محمد الجوادي

محمد الجوادي

كاتب ومؤرخ وأستاذ طب مصري

استيقظ العالم الحر على نفير وزفير الحصار الذي فرضته ثلاث شقيقات في مجلس التعاون الخليجي (ليست على وفاق دائم) على شقيقتهم، التي نالت إعجابا متزايدا في المحيط الدولي قفز بها إلى مكانة القُطر العربي الأكثر بهاء وزهوا في معايير التنمية والتقدم والحوكمة والعدالة.

وسرعان ما تفاوتت ردود الأفعال المندهشة من اللجوء الحاد لمثل هذا الأسلوب المسرف في عداوته؛ بيد أن الاختلاف الفكري الأعمق انتقل بالنقاش ليتمحور حول مدى ما يمكن أن يتحقق من نجاح أو تأثير لهذا الحصار المبالغ في ابتزازه والمسرف في استفزازه.

وقد استحضر المنصفون في أذهانهم ما عرفوه من عزيمة قطر وتفوقها؛ فبدؤوا يطمئنون إلى أن الحصار لن يراوح الحد الأدنى من التأثير، لكن أكثر المنصفين في حبهم لقطر والمغرمين بكيانها وشعبها لم يكونوا يتوقعون ذلك النجاح القطري المبهر في إصابة الحصار المكثف بانحسار متسارع، أجهض ما ابتغاه المحاصِرون ودفعهم إلى التراجع التدريجي عن العنتريات التي كانوا قد بدؤوا تسويقها.

وربما كان من واجبنا أن نحاول البحث عن الأسباب الموضوعية التي تضافرت تأثيراتها حتى حققت هذا النجاح المشهود:

الحصار افتقد اللياقة في الإعلان واللباقة في التعبير، ومن المؤسف أن فقدان اللياقة بلغ ذروته في تصريحات دبلوماسية علنية تلقتها الجماهير صوتا وصورة من فم دبلوماسي مخضرم منضبط هادئ الأعصاب، يتولى منصب وزير خارجية بلاده التي عُرفت بالتحفظ والتريث، فإذا به يستخدم من التعبيرات ما ينم عن إعجاب دفين بالنمط القذافي في التعبير


* السبب الأول
: أن الحصار افتقد وضوح الهدف في عصر الذكاء الصناعي الذي رسخ للمفهوم القائل بأن كل عملية إستراتيجية تفتقد وضوح الهدف محكوم عليها بالفشل، لأنها لا تجد مقياسا للنجاح مهما بذلت من رطانة، أما النجاح الحقيقي فيبدأ بتحديد الهدف ويتأكد بارتفاع نسبة ما تحقق منه.

وفي حالة حصار قطر؛ فقد تباينت التصريحات والتلميحات حول الهدف منها دون تحديد واضح ولا حتى تقريبي للهدف من الحصار؛ ووصل هذا التباين إلى طيف واسع من الرغبات المتعارضة والأمنيات المستحيلة، عبرت عنها شعارات فضفاضة من قبيل التصدي لإيران، ومكافحة الإرهاب، وتوحيد الجهد الخليجي دون تحديد المجال المطلوب توحيد الجهود لأجله.

* السبب الثاني: أن الحصار افتقد اللياقة في الإعلان واللباقة في التعبير، ومن المؤسف أن فقدان اللياقة بلغ ذروته بتصريحات دبلوماسية علنية تلقتها الجماهير صوتا وصورة من فم دبلوماسي مخضرم منضبط هادئ الأعصاب، يتولى منصب وزير خارجية بلاده التي عُرفت بالتحفظ والتريث، فإذا به يستخدم من التعبيرات ما ينم عن إعجاب دفين بالنمط القذافي في التعبير.

* السبب الثالث: أنه تعارض بكل وضوح مع الثوابت السياسية والإستراتيجية المعروفة في الأمتين العربية والإسلامية (والمنطبعة عن هاتين الأمتين)، حين قفز قفزة واسعة إلى المجهول وهو يصف بالإرهاب حركة المقاومة الفاعلة الوحيدة في معركة العرب الكبرى، التي التزموا بها (سواء بصدق النية أو بالمجاراة) طيلة سبعين عاما متصلة.

وفي هذا الصدد؛ فإن التصريحات التي رافقت الحصار جاءت متناقضة تماما مع الصورة المؤازرة والداعمة للمقاومة الفلسطينية التي بذلت كبرى الدول المحاصِرة جهدها في إرسائها في السنة الأخيرة.

* السبب الرابع: أنه استدعى إلى الأذهان صورة الجور والعسف والطغيان التي اكتنفت حصار مشركي مكة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في بدء الدعوة الإسلامية؛ وهو الحصار الذي اضطر بسببه النبي -عليه وعلى آله الصلاة والسلام- إلى أكل أوراق الشجر من أجل البقاء.

وبعد ثلاث سنوات من المعاناة أنهى الحصارَ خمسةٌ من المشركين ذوو نخوة، حين اكتشفوا أن ممارسة الحصار ليست مما يليق بمن يدّعون مكارم الأخلاق، ويتفاخرون بها ويؤسسون عليها منظوماتهم الاجتماعية بل والسياسية.

* السبب الخامس: أن قادته لم يعطوا العناية الكافية لحساب الجدوى الاقتصادية للحصار كمشروع ذي جوانب اقتصادية؛ فالمؤسسات والشركات المتضررة من الحصار والمنتمية للدول المحاصِرة وجدت نفسها مجبرة على خسائر مفاجئة لا يد لها فيها، ولا يمكن لها أن تستوعبها بَلْهَ أن تتجاوزها في يوم وليلة (مهما كانت ضئيلة).

ولم يقف الأمر عند خسارة الأسواق فحسب، بل تعداه إلى اضطراب منظومات التخزين والتوريد والتشغيل والنقل والتوزيع بدرجات متفاوتة، لا تقف عند حدود الإيذاء الموسمي وإنما تصيب المنظومة كلها بالارتباك.

وفي مقابل هذا؛ فإن الدولة المحاصَرة لم تقع فريسة المعاناة في توفير البدائل لسببين جوهريين: أولهما أنها كانت قد تحسبت بصورة دقيقة لمواجهة هذا النزق غير المسؤول، وثانيهما أن المشتري هو سيد السوق.
الحشد للحصار مُني بأسوأ ما يمكن من مظاهر التلفيق المركب على التباهي بالباطل؛ فعلى حين فشلت دبلوماسية المحاصِرين المكوكية في إقناع الغالبية العظمى من الدول الإسلامية والعربية بالحصار، فإن الساسة الذين أعلنوا المشاركة فيه كانوا في حال من البؤس تنتقص من قيمة مشاركاتهم ولا تضيف


* السبب السادس
: أن الحصار بدا انفعالا بأكثر مما بدا فعلا؛ فمثلا كان من الممكن للحصار أن يكون أكثر فعالية لو أنه حدد مدة زمنية (شهرا أو ثلاثة) يعود بعدها إلى التوقف ثم إلى الحصار، وأن تكون هذه المدة محسوبة جيدا بحيث تكشف التجربة عن فعالية أثر الحصار وتؤثر في توجهات أو سياسات المستهدف به.

لكن الحصار بدا وكأنه يقول إنه واثق من أنه سينهي قوة الدولة المحاصَرة وكيانها -ثم وجودها أو استقلالها- في أيام معدودات، دون حاجة إلى التفكير في مداه وتقييمه وبدائله.

* السبب السابع: أن قادة الحصار لم يعلنوه كبيان عقب اجتماع أو لقاء مشترك اتفقوا عليه فيه، بل إنهم لم يظهروا بأنفسهم وهم يعلنونه لا فرادى ولا مجتمعين، وكأنهم يقرون علنا بمعرفتهم بأنه قرار مريب وإعلان لا يشرف.

وتأكد هذا بتدشين الحصار والناس نيام، وحتى ما بعد أسبوع من الحصار فإن أعلى شخصية بروتوكولية تحدثت عنه علنا كانت شخصية وزير خارجية عرفته المجتمعات العربية على أنه مردد أكثر مما هو منظر أو مفكر أو صانع.

وهكذا ظل الحصار في صورته المرسومة بأيدي أصحابه أقرب ما يكون إلى الأوامر الإدارية التي تلجأ إليها حكومات شمولية في معالجة الأزمات التموينية، من قبيل منع انتقال الأرز بين المحافظات في محاولة للاستحواذ الحكومي على المنتج للتحكم في توزيعه عبر منافذ الحكومة، للتغطية (فقط) على مظهر الأزمة الخانقة.

* السبب الثامن: أن الحصار عبّر عن نفسه في صورة إعلامية متدنية المستوى ومقززة للنفس البشرية؛ وذلك أنه افتقد الإعلان الرسمي المنضبط الجهير والمستكمل لصورة البديل السياسي والدبلوماسي.

ومن هنا كان قادته مضطرين -منذ ساعاته الأولى- إلى اللجوء إلى تسريبات غير منضبطة عبر صحفيين متقلبي الولاء، ثم إلى إطلاق أيدي التلفزيونيين في حملات إعلامية مسعورة، لم تجد أمامها إلا الاستهداء السريع بالنموذج الناصري الفج الذي لا يزال يستهوي مدرسة ماسبيرو، بكل تعجلها للتصريح ونفيها للقيم وعبثها بحدود المسموح والمحظور وغرامها بالاختلاق والبذاءة والمبالغات والأكاذيب.

* السبب التاسع: أن قادة الحصار رحّبوا دون وعي بالاستقطاب الحاد بين الجماعات الإعلامية بكل سماتها الملتبسة، ورأى في هذا الاستقطاب ما قد يملأ الفراغ الناشئ نتيجة غياب الفكرة المبررة للحصار.

وبدا الأمر للعيان وكأن طبيب الحَجْر الصحي اتخذ قرارا بتفعيل الحجر دون مبرر؛ ثم رحب بالشائعات التي انطلقت تتحدث عن وجود الطاعون وأن اكتشاف عدد من حالاته النشطة كان هو السبب الذي دفع الطبيب إلى اتخاذ قراره، بينما الحجر محدود بشخص واحد فقط.

ثم تكون المفاجأة أن الشخص "المحجور" خال تماما من الطاعون، وتتوالى المفاجآت فإذا هذا الشخص طبيب جراح، وإذا هو شقيق الطبيب، والشقيقان يعيشان في مسكن واحد مشترك؛ لكن الطبيب "الحاجر" أراد أن يستفرد بالمسكن المشترك أسبوعا!

* السبب العاشر: أن قادة الحصار أساؤوا اختيار التوقيت، وكانت إساءته حافلة بالإدانة للقرار ولمتخذي القرار، كما كانت هذه الإساءة خماسية الأبعاد في الساعة واليوم والشهر والسنة فضلا عن ظلال الذكرى.

فقد دشن الحصار كما ذكرنا قبل الفجر، أي في وقت تكون فيه الحياة متأججة في عواصم أخرى؛ وجاء في شهر رمضان الكريم الذي يؤمن المسلمون بأن الشياطين تُصَفَّدُ فيه؛ كما جاء في اليوم الذي تتبدل فيه علاقات العمل والإجازات بين الشرق والغرب.

الجزء الأكبر من مقومات انحسار الانحصار ثم انحصاره يعود إلى ما أنعم الله به على قطر من الثبات الانفعالي النادر والقادر، والتحسب الذكي والخفي لمثل هذا الغدر

ثم إن الحصار جاء في السنة التي شهدت تبدلا حادا في طبيعة من يشغلون مواقع القيادة في أميركا والغرب؛ ثم جاء في ذكرى موحية ونادرة الحدوث، حيث اجتمعت ذكريات التاريخ الهجري ليوم النصر بالتاريخ الميلادي ليوم الهزيمة في يوم واحد.

* السبب الحادي عشر: أن الحشد للحصار مُني بأسوأ ما يمكن من مظاهر التلفيق المركب على التباهي بالباطل؛ فعلى حين فشلت دبلوماسية المحاصِرين المكوكية في إقناع الغالبية العظمى من الدول الإسلامية والعربية بالحصار، فإن الساسة الذين أعلنوا المشاركة فيه كانوا في حال من البؤس تنتقص من قيمة مشاركاتهم ولا تضيف.

فمن ذا الذي يعتبر موافقة عبد ربه منصور شيئا معبرا عن الإنجاز؟ ومَن ذا الذي لا يعرف مستوى أداء الكراسي الانقلابية في موريتانيا ومصر وجيبوتي؟ ولربما كان السؤال محبِطا لكنه طُرح ولا يزال يُطرح بعجب: أهذه كل ثمرة دبلوماسية التمويل والمنّ والمنح والمنع؟

* السبب الثاني عشر: أن تنفيذ الحصار نفسه كان مباغتا ضوضائيا وكأنه وليمة أو مهرجان شعبي وليس حصارا سياسيا، وينطبق هذا أيضا على ما تم تناقله -حتى الآن- عن تخطيط وتكوين وتحركات وعناصر الانقلاب العسكري الخارجي (أو المستورَد)، والذي كان من المطلوب تغطيته وتأمينه بقرارات الحصار.

فقد بدا الفعل في الحصار حديثا عن استعراض تلفزيوني لا عن تحرك عسكري حقيقي، وهو موضوع طويل يمكن تلخيص مظهر النقص فيه بأنه تهريج رخيص، وُظِّفَتْ فيه جماعات مرتزقة لا لتحقيق هدف ذي مغزى، وإنما للتخويف مما هو ممكن في سبيل التنفيس عن الحقد والرغبة في الإيذاء.

****

ثم نأتي إلى لمحة سريعة عما قد يكون موضوع مقالنا التالي إن شاء الله، لكن لا بد من أن يُذكر هنا على سبيل الإجمال، للاعتراف بأن الجزء الأكبر من مقومات انحسار الانحصار ثم انحصاره يعود إلى ما أنعم الله به على قطر من الثبات الانفعالي النادر والقادر، والتحسب الذكي والخفي لمثل هذا الغدر.

وكذلك التدرّب الوافي والمتكرر على خطة المواجهة، والتعامل المحسوب والمحوسب مع جوانب الأزمة، والثقة المتزايدة والصادقة في النظام والشعب والعلائق بينهما، والانصراف التام عن الكيد والتعصب والغطرسة والتراشق والانزلاقات والوقوع في المآزق المنصوبة. وما أتاحه رصيد السمعة العالية لقطر بنهضتها وخيريّتها والتزامها في الميدان الدولي...، وهو موضوع طويل يعبر عن منظومة كاملة أو ملحمة جميلة من النجاح.

المصدر : الجزيرة