ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني

السياسة والإعلام
الفضائيات وأزمات المنطقة
نتائج التبعية الحكومية

تقول العرب "الحرب أولها كلام"، واليوم تكاد المقولة تصبح: "الحرب أولها إعلام". ليس مدهشا أن الأزمة الخليجية الراهنة -بكل خطورتها وضخامتها- بدأت باختراق إلكتروني لوكالة الأنباء القطرية، الناطقة باسم قطر الدولة المستهدفة بالحرب من بعض جيرنها الأشقاء.

أواخر الشهر الماضي (مايو/أيار) أفاق القطريون على وقع حملةٍ إعلاميةٍ شديدةٍ، قادتها وسائل إعلام خليجية نسبت تصريحات إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تبيّن أنها مفبركة بصورة كاملة. وكان ذلك نتيجة لهجوم إلكتروني عبر اختراق وكالة الأنباء القطرية بعد منتصف الليل.

وقالت قطر أن اختراق موقع الوكالة نفذته دول مجاورة مشاركة في الحصار. ومنذ ذلك التاريخ تناولت وسائل الإعلام الخليجية قطر وسياستها، ووصل الهجوم الإعلامي حدًا خرج فيه عن القيم والأعراف والتقاليد المهنية.

تعاطي جزء كبير من الإعلام العربي مع الأزمة الخليجية بيّن حقيقة أنه ليس إلا نمطا من أنماط العمل الإعلامي غير المهني الذي يتماهى مع الطموحات الرسمية. والحقيقة الماثلة أننا لا يمكن أن نقول إن لدينا إعلاما عربيا أو خليجيا، قبل أن نحرر العقل العربي من سطوة الدكتاتوريات والأنظمة القمعية. فغياب الحريات الإعلامية أُسّ البلاء، وسبب الضياع الذي يغرق في وحله الإعلام العربي.

كان انطلاق الحملة الإعلامية على قطر استئنافًا لصراعٍ قديمٍ حول مواقفها وسياستها الخارجية المستقلة، بيد أنّ الدوحة ظلت ملتزمة بالمواقف الخليجية الموَّحدة في القضايا الإقليمية المهمة، كما في سوريا واليمن والموقف من إيران والحرب على الإرهاب.

ولكن عقب القمة الأميركية العربية الاسلامية في الرياض الشهر الماضي، وبشكل مفاجئ؛ قادت كل من الرياض وأبو ظبي التعبئة ضد قطر عبر هجمة إعلامية شرسة، بعد يومين فقط من اختتام القمة.

بدت الهجمة الإعلامية على قطر عنيفة وغير مألوفة في تاريخ العلاقات الخليجية/الخليجية حتى في أوقات أشد وأعقد الأزمات؛ إذ لم تتوقّف الحملة عند فبركة أخبار وتلفيقها ضد قطر، بل وصلت حدّ توجيه الشتائم الشخصية، وهذا تطورٌ غير مسبوقٍ في الخليج.

ولكون الإعلام العربي والخليجي مرتبطا بشكل وثيق بتركيبة أنظمة الحكم العليلة، فهو يجد حظه من عللها غير منقوص. فلا يمكن أن ننتظر إعلاما صحيحا معافى ما دام الوسط الذي يعمل فيه مُثخنا بالجراح.

السياسة والإعلام
إن الارتباط الشديد بين السياسة والإعلام يأتي من كون الاتصال -وهو مصطلح أشمل من مصطلح الإعلام- نشاطا أساسيا للإنسان، فمعظم ما نقوم به في حياتنا اليومية إنما هو مظاهر مختلفة لما نعنيه بالاتصال، والإعلام في ذات الوقت نشاط اتصالي تنسحب عليه كافة مقومات النشاط الاتصالي.

تعاطي جزء كبير من الإعلام العربي مع الأزمة الخليجية بيّن حقيقة أنه ليس إلا نمطا من أنماط العمل الإعلامي غير المهني الذي يتماهى مع الطموحات الرسمية. والحقيقة الماثلة أننا لا يمكن أن نقول إن لدينا إعلاما عربيا أو خليجيا، قبل أن نحرر العقل العربي من سطوة الدكتاتوريات والأنظمة القمعية


وتتصف العلاقة بين الإعلام والفعاليات السّياسية والديمقراطية بالتكامل والتفاعل المستمر والتأثير المتبادل، مما يجعلها تشكّل فيما ما بينها مثلثاً متساوي الأضلاع والأهمية. فالإعلام جزءٌ لا يتجزأ من العملية الديمقراطية أو السُلطوية، وضمانة أساسية لقيام وحيوية النهج الديمقراطي واستمراره في المجتمع، أو أنه عملية أساسية للتمكين للدكتاتورية والقهر السياسي.

والإعلام أداة من أدوات السّياسة، ينقل سياسات صناع القرار إلى الشعوب، ويبلور اتجاهات ومواقف الشعوب حتى يستفيد منها صنّاع القرارات؛ ووسائل الإعلام أداة قوية يعتدّ بها بالنسبة للنظم السّياسية في أي مجتمع من المجتمعات، فللسّياسة إذا ما استخدمنا العبارة بمعناها "الرفيع" علاقة لا تنفصم عن الاتصال.         

وبسبب خصائص الإعلام النوعية؛ تعمل الحكومات على التحكم في النظم الإعلامية السائدة لتعيد صياغتها وترسم إستراتيجياتها وفقاً لأهدافها وتوجهاتها، وتلك هي اللعبة المعتادة والمتعارف عليها لدى صناع القرار في إطار النظم الحاكمة.

وتقوم عمليات التحول السّياسي والاستمالة وزرع المعتقدات الجديدة على استخدام أساليب قتل العقل، كما يقول أحد علماء النفس؛ لأنها تحيل الإنسان إلى كائن لا حول له ولا قوة، وتخضعه إخضاعاً للتعاليم الجديدة.

إذ تتضافر فنون الضغط الثقافي والعاطفي مرتبطة بالضغط البدني للسيطرة على الإنسان الضحية، وتحويله إلى فرد له عقلية جديدة بحمله على الاعتراف بأخطائه وإزالة هذه الأخطاء توطئة لتثقيفه من جديد.        

وعندما تركّز وسائل الإعلام على حدثٍ معين فإنها تدفع الجمهور للنظر إلى هذا الحدث باعتباره حدثًا مهماً. وبذلك؛ فإن وسائل الإعلام تُخبر الجمهور بالشؤون السّياسية وتؤثر في إدراكه للأهمية النسبية التي تمُنح لهذه القضايا.    

الخطاب الإعلامي مثلما يُساعد على توحيد الرؤى وبلورة الرأي العام حول قضية ما. فضلا عن إزالة التوتر وحل الصراعات، يمكن في ذات الوقت أن يأتي بنتائج عكسية إذا ما كان تحت ضغط وسلطة الدكتاتوريات والأنظمة الرغائبية.

وفي هذا العصر لم تستخدم الحكومات والسياسيون الإعلام في السيطرة والتحكم داخل الدولة الواحدة، بل غدا رأس الرمح في إدارة وتوجيه وربما خلق الأزمات الإقليمية والدولية. ولذلك نجد الدول والشعوب تواجه تحدياً في عقر دارها، واليوم تتحول معركة الإعلام لكسب أفئدة وعقول العالم العربي إلى تهافت مزدحم بين وكالات الأخبار الغربية.

إن هذا التهافت المباشر لوكالات الأخبار يعكس مدخلا عملياً في معالجة قضايا الشرق الأوسط، حيث يمكن التأثير على الصراعات من خلال سرد الروايات وسيلٍ لا يتوقف من المعلومات الصحيحة أو المغلوطة، وليس فقط باستعمال الصواريخ وإرسال الدبلوماسيين الماهرين.

والقنوات الفضائية هي آخر تجليات المدنية الحديثة، وباتت تشكّل خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي، فهي سلاح ذو حدين يُستخدم حده السّام في أغلب الفضائيات العربية المرتبطة بالأجندات السياسية غير الرشيدة، كما بدا واضحا في الأزمة الخليجية الأخيرة.

الفضائيات وأزمات المنطقة
منذ حربيْ الخليج الأولى والثانية والمنطقة تئنُّ جراء وقع أزمات سياسية عاصفة متتالية. وتزامناً مع ذلك العصف؛ كانت المنطقة مسرحا لقيام العديد من الفضائيات باعتبارها أكثر وسائل الاتصال الجماهيري سطوة وتأثيرا.

الخطاب الإعلامي مثلما يُساعد على توحيد الرؤى وبلورة الرأي العام حول قضية ما. فضلا عن إزالة التوتر وحل الصراعات، يمكن في ذات الوقت أن يأتي بنتائج عكسية إذا ما كان تحت ضغط وسلطة الدكتاتوريات والأنظمة الرغائبية


وأخذ المجهود الإعلامي الأميركي نحو الجماهير العربية بالتطور والتبلور بشكل لافت للانتباه، وبصورة تتماشى مع تصاعد المجهود الحربي الأميركي في المنطقة.

وجاء ذلك على خلفية ما توصلت إليه لجنة المحاسبة في الكونغرس من أن إدارة الرئيس جورج بوش الابن فشلت في تحسين صورة الولايات المتحدة حول العالم، رغم إنفاقها مليار دولار لهذا الغرض في عام 2003.

بعد ذلك قررت الإدارة الأميركية تحسين صورتها في المنطقة وإنشاء قناة فضائية عام 2004 باسم "الحرة" التي اعتُبرت أكبر مشروع إعلامي دولي ترعاه الحكومة الأميركية منذ إطلاقها إذاعة "صوت أميركا" عام 1942. ولا تبث "الحرة" إعلانات؛ ولذلك فهي تعتمد في تمويلها على الحكومة الأميركية اعتمادا كليا.   

وهكذا بدأت "الحُرّة" دورها دون مواربة في عكس أو ربما تنفيذ السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة. فإن شئت التعرف على حركية العقل السياسي الأميركي، أو معرفة موقف واشنطن من إيران أو كوريا الشمالية أو السعودية أو سورية، فما عليك إلا الإصغاء ليوم واحد فقط إلى برامج "الحرة" ونشراتها الإخبارية، وتعليقات خبرائها الأميركان ومن يضارعونهم من العرب.

لاحقا دخلت ألمانيا هذا السباق فافتتحت في فبراير/شباط 2005 تلفزيون "دويتشه فيلله" (DW) العربي من الكويت. وفي ديسمبر/كانون الأول 2005 أطلقت روسيا قناة "روسيا اليوم" باللغة العربية كمشروع يهدف إلى نقل وجهة نظر السلطات الروسية للرأي العام العالمي والعربي. وفي مطلع أبريل/نيسان 2007م انطلقت قناة "فرنسا 24" العربية للتواصل مع العرب بلغتهم.

نتائج التبعية الحكومية
كان العقل السياسي في قطر سباقا حين فكر في إنشاء قناة "الجزيرة" عام 1996، فكانت بمثابة ثورة إعلامية فتحت الباب أمام مناقشة حرة للقضايا المسكوت عنها في الفضاء السياسي العربي المتكلس. وكرد فعل لقناة الجزيرة، ظهرت قنوات "العربية" و"الإخبارية" السعوديتان، و"اسكاي نيوز" بنسختها العربية الإماراتية.

بينما شهد الجميع لقناة الجزيرة بالمهنية العالية والموضوعية فإن رصيفاتها لم ينفككن عن مظاهر أزمة الإعلام العربي، القائمة على عدم الموضوعية وانحياز التغطية الإخبارية للأحداث، من خلال تلوين الأخبار وزخرفتها وتكييفها وفقا للمتطلبات


وبينما شهد الجميع لقناة الجزيرة بالمهنية العالية والموضوعية فإن رصيفاتها لم ينفككن عن مظاهر أزمة الإعلام العربي، القائمة على عدم الموضوعية وانحياز التغطية الإخبارية للأحداث، من خلال تلوين الأخبار وزخرفتها وتكييفها وفقا للمتطلبات.

في هذه الأزمة الخاليجية الماثلة؛ كان الجمهور العربي -والخليجي على وجه الخصوص- واقعا تحت ضغط تغطيات إخبارية وتحليلات سياسية مفبركة، قُدمت بالتناغم والتناسق مع رغائب وأهواء الأنظمة الحاكمة.

وعليه فإن وسائل الإعلام الخليجية -في أغلبها- تعوق التنمية السياسية لأن ذلك ببساطة لا يتم إلا بالسوق الحرة للأفكار، وعلى قيم الرأي والرأي الآخر، الأمر الذي فشلت أغلبية وسائل الإعلام الخليجية في تحقيقه على أرض الواقع. وفي هذه الأزمة؛ كان أولى ضحايا هذا الإعلام الموضوعية والمهنية، عبر التناول والتفسير المختلف للأزمة والمواقف المتعلقة بها.

وتفوّق الإعلام الخليجي المأزوم بسيطرة الأجندة السياسية الحكومية على الإعلام الإسرائيلي في احتفائه بقطع السعودية والإمارات والبحرين -ودول أخرى- جميع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، ووقف الحركة البحرية والبرية والجوية معها.

ومثل ما نعق الإعلام الاسرائيلي بأن ما حدث يعتبر حماية لأمن إسرائيل من مخاطر الإرهاب والتطرف والتدخل في شؤون دول عربية أخرى؛ كان الإعلام العربي المأزوم يردد ذات الأكاذيب.

وكان الموقف الإسرائيلي يقوم -بدون مواربة- على دعم شق صف ووحدة الدول الخليجية؛ فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن تغييرًا مهمًا طرأ على طريقة تعامل دول في المنطقة مع إسرائيل، حيث باتت هذه الدول شريكة وليست عدوة في الحرب ضد ما سماه الإسلام المتطرف.

المصدر : الجزيرة