نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

بين عهديْ مرسي والسيسي
توظيف الأزمة أم علاجها؟ 

المنيا محافظة مصرية شمالية أكثر منها جنوبية، فهي تبعد عن البحر المتوسط من شمالها حوالي 400 كم، في حين تبعد عن حدود السودان من جنوبها حوالي 900 كم.

وقد اشتهرت هذه المحافظة -التي كانت عاصمة لمصر في بعض مراحل تاريخها القديم ويلقبها المصريون بعروس الصعيد- بالتعايش التاريخي بين مسلميها ومسيحييها، وبها قرى مسيحية بكاملها مثل الجرنوس والخواجة، إلى جانب مئات القرى الأخرى التي يغلب عليها المسيحيون أو المسلمون، ومع ذلك لا تزيد نسبة الخلافات بين أبناء الطائفتين فيها على نسبة الخلاف بين المسلمين وبعضهم البعض بأي حال.

وقد حكت هذه المحافظة أواخر مايو/أيار الماضي حلقة من حلقات الأزمة الأمنية المعقدة التي تعيشها مصر منذ سنوات، حين قتل مسلحون مجهولون حوالي ثلاثين مسيحيا بالاعتداء على حافلة تقلهم، وأصيب عشرات آخرون.

الحوادث الأمنية الخطيرة التي ضربت مصر منذ منتصف عام 2012 إلى منتصف العام التالي لم تكن كثيرة العدد رغم خطورة بعضها، إلا أنها جاءت مصحوبة بدعاية ضخمة وهجوم كاسح على الرئيس المصري المنتخب حينئذ محمد مرسي، واتهام صريح له بالفشل الأمني


ويأتي هذا الحادث ضمن سلسلة حوادث تؤكد أنه بعد أن كانت المشكلة الطائفية في مصر عبارة عن فورات مؤقتة تشتعل ثم تخمد، أصبحت موجات متتالية من العنف المدبَّر باحتراف.

وإن كانت الآراء متفقة على إدانة مثل هذه الأعمال الوحشية وفاعليها مهما كانوا، فلا ينبغي أن ننسى أن تحليل موقف القيادة السياسية في مصر من أعمال العنف التي تشهدها، هو معيار مهم لفهم اتجاه الأحداث.

وقد وُجِّه إلى الشيخ محمد عبده في عام 1884 سؤال من أحد الصحفيين الإنجليز -عقب بعض الخلافات الطائفية في مصر- يقول: "ماذا سيكون مصير المسيحيين في مصر إذا تحقق جلاء جيوشنا عنها؛ هل ستحدث فيها مذابح جديدة؟"، فأجاب الشيخ بفطنة: "لم يحدث في مصر مذابح، اللهم إلا المذابح التي سببها الإنجليز أنفسهم...، لم يقتل من المسيحيين أحد قبل حضوركم إلى مصر، ولن يحدث من ذلك شيء بعد جلائكم"!

إشارة من الشيخ رحمه الله إلى أن عبث الأيادي الغريبة وذات الأغراض السيئة هو الذي يؤدي إلى الصدامات الطائفية في مصر وغيرها، وأما حين تترك الأمور لطبيعتها، فإن الناس قد ألفوا التعايش معا منذ أزمنة طويلة؛ يتفقون ويختلفون كشأن أي مجتمع بشري أحادي أو متنوع.

وهذا العبث الاستعماري بالعلاقات بين الأعراق والأديان والمذاهب المختلفة هو من الدروس الخطيرة التي اقتبستها الحكومات الاستبدادية وأذنابها عن الاستعمار للأسف، ووظفتها في صالحها بصورة واسعة.

بين عهديْ مرسي والسيسي
وقد بدا لي أن المقارنة بين "مصر محمد مرسي" و"مصر عبد الفتاح السيسي" في هذا الجانب تزيد كشف جوانب موضوع الأمن في مصر الآن؛ أولا لأن الأول عمل في ظروف تخلت عنه فيها أجهزة الدولة، عكس الثاني؛ وثانيا لأن الجهات التي تحاول توظيف أحداث العنف لصالحها حاضرة في كل حين، وحينها سنعرف: هل المشكلة هي تربص خصوم أم خطايا سياسية؟

الحوادث الأمنية الخطيرة التي ضربت مصر منذ منتصف عام 2012 إلى منتصف العام التالي لم تكن كثيرة العدد رغم خطورة بعضها، إلا أنها جاءت مصحوبة بدعاية ضخمة وهجوم كاسح على الرئيس المصري المنتخب حينئذ محمد مرسي، واتهام صريح له بالفشل الأمني.

تنوعت هذه الحوادث في عهد مرسي بين هجمات في سيناء واستهداف للمسيحيين، وكلا الأمرين فيه من الحساسية بالنسبة لأمن مصر الكثير والكثير.

ففي أبريل/نيسان 2013 وقع هجوم شرس على الكاتدرائية المرقسية (مقر البابا) في منطقة العباسية بالقاهرة، حيث أُمطرت بالرصاص والحجارة، وهوجم الأفراد بالأسلحة البيضاء أثناء تشييع جثامين بعض الضحايا الذين سقطوا في صدام طائفي سابق بالقليوبية.

وظهر في هذا الحادث أن أطرافا تصنع العنف وتسعى إلى إثبات فشل الرئيس والحكومة، وإثارة الفتنة الطائفية، وبدت على الحدث نفس البصمة التي ظهرت في أحداث أخرى شهيرة خلال سنوات الثورة المصرية؛ إذ تلتقي قوات من الداخلية مع البلطجية في إنتاجه وإخراجه.

ومع هذا، كان رد فعل الكنيسة الأرثوذكسية حينها بالغ الغضب ومتجاوزا للخطوط الحمر، فقد اتهم البابا تواضروسالرئيس بالإهمال، وأنه أعطى أقوالا ولم يقدم لحماية المسيحيين أفعالا!!

استغل مرسي حوادث سيناء بصورة أقلقت إسرائيل والمناوئين له في الداخل على السواء؛ إذ أعلن أنه لن يترك وسيلة لحماية سيناء ومصر كلها إلا وظفها، فزاد عدد القوات وتسليحها في شبه الجزيرة، والأهم من ذلك هو أنه أعلن خطة تنمية عاجلة وحقيقية لسيناء تكسر جماح العنف فيها، وترسخ انتماءها إلى تراب الوطن


وأصدر المجلس الملي للكنيسة الأرثوذكسية بيانًا عبر فيه عن "قلقه الشديد من استمرار الشحن الطائفي الممنهج ضد مسيحيي مصر...؛ بسبب تراخي الدولة وكل مؤسساتها عن القيام بدورهم تجاه تطبيق القانون على الجميع بدون تفرقة...، أو اتخاذ أي موقف حاسم حقيقي نحو إنهاء الشحن والعنف الطائفي الآخذ في التصاعد بدون رادع".

وأما سيناء، فمن أخطر الأحداث الأمنية التي شهدتها بعد انتخاب مرسي: حادث مقتل 16 جنديا مصريا برفح في أغسطس/آب 2012، وقد ووجه الرئيس حينها بعاصفة من الهجوم، واتُّهم بالتقصير في حماية سيناء، وأن من عجز عن حماية سيناء فهو عاجز عن حماية مصر، وعليه أن يتنحى ويفسح المجال لغيره!

وقد استغل مرسي حوادث سيناء بصورة أقلقت إسرائيل والمناوئين له في الداخل على السواء؛ إذ أعلن أنه لن يترك وسيلة لحماية سيناء ومصر كلها إلا وظفها، فزاد عدد القوات وتسليحها في شبه الجزيرة، والأهم من ذلك هو أنه أعلن خطة تنمية عاجلة وحقيقية لسيناء تكسر جماح العنف فيها، وترسخ انتماءها إلى تراب الوطن، وتعطي أهلها حقوقا قانونية حُرِموا منها طويلا.

وبهذا سكنت الوساوس الأمنية في سيناء كثيرا، إلا أن ورقة الفتنة الطائفية بقيت مشتعلة في وجه مرسي؛ ولعل السبب الأول في هذا هو تآمر الأجهزة الأمنية وتخليها عن واجبها المهني والوطني، وهو الأمر الذي لم يعد يشك فيه أحد، ثم سلبية مواقف الكنيسة.

فبدلا من أن تكون هذه الكنيسة عامل تهدئة في الأحداث الطائفية، وبدلا من أن تتعاون مع القيادة السياسية في وأد الفتنة -كما تفعل اليوم- اتخذت مواقف النقد الشديد للرئيس والحكومة، بما أشعر المسيحيين "رعايا الكنيسة" بأن نظام مرسي يمثل خطرا على وجودهم ومصالحهم في وطنهم.

أي دراسة يمكن أن تقارن بين الحالة الأمنية في مصر لعهد مرسي والحالة الأمنية لعهد السيسي لا يمكنها أن تتجاوز الحقائق التي تنطق بها الأرقام، وتفيد بأن الحوادث الأمنية الخطيرة قد زادت في السنوات الأخيرة وتنوعت أكثر.

ومع ما تشهده سيناء من حرب عصابات واعتداءات ثأرية ضد الجيش، وعدوان هذا الأخير على الأهالي بدون تمييز بين مجرم وبريء، وما يجري من اعتداءات إرهابية مكرّرة على المسيحيين في أنحاء مختلفة من مصر، فقد شهدت مصر في العهد الأخير استهدافا للشخصيات العامة كما حدث في اغتيال النائب العام السابق.

والحقيقة أن هذا لا يقطع بتدهور نوعي في الحالة الأمنية من عهد إلى آخر، أو الحكم على النظام بأنه فاشل أمنيا، إلا بالنظر إلى السياسات التي تختارها الزعامة السياسية في مواجهة الأزمة، وهل هي التي تؤدي إلى استمرار التدهور، أو على الأقل لا تحول دونه، أم أن هناك عوامل خارجية وداخلية تحتاج إلى فسحة زمنية للتغلب عليها؟

وبعيدا عن التجريد، سنورد تصريحات القيادة السياسية المصرية عقب بعض الأحداث الأمنية الخطيرة التي وقعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة؛ إذ كانت هذه التصريحات هي المعبر الأكبر عن هذه السياسات بما قد يحمله هذا من اندفاع وتسرع.

توظيف الأزمة أم علاجها؟
عقب اغتيال هشام بركات النائب العام المصري السابق في يونيو/حزيران 2015، خرج السيسي على الإعلام بتصريحات -وحوله أفراد من أسرة بركات- أعلن فيها أن "يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين، ولكننا سنعدل القوانين لنحقق العدالة بأسرع وقت".

فُهِم هذا في حينه على أنه إشارة إلى تطبيق أحكام الإعدام التي يصدرها القضاء بحق زعامات الإخوان المسلمين بما فيهم الرئيس محمد مرسي، وأكد ذلك الخطابُ الإعلامي الموالي للنظام، كما اتخذت أجهزة الأمن من اغتيال بركات مناسبة للتنكيل بخصوم النظام من وقت إلى آخر، حيث أعلنت أكثر من مرة القبض على -وحتى قتل- أفراد "الخلية" التي قامت باغتياله، وهو ما كان مثار دهشة لا تنتهي!

وضح في حوادث مصر الأمنية الأخيرة أن النظام بقيادة السيسي اختار في التعامل مع الأزمة -في كل مرة- سياسة توظيفها في صالحه لا علاجها، والدفاع عن مواقفه لا الاعتراف بالتقصير، ليُشعر المواطن بقوة أنه مهدد، وأن الدولة تفعل المستحيل لحمايته، وأن الشر الذي يمثله الإرهاب يريد أن ينال منا، ونحن لا ينبغي أن نعطيه الفرصة ليفعل ذلك


وأما رد فعل السيسي على مقتل 46 شخصا في تفجيريْ كنيستيْ الإسكندرية وطنطا في أبريل/نيسان الماضي، فقد كان إعلانه تطبيق حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وتشكيل ما أسماه "المجلس القومي لمكافحة الإرهاب في مصر". واعتبر أن الخطاب الديني هو السبب في صناعة الإرهاب، وأنه يجب تغييره وتجديده، وأطلق يد الإعلام والأمن نحو مزيد من تشويه الحقائق والقتل والاعتقال في صفوف الشباب المعارض للنظام.

وفي الحادث الأخير الذي شهدته محافظة المنيا، اتهم السيسي "تنظيم الدولة الإسلامية" صراحة بالضلوع في الحادث، وقال إن مصر لن تتردد في توجيه ضربات عسكرية إلى معسكرات الإرهاب حيث كانت، وإن الدولة تبذل كل جهدها لحماية المصريين، لكن فلول الإرهاب التي خربت سوريا قد اتجهت بجهودها إلى مصر للنيل من وحدة شعبها.

كان واضحا من هذه التصريحات أن السيسي يخشى من اتهامه بالتقصير في حماية المصريين؛ لذا كان لا بد من القيام بعمل ضخم يصرف الناس عن التفكير في الحدث نفسه إلى التفكير في "الأعمال البطولية" للنظام، الذي "عمل المستحيل" فاتجه إلى ضرب مناطق بليبيا ليس لتنظيم الدولة حضور فيها!

ومهما يكن من تفاصيل صحبت كل واحد من هذه الأحداث وأمثالها، فقد وضح أن النظام اختار في التعامل مع الأزمة -في كل مرة- سياسة توظيفها في صالحه لا علاجها، والدفاع عن مواقفه لا الاعتراف بالتقصير، ليُشعر المواطن بقوة أنه مهدد، وأن الدولة تفعل المستحيل لحمايته، وأن الشر الذي يمثله الإرهاب يريد أن ينال منا، ونحن لا ينبغي أن نعطيه الفرصة ليفعل ذلك.

وبالطبع كان لموقف الكنيسة والإعلام الموالي دوره في إقناع المسيحيين -فضلا عن غيرهم- بوجهة نظر النظام، وأننا جميعا نواجه إرهابا ممنهجا، ويجب أن يلتف الشعب حول قيادته السياسية حتى نتغلب على هذا الشر.

وقد أصدرت أحزاب ومنظمات أهلية وشخصيات عامة في مصر بيانا عقب الحادث تضمن بعض المغالطات بشأن الخطاب الديني وأنه المسؤول عن العنف، إلا أنه وضع يده في الوقت نفسه على نقاط مهمة يهملها النظام كلما وقعت أحداث إرهابية.

وهذه النقاط هي: عدم محاسبة وزير الداخلية على القصور في أدائه الأمني، وأن "ترسانة القوانين التي وضعت بحجة مكافحة الإرهاب -وآخرها حالة الطوارئ وقانون الإرهاب- لم تمكّن الدولة المصرية من التصدي بفاعلية لوقف نزيف الدماء"، وأنه "على الدولة أن تعي أنه لا توجد فرصة حقيقية لإنجاح أي جهود لمواجهة الاٍرهاب ما لم يكن الشعب بكل فئاته شريكا أصيلا في مواجهته، وأن الطريق لهذا هو الحرية".

إن النظام الحاكم في مصر -بعد أن انقلب على تجربة مصر الديمقراطية اليتيمة قبل أربع سنوات- يكمل وظيفته في إضعاف الدولة المصرية، وتشتيت قواها وزرع عوامل الشقاق الاجتماعي في صفوفها، ومحو دورها الثقافي والتعليمي والسياسي في محيطها العربي والإسلامي والأفريقي، ويستغل في سبيل ذلك كل حادث استثنائي يقع في أرض الكنانة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات