توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

الحملة الدولية لمكافحة "الإرهاب" انخرطت فيها دول ومرجعيات كانت داعمة له، إذ اضطر الجميع لتعديل خطابهم إن لم يكن الانقلاب عليه. والأهم اضطرار دول الغرب المستهدفة بالإرهاب للبحث في أسبابه، التي لُخصت لحينه في تعرض الشباب للتهميش وضياع الهوية، والظلم الذي جرى نبش تاريخه وصولا للحقبة الكولونيالية حين كان ذلك الغرب يحتل أوطان هؤلاء.

وهذا صحيح إلى حد بعيد؛ وهو ظلم تكرر حديثا بصورة أبشع في الحصار الدولي للعراق ثم الاحتلال الأميركي/البريطاني له، والذي مورست فيه جرائم أدت لإزهاق أكثر من مليون روح عراقية، وإعاقة عدد مقارب جسديا.

والأخطر الإعاقة النفسية التي خلفها التعذيب والتهميش والإهانة الوطنية أو الإنسانية، مما حوّل علمانيين وقوميين -كانوا في مواجهة سياسية وأمنية (وأحيانا عسكرية) مع تيارات وقوى الإسلام السياسي- إلى إسلاميين متطرفين في تنظيم كـ"داعش"، أو هم قبلوا أن يقدموا أنفسهم هكذا لما تتيحه "داعش" من رد "مماثل" على جرائم الحصار والاحتلال. وهذا مما يعترف به الغرب الآن على لسان نخبه.

اضطرت دول الغرب المستهدفة بالإرهاب للبحث في أسبابه، التي لُخصت لحينه في تعرض الشباب للتهميش وضياع الهوية، والظلم الذي جرى نبش تاريخه وصولا للحقبة الكولونيالية حين كان ذلك الغرب يحتل أوطان هؤلاء


ولكن هذا وحده لا يفسر ما فعله عرب مغاربة أو مسلمون آسيويون مولودون في أوروبا، لم يعانوا من ممارسات الاحتلال لبلادهم. وسماعهم عنها من آبائهم لن يشكل دافعا ثوريا متأخرا لضرب ذلك المستعمر الذي لم يرحل فقط، بل وأعطى أولئك الشباب جنسيته وحقوق المواطنة المتقدمة فيه. بل يلزم حتما وجود دافع آخر باقٍ أو متجدد.

ولكن لا إجراءات "عملية" ضد ما يحدث للشباب العربي والمسلم الآن في الأنظمة البديلة التي أورثت حكم تلك المستعمرات، مما يقود لنبش الشعوب ليس فقط للماضي الاستعماري، بل لبدائله المستجدة (أميركا تحديدا).

والأعجب أن يتجاوز الأمر غض الطرف الغربي عن ممارسات تلك الأنظمة للتعويل عليها في مكافحة الإرهاب بذات وسائل القمع والفساد التي أنتجته ابتداء، باعتراف الغرب ذاته في الدراسات التي يجريها عن منابع الإرهاب وروافده.

وهذا التعويل وصل حد استئجار سجون خاصة في دول عربية ليجري فيها تعذيب معتقلين "إرهابيين"، يرحّلون من دول غربية (أميركا خاصة) كي لا يدخل التعذيب في سجلات تلك الدول، فتُسقط شعوبُها حكامَها ديمقراطيا.

وإذا كان أمكن إسقاط الأهلية السياسية لبعض هؤلاء بإثارة علاقتهم بتلك الأنظمة، كما جرى لنيكولا ساركوزي وتوني بلير، فإنه لم تتم بعدُ محاكمة أحد لإجازة القتل والتعذيب. أي أن الغرب -الذي يمارس حكامه وحكوماته دور الشرطي الجيد- ما زال يوظف الشرطي السيئ في رهان على ألا يتكشف أمر التنسيق بينهما.

أو إلى حين أن تصبح كلفة الشرطي السيئ أكثر مما تحتمله أوروبا وأميركا، خاصة لكون النوايا الغربية الحسنة للتكفير عن عهود الاستعمار، منشؤها الشعوب الغربية وتغذيتها المتصاعدة شعبية بامتياز.

والأهم أن الشعوب الأوروبية خاصة بدأت تشكل أحزابا جديدة، تزيح الأحزاب الحاكمة تاريخيا إلى زاوية ضيقة تنتج مراجعة أخرى جذرية خاصة بهؤلاء، جلّها سينتهي بتحوّل انسلاخي (ميتامورفوسيس) إلى كائن آخر مختلف لحد بعيد عن الأصل.

والصحوة الأوروبية لم تتأتَّ من الجرائم التي ارتكبها الإرهابيون بحق شعوبهم، بل أتت لكون "الذئاب المنفردة" باتت تظهر في أوروبا وأميركا الشمالية فجأة، وتقضي على العشرات أو المئات في لحظة.

صحيح أن "الإرهاب الديني المتطرف" نشأ في منطقتنا، ولكن جرت تنميته وتوظيفه في حاضنة أميركية بأفغانستان. وانتشر إلى أفريقيا بداية ما أدى لاعتباره "وباء عالمثالثياً" لا يعني الغرب الذي يستعمل أناس ذلك العالم (خاصة في أفريقيا) فئران تجارب لأدويته، بل ولفيروساته لضمان مرض العينة قبل إعطائها الدواء التجريبي.

ولكن حين انتقل فيروس الإرهاب إلى كبريات مدن أميركا وأوروبا، اعتُبر وباءً عالميا، وحُشدت له دراسات وتشكلت حوله مواقف شعبية ورسمية.

ولو تم تصوير خريطة انتشار هذا الإرهاب -الممتد من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا وأميركا- ملونةً بلون واحد للساحة التي نشط فيها، لوجدنا من بين البقع القليلة التي لم تلون بهذا اللون بقعة في الوسط تسمى إسرائيل، رغم أن كامل جوار إسرائيل هذه تلون بلونه منذ سنوات.

لو تم تصوير خريطة انتشار الإرهاب -الممتد من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا وأميركا- ملونةً بلون واحد للساحة التي نشط فيها، لوجدنا من بين البقع القليلة التي لم تلون بهذا اللون بقعة في الوسط تسمى إسرائيل، رغم أن كامل جوار إسرائيل هذه تلون بلونه منذ سنوات


لا بل إن إعادة توطن الوباء -الذي كان انحسر لحد بعيد حتى في حاضنته الأفغانية- ونموه السرطاني، جاء في الجوار السوري لإسرائيل تحت مسمى "دولة" داعش لا أقل. والعجيب أنه لحظة مس عنف هذه الدولة الأرض السورية التي تحتلها إسرائيل ولم يقتل أحدا، تلقت إسرائيل باعترافها اعتذارا عن هذا ووعدا بعدم تكراره.

أي أن "الدولة الإسلامية" المشكَّلة من قاطعي رؤوس المسلمين والمسيحيين وحارقيهم أحياء، ومستعبدي ومغتصبي نسائهم وذابحي أطفالهم، و"محارقهم" وجرائمهم موثقة بأفلام صوروها هم؛ اعتذروا عن سقوط قذائف "خطأً" في أرض تحتلها إسرائيل!

وإسرائيل تبتز العالم بزعم قيام "محارق" لليهود لا يتوافر لها توثيق مماثل، وتزعم أن العالم لم يفعل شيئا لوقفها مع أنه خاض حربين عالميتين كانتا من هندسة الصهيونية العالمية (كما بينتُ في مقالة سابقة نُشرت على موقع الجزيرة نت هذا موثقة بشهادة يهودي تراجع عن صهيونيته ويهوديته).

وإسرائيل فرضت قوانين أوروبية تمنع البحث العلمي في شأن "المحرقة"، ولهذا سُجن مؤرخون وعلماء أوروبيون في القرن العشرين، وليس في القرون الوسطى.   

وليس هذا فحسب؛ بل إنه بعد إجماع العالم على حتمية محاربة هذا الإرهاب، نجد إسرائيل وحدها من ينصح الرئيس الأميركي (لكونه بدا الأسهل انقيادا لها) بعدم محاربته، مع أنه لا يقتل العرب والمسلمين فقط، بل والأوروبيين والأميركان في محارق تنقل إلى قلب مدنهم.

وفي الوقت نفسه إسرائيل تريد جرّ الغرب لمحاربة إرهاب آخر غير موجود تسميه "الإرهاب الفلسطيني". فلا توجد الآن مقاومة تحمل السلاح في وجه إسرائيل، مع أن مقاومة المحتل بالسلاح وبكل الوسائل الأخرى حق تضمنه القوانين الدولية للمحتلة أرضهم.

والصفة الغربية -على الأقل- أرض محتلة حسب قرارات مجلس الأمن. وحماس هي الوحيدة التي بقيت تقاوم ببساطة لأنها تُقصف وتحاصر، وتمنع عنها ضرورات الحياة وصولا للماء والكهرباء. ولولا إغاثات قطر لتفجر الوضع في غزةبما يصعب تصوره.

ورغم هذا الوضع المأساوي لغزة والذي يؤسس لعداء جديد لو لم يوجد العداء التاريخي؛ فإن حماس خطت خطوة تنازلية بإصدارها وثيقة تقبل فيها بقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وهو مطلب دولي مدعّم بقرارات مجلس الأمن الداعية إلى الانسحاب من الضفة المحتلة. وهذا ما أثار جنون إسرائيل فقام بنيامين نتنياهوبتمزيق الوثيقة أمام الصحافة.

الإنسان الفلسطيني يُؤْثِرُ الموت بكرامة في مواجهة الجندي المحتل بأي سلاح متاح، بدءا من الحجر وسكين المطبخ. ولا يعني هؤلاء قبول الغرب بتصنيفهم الإسرائيلي إرهابيين بدل اعتبارهم أبطال تحرير، كالأوروبيين الذين تصدوا للاحتلال النازي، أو الأميركيين الذين قضوا في حرب التحرر من أبناء جلدتهم الإنجليز


والسبب الأهم لغضبه هو تمسّك حماس بحق العودة الذي هو تمسكٌ بالشرعية الدولية، ورفضها تقديم الاعتراف بدولة لإسرائيل ضمن حدود الـ48 التي لم تعترف بها إسرائيل ذاتها، لأن مخططاتها تتجاوز تلك الحدود. وأول التجاوز تم على الضفة المحتلة التي تستوطن فيها إسرائيل لتبقى. وهو ما يرسل رسالة للشعب الفلسطيني عن مجانية كل التنازلات التي تقدمها سلطة محمود عباس المنتهية الولاية!

القيادات الفلسطينية المؤهلة كبدائل لسلطة عباس -ويتقدمهم قادة من غير حماس التي استخلصت إسرائيل من الغرب تصنيفها هي و"الجهاد الإسلامي" منظمتين إرهابيتين، في تمهيد لمحاربة الغرب لها بدل محاربة داعش والقاعدة- معتقلة في سجون الاحتلال بتواطؤ من سلطة عباس ذاتها.

وذلك كما جرى عند اعتقال السلطة أحمد سعدات في سجن أريحا لتتسلمه إسرائيل من هناك، دون أن تغفل إذلال حراسات ذلك السجن بصورة غير مسبوقة! ومع هؤلاء معتقلون بتُهَم مقاومة جيش الاحتلال بحجر أو أقصاه بسكين، من بينهم نساء وأطفال كثر. هؤلاء لا يَرِدُ إطلاق سراحهم في تفاوض السلطة مع إسرائيل!

والآن برز للواجهة إضراب المعتقلين عن الطعام، ليس لطلب حريتهم، بل لطلب الحد الأدنى من حقوق السجناء! والمضربون الآن بين فكيْ كماشة التعذيب بالتغذية القسرية أو الموت. ومثلهم المواطن المسالم العائد إلى بيته، كما فعل الشاب محمد أبو خضير الذي اختطِف وقُتل بتعذيب وحرق يبز ما تفعله "داعش".

كل هذه التجارب تجعل الإنسان الفلسطيني يُؤْثِرُ الموت بكرامة في مواجهة الجندي المحتل بأي سلاح متاح، بدءا من الحجر وسكين المطبخ. ولا يعني هؤلاء قبول الغرب بتصنيفهم الإسرائيلي إرهابيين بدل اعتبارهم أبطال تحرير، كالأوروبيين الذين تصدوا للاحتلال النازي، أو الأميركيين الذين قضوا في حرب التحرر من أبناء جلدتهم الإنجليز!

ولكنه في النهاية سيعني العالم الغربي الذي يقر الآن بآثار استعماره للعالم العربي الإسلامي دون آثار "إسرائيل"، وريثة ذلك الاستعمار بالأصالة، والتي أقيمت على أرض شعب بات كله بلا وطن، وآثار ورثته بالوكالة في أنظمة تمارس سياسات شبيهة، ويغض الطرف عنها خدمة لذات الأهداف الكولونيالية.

المصدر : الجزيرة