نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

خلافات متجددة
كسر القاعدة
سر التقارب
التأثير المصري 

الخلاف بين الكنيسة المصرية الأرثوذكسية والفاتيكان -الممثل للكاثوليكية بالعالَم- هو الأصل في العلاقة بين الطرفين منذ قرون، ويشهد هذا الخلاف من وقت إلى آخر فصولا جديدة أو متجددة منه حول قضايا ليست كلها دينية، بل لها اعتبارات تتعلق بالنفوذ المسيحي أحيانا، وببعض الموضوعات السياسية وغيرها أحيانا أخرى.

وقد أكد الدكتور عزيز سوريال عطية -وهو أحد المؤرخين المهمين للمسيحية الشرقية- أن خلفيات سياسية واجتماعية وثقافية تجعل الوحدة بين الكنائس الشرقية أمرا صعبا، بل إن هذه الوحدة تبقى عنده مجرد أمنية. فما بالنا بالكنائس الشرقية والغربية وبينها من التفاوت اللاهوتي والفكري والتاريخي وفي المواقف السياسية أضعاف أضعاف ذلك!

خلافات متجددة
ثار آخر فصول الخلاف الحاد بين الفاتيكان وكنيسة الإسكندرية المصرية في عهد بابا روما السابق بنديكت السادس عشر، الذي كان يفتقر فيما يبدو إلى الدبلوماسية التي تظهر بوضوح على خلفه البابا فرانسيس الأول.

هناك خلفيات سياسية واجتماعية وثقافية تجعل الوحدة بين الكنائس الشرقية أمرا صعبا، بل إن هذه الوحدة تبقى عنده مجرد أمنية. فما بالنا بالكنائس الشرقية والغربية وبينها من التفاوت اللاهوتي والفكري والتاريخي وفي المواقف السياسية أضعاف أضعاف ذلك


ويرجع سبب الخلاف المذكور -في إحدى نوباته- إلى إصدار الفاتيكان عام 2010 وثيقة تصرح بأن الإيمان المسيحي الحقيقي لا يتمثل إلا في كنيسة روما وحدها، فهي "كنيسة المسيح الحقيقية" وهي "الطريق الصحيح والوحيد للخلاص"، في حين أن الكنائس الأخرى إما ناقصة أو زائفة بالمرة، ومن أسباب ذلك الحكمِ أنها لا تعتبر الحبر الأعظم للفاتيكان رئيسا لها!

وأدى إعلان هذه الوثيقة -التي هي في الحقيقة جواب عن فتوى- فيما أدى إليه من ردات فعل بين الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية في العالم؛ إلى ثورة من الغضب في الأوساط الأرثوذكسية بمصر التي وجهت انتقاداتها الحادة إلى غريمها العتيق، متهمة إياه بالخروج على المسيحية الأصلية.

وفي نوبة أخرى من هذه الأزمات؛ قدم الفاتيكان إحصائية بعدد سكان مصر فذكر أن مسيحييها تبلغ نسبتهم إلى مجمل سكان الدولة المصرية 6% فقط (حوالي أربعة ملايين ونصف مليون نسمة)، في الوقت الذي يدعي فيه المسيحيون المصريون أن نسبتهم تبلغ ما بين 10 و15% من السكان.

ثار الغضب في الأوساط المسيحية الأرثوذكسية في مصر أيضًا عقب الإعلان عن هذا الإحصاء؛ إذ اعتبره الناقدون تدخلا غير مقبول في الشأن الداخلي المصري، كما أن التقليل من وجودهم وادعاء تدني نسبتهم بين المصريين يضر بقضاياهم وحقوقهم، ويوهن دعاواهم المطالبة برفع سقف حقوقهم السياسية بحسب نسبة وجودهم بين سكان مصر.

كسر القاعدة
ومعنى هذا أن العلاقة بين الفاتيكان وكنيسة الإسكندرية لم تكن على ما يرام إلى وقت قريب، وربما شهدت هذه العلاقة فصولا من التقارب أو التفاهم الاستثنائي في بعض المراحل كما حدث عقب زيارة البابا شنودة للفاتيكان عام 1973، إلا أن التباعد كان هو الأصل دائما. وهو ما حكاه بابا الفاتيكان الحالي نفسه في رسالة له إلى البابا تواضروس في العام الماضي، حين قال إن التفاهم بينهما يأتي "بعد قرون من الصمت وسوء التفاهم والمواقف العدائية".

إذن اختار الكاردينال الأرجنتيني السابق خورخي ماريو بيرغوليو -أو البابا الحالي فرانشيسكو الأول، المتجه شرقا حتى من خلال الاسم الديني الذي اختاره لنفسه- أن يفتح صفحة مختلفة في العلاقة مع غرمائه ومنافسيه الأقدم في تمثيل المسيحية، فمال معهم إلى الدبلوماسية في أجواء احتاجت إلى التقارب بين الطرفين المسيحييْن.

وقد بدأ هذا بالفعل عقب تنصيبه بابا للفاتيكان، فدعا بابا الإسكندرية تواضروس إلى زيارته، حيث التقاه في مظاهر احتفاء كبير يوم 10 مايو/أيار 2013، واعتبر هذا اليوم عيداً سنويا للمحبّة والتعاون بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة المصرية الأرثوذكسية.

لكن، ما المسائل والقضايا التي يمكن أن يتعاون فيها الطرفان وينسيا لأجلها إرث الخلاف الطويل بينهما؟

لا يخفى على أي متابع ما تشهده المنطقة العربية من تغيرات واضطرابات حادة منذ انطلقت ثورات الربيع العربي، وما لحقها من تدخلات دولية وإقليمية شوهت مسارها، وقد انعكست آثار هذه الأحداث على المنطقة برمتها، ومن الطبيعي أن يكون للأقليات المسيحية من سكانها -خاصة في البؤر الرئيسية- نصيبها في مضطرَب الأحداث، بصرف النظر عمن تسبب فيه، أو تعمد استهداف المسيحيين في العراق وسوريا ومصر وغيرها.

من المعقول تماما أن يكونالواقع المسيحي العربي الصعب دافعا إلى هذا التقارب بين الكنيستين الكاثوليكية الرومانية والمصرية الأرثوذكسية، خاصة أن تبادل الهجاء واتخاذ مواقف عدائية لن يفيد أيا من الطرفين.

سر التقارب
ولا شك أن من حق المسيحيين في العالم أن يتنادوا ويتحدوا لأجل حماية أهل ملتهم حيثما كانوا، بل على كل حر في العالم يؤمن بكرامة الإنسان أن يعين على حماية المظلومين -مسيحيين وغير مسيحيين- من ويلات الحروب وغائلة العدوان.

في ظل ما تشهده ثورات الربيع العربي من تدخلات دولية وإقليمية؛ ومن الطبيعي أن يكون للأقليات المسيحية من سكانها -خاصة في البؤر الرئيسية- نصيبها في مضطرَب الأحداث، بصرف النظر عمن تسبب فيه، أو تعمد استهداف المسيحيين في العراق وسوريا ومصر وغيرها


إلا أن الإشكالية تكمن في أن أوضاع المنطقة اتجهت منذ الانقضاض على ثورات الحرية في العالم العربي إلى تكريس الدكتاتورية، ووأد الديمقراطية، والالتفاف على حقوق الشعوب؛ فإلى أي مدى راعت الصداقة الكاثوليكية الأرثوذكسية أن تحافظ على المبادئ الإنسانية وهي تستهدف حماية مسيحيي المشرق العربي؟

لا نريد أن نسارع بالإجابة قبل أن نفهم جذور المسألة، فقد انتقد الفاتيكان القمع المسلح ضد الشعوب في كل من مصر وسوريا، وانتقد العنف من الإرهابيين والسلطة العسكرية على السواء، إلا أن هذا الموقف بدأ يتغير بتأثير الكنائس المصرية؛ خاصة الكاثوليكية منها التي كان من الواضح أنها نسقت مع بقية الكنائس المصرية مواقف مساندة لانقلاب الجيش المصري على التجربة الديمقراطية اليتيمة.

بدأ التنسيق بين قيادات الكنائس المصرية الثلاث مبكرا، فقد انسحبوا معا من الجمعية التأسيسية للدستور بزعم سيطرة الإسلاميين عليها، وكان القصد من هذه الانسحابات -كما فهمه البعض حينها، وكما تأكد للجميع فيما بعد- هو إفشال الجمعية التأسيسية، وإحباط محاولتها وضع دستور ملائم للحالة الثورية في مصر.

ثم ظهر البابا تواضروس -زعيم أكبر طائفة مسيحية في مصر- بعد أشهر قليلة في مشهد الإعلان عن انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، فأكمل بحضوره مع شيخ الأزهر "مباركة" المؤسسة الدينية لهذا الإجراء التاريخي الخطير.

وأصدر رئيس الكنائس الكاثوليكية في مصر حينها البطريرك إسحق إبراهيم بيانا داعما للانقلاب، أكد فيه "مساندتنا القوية والواعية والحرة لكل مؤسسات الدولة، وخصوصا الشرطة المصرية والقوات المسلحة؛ لما تقوم به من مجهودات لحماية الوطن، وتقديرنا لموقف الدول المخلصة التي تتفهم طبيعة مجريات الأمور.. وندين الإعلام الذي يروّج الأكاذيب ويزيف الحقيقة بهدف تضليل الرأي العام العالمي.. أخيرا نخاطب الضمير العالمي وكل مسؤولي الدول أن يدركوا تماما ويصدّقوا أن ما يحدث في مصر الآن ليس صراعا سياسيا بين فصائل مختلفة، إنما هو حرب كل المصريين ضد الإرهاب"!!

كما سعى البابا تواضروس إلى دعم الانقلاب بشتى الصور، فخرجت تغريداته عقب الانقلاب بالثناء الحار على الإجراءات التغييرية للجيش، وأعلن ذلك بصراحة في الإعلام وفي أثناء اللقاءات الدينية والسياسية، ولدى استقباله الحار لعبد الفتاح السيسي في رحاب الكنيسة المرقسية، كما زار مشروع قناة السويس منتصف 2015، وعده من أهم المشروعات الوطنية للمرحلة، رغم أنه تقييم سابق لأوانه بكثير، وأثبتت التطورات خلافه.

التأثير المصري
مع هذه المواقف الداخلية؛ بدا أن الفاتيكان لا يمكن أن يكون ملكيا أكثر من الملك، أو على الأقل لا يمكنه أن يقف موقف المناوئ لكنيسته وبقية الكنائس في مصر، فكف عن انتقاد السلطة الجديدة، بل استُقبل السيسي بحفاوة في حاضرة الفاتيكان (نوفمبر/تشرين الثاني 2014) عقب الانتخابات التي أجراها وجاءت به رئيسا لمصر، ضمن جولة للبحث عن الدعم السياسي الدولي لنظامه.

تصب الزيارة الأخيرة التي قام بها بابا الفاتيكان إلى القاهرة في اتجاه دعم الأوضاع الحالية في مصر؛ إذ تمثل في نفسها دعما سياسيا للنظام من أكبر زعامة دينية في العالم، كما أن تصريحات البابا في القاهرة عبرت عن فصام في تحديد المواقع يقدم للنظام مزيدا من الدعم


ولا يُستبعد أن تكون للفاتيكان جهود أخرى غير معلنة لدعم انقلاب الجيش في مصر، فقد تمنى المتحدث باسم الأساقفة المصريين الكاثوليك رفيق جريش "أن يتحاور الفاتيكان مع أوروبا والولايات المتحدة ليؤكد لهما أن ما يحصل (في مصر) حرب ضد الإرهاب، حتى لا تتخذ الأمم المتحدة ومجلس أوروبا (الاتحاد الأوربي) تدابير ضد الحكومة الجديدة ويوقفا المساعدات"!

وفي الاتجاه نفسه، أي دعم الأوضاع الحالية في مصر؛ تصب الزيارة الأخيرة التي قام بها بابا الفاتيكان إلى القاهرة؛ إذ تمثل في نفسها دعما سياسيا للنظام من أكبر زعامة دينية في العالم، كما أن تصريحات البابا في القاهرة عبرت عن فصام في تحديد المواقع يقدم للنظام مزيدا من الدعم.

فقد شجب الإرهاب الذي يقتل الأبرياء، وأثنى على جهود الدولة في مواجهته، وتناسى إرهاب الدولة الذي يمارس ضد المواطنين ليل نهار، كما تناسى عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين يتعرضون لشتى ألوان التنكيل، ومصادرة حرية الرأي، وتناسى الانهيار الاقتصادي الخطير الذي سببه لمصر.

لأجل هذا، لا بد من أن نعيد إيضاح السبب الذي دعا إلى التحالف المشار إليه بين الفاتيكان وكنيسة الإسكندرية؛ إذ إنه ليس أقل من تحالف لاستغلال الوضع القائم في مصر لتحقيق مكاسب مسيحية في مصر والمنطقة، ولو على حساب الأكثريات المهضومة والمضطهدة.

لقد ابتلع الطرفان خلافاتهما العميقة ولو مؤقتا، ووحدا مواقفهما في ظل أوضاع مأساوية تعيشها أكثرية أقطار الربيع العربي، وصارا جزءا من الواقع الضاغط على الشعوب في سبيل مزيد من توسيع النفوذ الفكري وغير الفكري.

فقد هوجم الخطاب الإسلامي في مصر وضُيِّق عليه وعلى ممثليه الذين لم يعد بينهم معتدل، وبدا الطريق مفتوحا أمام سواه ليرتع في صورة مؤسسات خيرية وتعليمية، وهو ما دعا البابا تواضروس إلى أن يثني -في كلمته الاستقبالية لبابا روما- على الجهود التعليمية الكاثوليكية في مصر.

كما تضمن بيان الطرفين الختامي المشترك الاهتمام بـ"تعزيز التبادل المثمر في الحياة الرعويّة، لا سيما في التعليم المسيحيّ، وفي تبادل الغنى الروحي بين المجامع الرهبانية والجماعات المكرسة".

ولا شك أن هذا كله يدعم مشروعات سياسية مخيفة تهدد مصر ووحدتها، ويتردد الحديث عنها منذ زمن في دوائر غربية، وتتسرب أخبارها إلى الإعلام مدعومة بالصور والخرائط من وقت إلى آخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك