يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

مطالب حقوقية واجتماعية
مظلومية الوعود المخْلفة
خيارات تسوية الأزمة 

في 28 أكتوبر/تشرين أول 2016، تعرض الشاب محسن فكري لعملية "طحن" حقيقية بشاحنة لجمع النفايات بميناء الحسيمة (أقصى شمال المغرب)، بعدما صادرت سلطات الميناء صناديق سمكه ورمت بها في ذات الشاحنة، بدعوى أنها محملة بأسماك ممنوع اصطيادها ومن ثم تسويقها واستهلاكها، أو هكذا قيل وراج في حينه.

مباشرة بعد ذلك، خرج الآلاف من شباب المدينة احتجاجا على "طحن" ابن بلدتهم، لكن غضبهم سرعان ما تراجع وفتر، بعدما زار وزير الداخلية شخصيا المنطقة لتقديم واجب العزاء لذوي الراحل، وشدد على التزام الحكومة بمباشرة تحقيق قضائي دقيق، لتحديد ظروف وملابسات الحادث وتقديم الجناة للعدالة.

بعد ستة أشهر من التحقيقات، أصدرت الغرفة الجنائية في محكمة الاستئناف بالحسيمة أحكاما برأت بعض المتهمين وأدانت آخرين، حكمت عليهم بعقوبات سجن تتراوح بين خمسة وثمانية أشهر وغرامات مالية بسيطة للغاية. وبالتالي، فبقدر صدمة مقتل بائع السمك، كانت صدمة الأحكام المخففة التي صدرت وكانت أقل بكثير من سقف ما كان منتظرا أو مطلوبا، أو مراهنا عليه لتخفيف الصدمة عن نفوس سكان المنطقة.

كان صدور منطوق هذه الأحكام "المتواضعة" هو النقطةَ التي أفاضت كأس الاحتقان، وحولته من احتقان مبطّن إلى احتجاجات واسعة بدأت عفوية في شوارع المدينة الكبرى وبعض القرى المجاورة، ثم أخذت لنفسها بالتدريج إطارا تنظيميا مهيكلا، ينطق باسمها ويتصدر صفوفها الأمامية ويعبر عن مطالبها.

مطالب حقوقية واجتماعية
رغم أن هوية المنطقة ذات طبيعة عرقية مميزة لغة وثقافة وتقاليد، شأنها في ذلك شأن أعراق أخرى بوسط البلاد وجنوبه، ولربما على طول الوطن العربي برمته؛ فإن "الحركة" الاحتجاجية لم تمتط كثيرا ناصية هذه الجزئية، ولم تدفع كثيرا بهذه الورقة مخافة إلصاق "تهمة الانفصال" بها، أو خشية تقويض منسوب التعاطف الذي عبر لها عنه العديد من القوى السياسية والثقافية والمدنية.

رغم أن هوية المنطقة ذات طبيعة عرقية مميزة لغة وثقافة وتقاليد، شأنها في ذلك شأن أعراق أخرى بوسط البلاد وجنوبه، ولربما على طول الوطن العربي برمته؛ فإن "الحركة" الاحتجاجية لم تمتط كثيرا ناصية هذه الجزئية، ولم تدفع كثيرا بهذه الورقة مخافة إلصاق "تهمة الانفصال" بها


ولذلك، كانت مطالب ما بات يسمى حراك الريف، مطالب حقوقية واقتصادية واجتماعية خالصة، راهن عليها ولا يزال للخروج من حالة الخصاص التي يعيشها أهالي المنطقة:

- فالمنطقة تعرف نسب بطالة مرتفعة، جل من يعانيها من الشباب الذين لا تتعدى أعمارهم أربعين سنة، انقطعوا عن الدراسة بسبب التسرب المدرسي، أو تعلموا لكن لم تسعفهم الظروف في الحصول على شغل ثابت.

- والمنطقة لا تعرف رواجا اقتصاديا تعززه مشاريع تنموية منتجة للثروة ومفرزة لفرص الشغل ومدرة للدخل. صحيح أن بعض مظاهر تهريب السلع رائجة بين مدن الريف الكبرى القريبة نسبيا من مليلية المحتلة والمزدهرة، لكنها تؤشر على واقع هشاشة البنية الاقتصادية أكثر ما تدل على وجود حركية تجارية يُعتد بها.

- والمنطقة تفتقر إلى مقومات الخدمات الاجتماعية الأساسية، إذ لا يوجد بها مدار حضري نشيط، ولا مؤسسات للتعليم العالي معتبرة، ولا مستشفيات بالمواصفات اللازمة، ولا مرافق للصناعة التقليدية، ناهيك عن انعدام مرافق الشباب والترفيه ودور رعاية الفئات الهشة وما سوى ذلك.

ومع أن المنطقة سياحية بامتياز، فإن تموقعها الجغرافي وطبيعتها الجبلية الوعرة تحولان نسبيا دون انسيابية التنقل فيها، ومن ثمة دون خلق صناعة سياحية من شأنها خلق بنى تحتية مناسبة وفرص شغل ثابتة ومنتظمة.

من الثابت أن المنطقة عاشت تاريخيا حصارا غير مسبوق لأكثر من أربعة عقود. ومن الثابت أيضا أنه لولا الهجرة إلى أوروبا وأنشطة التهريب لعاش أهل الريف سنوات سوداً، لا بل ولأفرِغت المنطقة من أهلها جملة وتفصيلا.

كما أنه من الثابت أن الملك محمد السادس قد دشّن في المنطقة "مشاريع مهيكلة" بمليارات الدراهم، في البنى التحتية والمدارس وقطاع الخدمات وغيرها. لكن المؤكد أيضا أن كل ذلك لم يحل دون تواصل الخصاص الرهيب الذي تعرفه المنطقة، ولا يبدو لأهلها أن ثمة أفقا قريبا لتضييق سعته أو التخفيف من وطأته.

مظلومية الوعود المخْلفة
ولهذا السبب فإن أهل الريف عندما يشكون من المظلومية، فلأنهم يعتبرون أن الدولة لم تعرهم يوما اهتماما، ولا توافرت لديها النية لأخذ مطالبهم بالجدية اللازمة.

وحجتهم في ذلك أن الدولة قدمت لهم في الماضي وعودا تلو الوعود، لكنها لم تف بها بالمرة أو أوفت بالنزر منها. ومن حججهم أن ما يصل المنطقة من مشاريع لا يعدو أن يكون ما فضل من فُتات الميزانيات المرصودة لباقي جهات المملكة. إنهم يعتبرون منطقتهم ضمن ما كان يسمى زمن الحماية الفرنسية "المغرب غير النافع".

الشعارات التي رفعها حراك الريف لا تنهل من واقع "المظلومية" للخلوص إلى محاكمة لسياسات عمومية، تبدو لزعماء الحراك ظالمة وغير عادلة، بل إنهم يبنون على أساس هذا الواقع لتعزيز الادعاء بأن ذات السياسات ثابتة في كل البرامج الحكومية


إن الشعارات التي رفعها حراك الريف لا تنهل من واقع "المظلومية" للخلوص إلى محاكمة لسياسات عمومية، تبدو لزعماء الحراك ظالمة وغير عادلة، بل إنهم يبنون على أساس هذا الواقع لتعزيز الادعاء بأن ذات السياسات ثابتة في كل البرامج الحكومية، إذا لم يكن في عهد الملك محمد السادس فعلى الأقل طيلة العقود الأربعة، التي عاشت المنطقة خلالها في ظل حصار كاد يأتي على الأخضر واليابس.

ولذلك فقد ذهب الأمر ببعض رافعي الشعارات إلى حد الكفر بالدولة، وكيْل الاتهامات العنيفة والمباشرة للأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية، ناهيك عن ممثلي الدولة المحليين والجهويين. إذ كلهم في نظرها "متواطئون" أو "صامتون" أو "لا يملكون الشجاعة للاعتراف بمشاكل المنطقة".

ولعل الشاهد على ذلك هو رفض "زعماء الحراك" الجلوس مع ممثلي الدولة سلطات عمومية ومنتخبين، وتشبثهم بمطلب محاورة الملك أو وفد رسمي تلزم المفاوضاتُ معه الملكَ بالصفة والوظيفة، ولا يكون للسلطات العمومية (حكومة ومجالس محلية) إلا وظيفة تنفيذ ما قد يتم "الاتفاق عليه".

ويبدو -حسب هذا المنظور- أن الجهة الوحيدة التي لا تزال تحتكم إلى عنصر المصداقية هي الملكية، رغم تصاعد أصوات ترفع شعار "جمهورية عبد الكريم الخطابي"، أو تدفعها الجرأة إلى حد الادعاء بأن الاستعمار الإسباني كان أرحم بهم من سلوك دولة الاستقلال.

وعلى هذا الأساس، فإن عنصر الثقة بين الدولة والحراك قد انحسر إلى أقصى مدى، والرهان عليه لتحريك آلية الحوار أضحى غير وارد، لا بل قل إنه مستبعد.

خيارات تسوية الأزمة
في المقابل، نلاحظ أن الدولة بدورها قد انتفت من بين أيديها سبل الحل، بعدما عمدت الحكومة (ومن خلفها الأحزاب المشكلة لها) إلى اتهام الحراك، واعتبرته ذا نزعة انفصالية خالصة، أو يخدم أجندات خارجية معادية أو يتلقى الدعم والتمويل من جهات أجنبية.

ورغم أن الحكومة تراجعت عن تلك الاتهامات واعترفت بمشروعية مطالب أهل الريف، فإن "زعماء الحراك" لم يتساوقوا كثيرا مع الخطاب الرائج، وشددوا على ضرورة أن يُعمد أولاً -لاختبار حسن نية الحكومة- إلى إطلاق سراح بعض الشباب المسجونين في أعقاب أحداث محلية سابقة، و"إلغاء مرسوم عسكرة المنطقة" التي تمت إثر انطلاق الأحداث، وتمثلت في قوى الأمن المرابطة عند منافذ المدينة.

إن أهل الريف مغاربة مثل باقي المغاربة؛ يعرفون خصاصا في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية، ومن حقهم أن يحتجوا ويطالبوا بنصيبهم من الثروة ومن السلطة. وليس من حق أي أحد مهما كان أن يمنعهم من التعبير عن مطالبهم، لا سيما إن كان بالطرق السلمية الخالصة


لا يبدو لنا أن ثمة خيارات كثيرة بين يديْ الدولة فيما يتعلق بالصيغة التي يجب انتهاجها، إذ الخيار لا يخرج في نظرنا عن أحد حلين:

1- خيار استعمال القوة لتفريق الحشود المتظاهرة، وإعمال القانون مع الذين تزعموا الحراك أو تبنوه أو تجندوا لرفع شعاراته ومطالبه. وهو خيار مستبعد فيما يبدو لسببين: الأول، لأن الدولة اعترفت جهارة بمشروعية المطالب، وأعلنت استعدادها للجلوس إلى طاولة الحوار لمناقشة الترتيبات المرتبطة بالتنفيذ. وهذا وحده كافٍ للتدليل على النزوع بجهة "حل المشاكل بالحسنى".

وثانيا، لأن السياق الوطني والإقليمي (وربما الدولي أيضا) لا يسمح بالمرة بركوب ناصية هذا الخيار لقمع حركة احتجاجية سلمية ومهادنة، لم ترفع السلاح في وجه الدولة ولا هددت برفعه.

2- خيار جرد مشاكل المنطقة برمتها والشروع في تنفيذ المستعجل منها، مع برمجة الأخرى في آماد زمنية قريبة ومتوسطة، يعهد إلى الدولة جزء منها وإلى القطاع الخاص جزء آخر. على أن تتكفل بمتابعة الإنجازات وتقييمها لجنة تقنية تعمل في عين المكان وتراقب الإنجازات بدقة ودون تلكّؤ.

يبدو أن هذه الصيغة هي الأنجع والأضمن لرفع الخصاص عن منطقة الريف، ولضمان استقرارها ومنع ارتدادية الاحتجاجات ذات الطبيعة العامة أو الفئوية. ونزعم أن سبيل الحوار هو مفتاح العملية إذ بانتفائه يزداد الاحتقان، وتتقوى المزايدة من هذا الطرف أو ذاك، وتتحول القطيعة إلى احتراب ونفي للآخر.

إن أهل الريف مغاربة مثل باقي المغاربة؛ يعرفون خصاصا في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية، ومن حقهم أن يحتجوا ويطالبوا بنصيبهم من الثروة ومن السلطة. وليس من حق أي أحد مهما كان أن يمنعهم من التعبير عن مطالبهم، لا سيما إن كان بالطرق السلمية الخالصة وبالآليات القانونية المتاحة، لكن دون مزايدة على مؤسسات الدولة وهيبتها أو على نظامها السياسي.

المصدر : الجزيرة