوقف عند كونها خسارة معارك عسكرية، وإنما امتدت لتصل إلى جوهر الصراع من جهة، وإلى الإنسان والمجتمع والسياسة في مصر والدول العربية من جهة أخرى.

فدولة الأبارتايد الإسرائيلي وُلدت حقيقة بعد هذه الهزيمة التي لولاها لما وجدت الصهيونية أرضا تستوطنها، ولما جلبت ملايين المهاجرين من الجماعات اليهودية من جميع أنحاء العالم.

ولولا الهزيمة لما حصل الكيان الإسرائيلي الوليد آنذاك على الدعم الخارجي السخي، لمواجهة الحكومات العربية التي تناصبه العداء بالكلام كما أدركنا بعد عقود، ولما ترسخت العلاقات مع الولايات المتحدة وانتقلت إلى تحالف إستراتيجي قوي. ولولا الهزيمة لما تحولت قضية فلسطينإلى نزاع حول الأراضي التي احتُلت عام 1967.

خالفت هزيمة يونيو ما هو معروف من أن الهزائم تمثل فرصة للتصحيح والمراجعة وتجنب الأخطاء. صحيح أنه من الناحية العسكرية مثلت الهزيمة فرصة لعودة العسكريين إلى مهمتهم الأساسية في الدفاع والحرب، وتمت بالفعل إعادة بناء الجيش المصري على أسس مختلفة، لكن هذا الأمر لم يستمر طويلا كما أنه لم يمتد إلى بقية أوجه الخلل الأخرى


وقبل هذا كله لولا هذه الحرب لما استمرت الصهيونية ذاتها التي لا تقوم إلا على التوسع والحروب. فكما كانت حرب 1948 حربا عدوانية معدة سلفا كما كتب بن غوريون؛ كانت حرب 1967 حربا عدوانية معدة سلفا، إذ أكد جنرالات إسرائيليون أن التخطيط لاحتلال القدس بدأ عام 1948.

ومن جهة أخرى،خالفت هزيمة يونيو ما هو معروف من أن الهزائم تمثل فرصة للتصحيح والمراجعة وتجنب الأخطاء. صحيح أنه من الناحية العسكرية مثلت الهزيمة فرصة لعودة العسكريين إلى مهمتهم الأساسية في الدفاع والحرب، وتمت بالفعل إعادة بناء الجيش المصري على أسس مختلفة من الانضباط والعقيدة القتالية، الأمر الذي مكّن مصر من شن حرب الاستنزاف، ثم حرب 6 أكتوبر وهزيمة العدو وعبور قناة السويس.

لكن هذا الأمر لم يستمر طويلا كما أنه لم يمتد إلى بقية أوجه الخلل الأخرى. لقد أدت الهزيمة إلى آثار فادحة على الاقتصاد والسياحة، وانخفضت معدلات الاستثمار والادخار، وتم تهجير الملايين من سكان مدن القناة، هذا بجانب الغضب الشعبي وانتفاضة الشباب في الجامعات مرتين عام 1968 مطالبين بأمرين هما: الحرية وتحرير فلسطين.

كما تعرضت الشخصية المصرية للكثير من التغييرات جراء انكشاف حجم التضليل الإعلامي، والأخطاء الكارثية في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، ودور الدولة البوليسية في القمع والإفساد. هذا مع بحث المجتمع عن هوية أكثر تماسكا واتساقا بعد تراجع شعارات القومية العربية.

للأسف استمرت أوجه الخلل الأخرى وترسخت في دولة ما بعد حرب أكتوبر، فخلل نظام الحكم تعمق مع التعددية الزائفة، واستمرار سيطرة الأجهزة الأمنية والمخابراتية، ودخول بضع مئات من الجنرالات مجال التجارة للاستفادة من سياسة الانفتاح الاقتصادي غير المحسوب.

وخلل الهوية اتسع بسبب حركات التغريب والانسحاق أمام قوى العولمة، ومع استمرار معادة قيم المجتمع وثقافته. وخلل الاقتصاد والمجتمع ترسخ مع غياب أي إستراتيجيات مدروسة ووطنية للتنمية وشيوع الفساد وحمايته. وخلل السياسة الخارجية تطور بعد أن صار التطبيع نمط حياة وتسوّل، وأصبح السلام خيارا إستراتيجياً.

أما الجيش -الذي حقق انتصاره الوحيد عندما أبعد عن السياسة- فقد تم إقحامه قسرا منذ 3 يوليو/تموز 2013 في صراع سياسي حادّ، ليتم استخدامه في قمع الشعب والدخول في تحالفات ومغامرات إقليمية ودولية، حاله في هذا حال بقية جيوش المنطقة الرئيسية التي يراد لها أن تدخل صراعات وحروبا مدمرة، تحقيقا لبقية أهداف حروب دولة الأبارتايد العنصري (إسرائيل) في السيطرة التامة على المنطقة، في ظل حكومات مسالمة لا جيوش لها.

المصدر : الجزيرة