كريستوفر ر. هِل

كريستوفر ر. هِل

​مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق

يبدو أن توصيل النقاط الإستراتيجية بين أفغانستان وسوريا وكوريا الشمالية أصبح مهمة لا فِكاك منها. فلن يتسنى للعالَم -ما لم يضطلع بهذه المهمة- أن يبدأ في تمييز شيء أشبه بنهج متماسك متسق -وإن كان مضللا- في التعامل مع السياسة الخارجية من قِبَل إدارة الرئيس دونالد ترمب.

ولنبدأ هنا بالغارة العسكرية على المطار السوري الذي أطلق منه نظام بشار الأسد هجوما كيميائيا. تُرى هل كان المقصود من ذلك الوابل من صواريخ توماهوك ببساطة توجيه رسالة، كما ادعت إدارة ترمب؟

وهل يشير ذلك إلى نهج أكثر تدخلا في الحرب الأهلية التي تبدو مستعصية على الحل والتي تدور رحاها في سوريا؟ ربما يتساءل المرء عما إن كانت تلك الضربة تشير إلى سياسة خارجية أكثر قوة وحزما في عموم الأمر.

بعد فترة وجيزة، أسقط الجيش الأميركي -بعد حصوله على "تفويض تام" بالتحرك من قائده الأعلى- قنبلة هائلة الحجم محمولة جوا (وهي القنبلة غير النووية الأكبر حجما في الترسانة الأميركية) على أفغانستان. كان الهدف المباشر تدمير شبكة أنفاق يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية.

سارَع ترمب يوم تنصيبه إلى إقالة الدبلوماسيين الذين عينهم أوباما بكل فظاظة، ولم يعين أي بديل في مناصب رئيسية، بما في ذلك السفراء إلى كوريا الجنوبية واليابان والصين. ويبدو أن أي قدر من الدبلوماسية -وإن كان نزرا يسيرا- لا يوظف إلا في دعم حلول عسكرية


والسؤال هو: هل كان ذلك هو كل المقصود من إسقاط هذه القنبلة؟ من المعروف عن كوريا الشمالية ميلها إلى دفن منشآتها العسكرية عميقا تحت الأرض.

وقد أصدر ترمب فعلا أوامره لمجموعة من حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأميركية بالإبحار إلى المياه قبالة شبه الجزيرة الكورية، وسط التوترات المتصاعدة بشأن التجارب النووية والصاروخية التي تجريها كوريا الشمالية.

وفي هذا السياق، يبدو أن سياسة "الصبر الإستراتيجي" -التي انتهجها الرئيس السابق باراك أوباما- في التعامل مع كوريا الشمالية على وشك أن تتبدل. ولكن في حين يعتمد ترمب على الاستعراض الباهر للقوة الصارمة أكثر مما فعل أوباما؛ يبدو أنه لم يستقر على أي نهج دبلوماسي شامل.

فمنذ أن سارَع يوم تنصيبه إلى إقالة الدبلوماسيين الذين عينهم أوباما بكل فظاظة؛ لم يعين ترمب أي بديل في مناصب رئيسية، بما في ذلك السفراء إلى كوريا الجنوبية واليابان والصين. ويبدو أن أي قدر من الدبلوماسية -وإن كان نزرا يسيرا مثل قمة ترمب الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ- لا يوظف إلا في دعم حلول عسكرية.

وينبغي لهذه الحال أن تتبدل؛ فالقوة العسكرية لا بد من أن تُستخدم لدعم الدبلوماسية. وكما قال الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز في مناسبة شهيرة، فإن الحرب وسيلة جدية لتحقيق غاية جدية. ولنتأمل هنا الحال في أفغانستان؛ فقد كان الراحل ريتشارد هولبروك -الذي ربما كان الدبلوماسي الأميركي الأعظم في مطلع هذا القرن- يسعى إلى التفاوض مع المتمردين من حركة طالبان.

ورغم أن قادة طالبان الأفغانية ليسوا جميعا منفتحين على المحادثات، فإنه كان يعتقد أن العدد الكافي منهم يمكن إشراكه ومسالمته لإضعاف الفصائل الأشد تطرفا. وكان نهجا إستراتيجياً ذكيا يرجع إلى أيام الإمبراطورية الرومانية: "فَرِّق تَسُد".

وعلى النقيض من ذلك، أسقط الجيش الأميركي في عهد ترمب "أم القنابل". وربما تتحرى إدارة ترمب انسحابا أحادي الجانب من أفغانستان، كما فعلت إدارة أوباما ذات مرة. ولكن في عهد ترمب ربما تُسقِط الولايات المتحدة المزيد من "أم القنابل" في طريقها إلى الخروج.

يبدو أن إدارة ترمب تتفق مع سابقتها في هدف إستراتيجي آخر: الإطاحة ببشار الأسد في سوريا من السلطة. ولكن ما الذي قد يأتي لاحقا؟ هل يبادر الإسلاميون السُنّة -الذي يشكلون غالبية المعارضة على الأرض- إلى تسليم أسلحتهم حقا، فينفضون أيديهم من التطرف الخبيث، ويحتضنون الحياة، ويسعون وراء السعادة في ظل حكومة ديمقراطية؟

في كل الأحوال، قد لا نتوصل إلى الإجابة على مثل هذه التساؤلات أبدا، لأن الأسد لا يزال قادرا على الفوز. فهو يتمتع بدعم حلفاء أقوياء بما في ذلك روسيا وإيران، والمعارضة منقسمة بدرجة باعثة على اليأس. وحتى الجيش السوري الحر هو في حقيقة الأمر عِدة جيوش لا أمل يُذكَر في توحيدها، والأمل أقل في إسقاط النظام.

والخيار الأقرب إلى المعقول لإنهاء الاقتتال في سوريا هو اشتراك الولايات المتحدة مع القوى العالمية -بما في ذلك حلفاء الأسد- التي تتفق على الحاجة إلى التوصل لتسوية دبلوماسية، على أساس تقاسم السلطة وعدم مركزية الحكومة.

الواقع أن اختلاف الظروف بين سوريا وأفغانستان وكوريا الشمالية واسع النطاق، ولكن هناك قواسم مشتركة بين الحالات الثلاث. فكل منها تمثل تحديات بالغة الخطورة لإدارة ترمب في مجال السياسة الخارجية. ولن يتسنى حل أي قضية من الثلاث دون إستراتيجيات دبلوماسية شاملة


كما تعاني كوريا الشمالية من زعيم استبدادي لا يتبع أي خطط للوصول إلى أي شيء. ولكن على عكس الأسد، ربما يُقدِم كيم جونغ أون على تفجير قنبلة نووية أخرى في أي يوم الآن.

ولكن هنا أيضا لا يخلو الأمر من قيود تَحُدّ مما يمكن تحقيقه من خلال النهج العسكري، وإن كان ذلك لم يمنع نائب الرئيس مايك بنس من التصريح مؤخرا بأن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة".

ومن جانبه، أنفق وزير الخارجية ركس تيلرسون كل وقته على الأرض في كوريا الجنوبية الشهر الماضي مع القائد العسكري الأميركي هناك، بدلا من القيام بزيارتها مع موظفيه من الدبلوماسيين العاملين في السفارة الأميركية.

وذهب السناتور ليندسي غراهام إلى حد التوصية بشن ضربة ضد كوريا الشمالية الآن، قبل أن يتمكن النظام من إنتاج الصواريخ اللازمة لحمل الأسلحة النووية إلى الولايات المتحدة.

من الواضح -على أية حال- أن كوريا الشمالية قادرة على إطلاق أسلحتها إلى جارتها في الجنوب. ويعتبر غراهام نفسه رجلا براغماتياً؛ ولكن أين هي البراغماتية في تدمير الثقة التي يقوم عليها التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية؟

يبدو أن قِلة في الولايات المتحدة يتمتعون بالجرأة الكافية لتقبل العمل العسكري الذي من شأنه أن يعرّض عشرين مليون كوري جنوبي لخطر داهم. ويدعو مراقبون إلى عقد صفقة مع نظام كيم تقضي بوقف اختبارات الأسلحة في مقابل تقليص المناورات العسكرية الأميركية الكورية الجنوبية.

ولكن هذا النهج أيضا من شأنه أن يُضعِف تحالف أميركا المهم مع كوريا الجنوبية وإن كان ذلك بصورة أقل حِدة، في حين أنه لا يفعل أي شيء لقمع شهية كوريا الشمالية للأسلحة النووية.

الواقع أن اختلاف الظروف بين سوريا وأفغانستان وكوريا الشمالية واسع النطاق، ولكن هناك قواسم مشتركة بين الحالات الثلاث. فكل منها تمثل تحديات بالغة الخطورة لإدارة ترمب في مجال السياسة الخارجية. ولن يتسنى حل أي قضية من الثلاث دون إستراتيجيات دبلوماسية شاملة.

في عالَم الدبلوماسية، تُعَد المتابعة المثابِرة هي السبيل إلى تحويل رؤى كبار صناع السياسات إلى إستراتيجيات متماسكة، تعطي هيكلا للعمل اليومي في حماية مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها في مختلف أنحاء العالَم. وهذه ليست المهمة التي قد تتمكن المؤسسة العسكرية من الاضطلاع بها منفردة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك