قطب العربي

قطب العربي

كاتب صحفي وخبير إعلامي مصري

تسليم رغم الأحكام والاحتجاجات
علاقات سعودية إسرائيلية 

لم تنه موافقة البرلمان المصري يوم 14 يونيو/حزيران على اتفاقية إعادة تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية الجدلَ حول ملكية جزيرتيْ تيران وصنافير بين الدولتين.

ذلك أن هناك معركتين قضائيتين جديدتين فُتحتا على النظام الحاكم؛ أولاهما أمام المحكمة الدستورية التي أحالت إليها الحكومة الأمر لحسم التنازع بين حكم المحكمة الإدارية العليا التي قضت بمصرية الجزيرتين، وحكم محكمة الأمور المستعجلة (وهي محكمة غير مختصة) التي انحازت لموقف السلطة باعتبارها الجزيرتين سعوديتين.

وقد أوصت هيئة المفوضين في المحكمة برفض الدعوى الحكومية، مما يمثل إشارة إلى احتمال أن تمضي هيئة المحكمة في الاتجاه ذاته، رغم أن التقرير استشاري وغير ملزم.

أما المعركة الثانية فقد فتحها المحامي علي أيوب، وهو المحامي نفسه الذي رفع الدعوى من قبل ببطلان توقيع الاتفاقية وشاركه فيها المحامي خالد علي، والذي أقام دعوى جديدة أمام مجلس الدولة المصري يطلب فيها إبطال قرار رئيس البرلمان بإحالة الاتفاقية للمناقشة البرلمانية، بعد أن حكمت أعلى محكمة -وهي "الإدارية العليا"- ببطلانها لمخالفتها الدستور.   

تسليم رغم الأحكام والاحتجاجات
ليست هناك آمال كبيرة بأن تلتزم السلطات المصرية بأي حكم قضائي جديد بعد أن أهدرت حكما صريحا نهائيا وباتًّا، صدر يوم 16 يناير/كانون الثاني الماضي من أعلى جهة قضائية مختصة (المحكمة الإدارية العليا).

تنفيذ الاتفاقية بنقل السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية يُنهي سيطرة مصر المنفردة على المياه الإقليمية في الممر المائي لمضيق تيران، ويجعل هذه المياه أو جزءا كبيرا منها مياهاً دولية تسمح بالملاحة الحرة دون تدخل أي طرف


وتشير الدلائل إلى أن هذه السلطات ماضية في طريقها لتسليم الجزيرتين فعلا للسعودية، غير آبهة لا بأحكام القضاء التي قال عنها رئيس البرلمان علي عبد العال إنها والعدم سواء، ولا بالاحتجاجات الشعبية التي تمكنت الشرطة من مواجهتها بالعصا الغليظة.

من الواضح أن نظام المشير عبد الفتاح السيسي تعامل مع اتفاقية الجزيرتين بمنتهى الجدية منذ توقيعها في 8 أبريل/نيسان 2016، حيث كان من الواضح أيضا أنها جزء من صفقة صغيرة تتعلق بدعم السعودية لانقلاب 3 يوليو/تموز 2013 وسلطة السيسي المنبثقة عنه.

كما أنها جزء من صفقة كبيرة (صفقة القرن) التي ستتم بموجبها تغييرات جيوسياسية وديموغرافية في المنطقة، تستلزم تبادل أراض مصرية وإسرائيلية وربما أردنية وسعودية، لإقامة وطن بديل للفلسطينيين وتصفية قضيتهم.

وقد كشفت تسريبات صوتية لوزير الخارجية المصري سامح شكري مع إسحق مولخو محامي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو (11 فبراير/شباط الماضي)، أن شكري راجع مع المحامي الإسرائيلي نصوص الاتفاقية كلمة كلمة، مما يعني أن إسرائيل كانت طرفا غير مباشر في إبرامها.

وقد دفعت أن الاحتجاجاتُ التي شهدتها مصر ضد الاتفاقية -فيما عرف بيوم الأرض 15 أبريل/نيسان من العام الماضي- وما تلاها من صدور أحكام قضائية ضد الاتفاقية، الحكومةَ المصرية لتهدئة خطوات التنفيذ لامتصاص الغضب الشعبي، وابتزاز الحكومة السعودية وتحصيل المزيد من المساعدات عقب ظهور أزمات بين الجانبين في تلك الفترة.

ورغم ذلك؛ فإن هذا الأمر لم يؤثر في السياق العام ولا الإرادة الجادة للتنفيذ، نظرا لوجود طرف ثالث هو صاحب المصلحة الحقيقية في إتمام الصفقة، وهو إسرائيل التي ستتسلم فعليا المهام الأمنية في الجزيرتين باعتراف رئيس المجلس الأعلى للإعلام في مصر مكرم محمد أحمد (قناة صدى البلد 17 أكتوبر/تشرين الأول 2016)، والتي لن تتوقف فوائدها عند النواحي الأمنية بل ستتعداها للنواحي الاقتصادية.

علاقات سعودية إسرائيلية
تنفيذ الاتفاقية بنقل السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية يُنهي سيطرة مصر المنفردة على المياه الإقليمية في الممر المائي لمضيق تيران، ويجعل هذه المياه أو جزءا كبيرا منها مياهاً دولية تسمح بالملاحة الحرة دون تدخل أي طرف.

وحسب معلومات للمرشح الرئاسي ورئيس وزراء مصر الأسبق الفريق أحمد شفيق استقاها من دولة خليجية؛ فإن مياه المضيق سيتم توزيعها بمعدل كيلومترين لمصر ومثلهما للسعودية، على أن تبقى أربعة كيلومترات مياهاً دولية (تصريح لقناة دريم المصرية 14 يونيو/حزيران 2017).

وحسب شفيق أيضا؛ فإن الخوف هو من إقدام إسرائيل على شق قناة جديدة تربط ميناء أشدود بميناء إيلات، وتستطيع السفن التي تستخدم تلك القناة التحرك بحرية عبر هذه المياه الدولية، وهو ما يمثل خطرا بالغا على قناة السويس المصرية التي ستفقد جزءا كبيرا من عملائها وإيراداتها.

انتقال الجزيرتين إلى السيادة السعودية محملتين بالالتزامات الواردة في اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية يعني مباشرة أن السعودية ستحل طرفا ثالثا في هذه الاتفاقية، وهذا يعني عمليا وجود علاقات سعودية مع الجانب الإسرائيلي


انتقال الجزيرتين إلى السيادة السعودية محملتين بالالتزامات الواردة في اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية يعني مباشرة أن السعودية ستحل طرفا ثالثا في هذه الاتفاقية، وهذا يعني عمليا وجود علاقات سعودية مع الجانب الإسرائيلي. ورغم أن السلطات السعودية تنفي إمكانية حدوث ذلك حتى لا تصادم الرأي العام المحلي والعربي والإسلامي، فإن الواقع سيفرض هذه العلاقة.

بل إن تلك العلاقة لن تأتي فقط كأمر واقع وإنما برغبة من بعض الأطراف في المملكة، على رأسها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يتطلع لولاية العهد مباشرة في حياة والده، وهو مستعد لفعل الكثير مقابل ذلك. ومن الواضح أنه تلقى نصائح بأن الطريق إلى ذلك يمر عبر البوابة الإسرائيلية الأميركية، وستكون الجزيرتان هما الممر إلى تلك البوابة السحرية.

وقد نشرت صحيفة التايمز (السبت 17 يونيو/حزيران 2017) أن هناك خطوات لبدء إقامة علاقات سعودية إسرائيلية، يمكن أن تبدأ بخطوات صغيرة مثل السماح للشركات الإسرائيلية بالعمل في الخليج، والسماح لأكبر شركة طيران إسرائيلية (إلعال) بالتحليق فوق المجال الجوي السعودي.

وبحسب الصحيفة، فإنّ أيّ تقدم من هذا القبيل في العلاقات بين السعودية وإسرائيل من شأنه أن يعزّز التحالف بين اثنين من ألدّ أعداء إيران، وتغيير ديناميات الصراعات العديدة التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط.

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ وفداً سعودياً -برئاسة جنرال متقاعد- قام العام الماضي برحلة إلى إسرائيل، مختتمة بأنّ "السعودية قد تكون مستعدة لفتح مكتب اتصال غير رسمي لتنسيق مصالحها مع إسرائيل، إلا أنّ الاعتراف الدبلوماسي يبدو أنّ دونه سنوات عديدة".

إضافة إلى هذا التغير السياسي المتوقع؛ فإن السعودية نجحت في تعزيز علاقاتها مع مصر بعد أن اعتراها بعض التوتر، وأصبحت مصر شريكا أساسيا للمملكة الآن في تحالفاتها ومعاركها الإقليمية وكان أحدثها حصار قطر.

كما ستستفيد السعودية من الرضا الإسرائيلي الأميركي في مواجهتها الممتدة مع إيران، وفي مواجهتها الممتدة أيضا للتنظيمات الإسلامية -سواء المسلحة أو المعتدلة- بما يعزز في النهاية مكانتها الإقليمية.

وبالتأكيد فإن تسليم الجزر إلى السعودية هو انتصار للأمير محمد بن سلمان سيساعده في تحقيق طموحاته السياسية، خاصة بعد تعثر حملته في اليمن (عاصفة الحزم). وبتطوير العلاقات -ولو بصورة غير مباشرة أو تدريجية- مع إسرائيل عبر ورقة الجزيرتين؛ فإن الطريق سيصبح أكثر تمهيدا أمام الأمير في مسعاه نحو ولاية العهد.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن الرياض ستضع الجزيرتين ضمن خططها البديلة لمواجهة تراجع عائدات النفط، حيث يمكن تحويلهما إلى مناطق سياحية جذابة، كما أن هناك احتمالات وجود نفط وغاز فيهما، ناهيك عن إمكانية تأجير الجزيرتين إما لأغراض تجارية ولوجستية أو حتى لأغراض عسكرية.

كما أن تنفيذ جسر الملك سلمان مرورا بالجزيرتين سيغير سياسة المنطقة واقتصادها وجغرافيتها، وسيمنح السعودية فوائد تتعلق بتيسير حركة التجارة والسياحة والتنقل مع مصر، ويربطها بالشمال الأفريقي بريا مرورا بمصر.

وفي إطار مساعي تل أبيب لفتح علاقات تدريجيا مع السعودية؛ فقد اقترح وزير النقل الإسرائيلي إسرائيل كاتس -قبل شهرين- على رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، إنشاءَ شبكة لربط السكك الحديدية الإسرائيلية بالسكك الحديدية الأردنية والسعودية، موضحا أن الإدارة الأميركية تدعم هذا الاقتراح.

المصدر : الجزيرة

التعليقات