نبيل عودة

نبيل عودة

كاتب فلسطيني، وباحث سياسي متخصص في الشؤون الدولية

بين محورين
الحليف الإسرائيلي 

يقال إن التحالفات بين الدول تبنى إما على قاعدة المنافع المتبادلة أو على قاعدة العدو المشترك. ومنذ تسلُّم الرئيس دونالد ترمب مهام منصبه؛ بدأت تلوح في الأفق بوادر إعادة تشكيل لخريطة التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط.

وقد تقتضي هذه العملية إحياء "محور دول الاعتدال" مجددا الذي يضم السعودية ومصر والأردن، في مواجهة عدو مشترك -لا خلاف عليه كما في السابق- يتمثل في النفوذ الإيراني بالمنطقة والجماعات "الارهابية". ولكن المفاجأة هذه المرة تتعلق بإسرائيل.

بين محورين
قُبيل اندلاع الثورات العربية كانت المنطقة منقسمة بين محورين متنافسين بينهما حدود واضحة؛ هما: "تيار الممانعة" المشكل من إيران وسوريا وحزب الله وحركة حماس؛ و"تيار الاعتدال" المشكل أساساً من مصر والأردن ودول الخليج، والذي يدور في الفلك الأميركي.

غير أن الثورات العربية والثورات المضادة لها، وانفجار الأزمة السورية، والعزوف والتلكؤ الحذر الذي مارسته إدارة الرئيس بارك أوباما في المنطقة خلط الأوراق؛ فتداخلت خطوط التحالفات، ولم يعد واضحاً الأساس الذي عليه يمكن أن يتم تحديد المنافع المتبادلة أو العدو المشترك.

الثورات العربية والثورات المضادة لها، وانفجار الأزمة السورية، والعزوف والتلكؤ الحذر الذي مارسته إدارة الرئيس بارك أوباما في المنطقة قد خلط الأوراق؛ فتداخلت خطوط التحالفات، ولم يعد واضحاً الأساس الذي عليه يمكن أن يتم تحديد المنافع المتبادلة أو العدو المشترك


فقد انقلب البيت العربي الرسمي على نفسه بين أولئك الراديكاليين الذين تبنوا العنف ضد الكل غير المؤيد لهم أو المعترف بشرعيتهم، والمحافظين الذين انقلبوا على ثورات الربيع العربي باعتبارها تهديداً حقيقياً لاستقرار أنظمتهم السياسية، والليبراليين أو التقدميين الذين حاولوا الوقوف على مسافة واحدة بجمعهم بين الإيمان بحتمية التغيير وضرورة أن يكون تدرجيا بعيداً عن المواجهة والعنف.

أما "محور الممانعة" فقد تعرض لضربة موجعة تمثلت في خروج حركة حماس منه، وتحوُّل سوريا إلى ساحة مواجهة دولية تستنزف كلا من إيران وحزب الله. هذا وزادت السياسة الخارجية للرئيس أوباما الوضع التباسا.

فقد كان حريصاً على ردم الهوة مع الإيرانيين للوصول إلى اتفاق حول برنامجهم النووي، في حين أكثر من انتقاده لحلفاء أميركا التقليديين من العرب، وأعلن أن الخطر الذي يُهدد أمنهم واستقرار أنظمتهم لا يتعلق أبداً بإيران، وإنما بالمشاكل الداخلية الناجمة عن سياساتهم القمعية.

ومع مجيء ترمب بدأت خطوط التحالفات تتضح شيئاً فشيئاً؛ إذ تبنى منذ البداية خطاً معادياً لإيران. ففي إحدى تغريداته -على سبيل المثال- قال ترمب: إن إيران تلعب بالنار؛ فهم لا يثمنون كم كان لطيفا معهم الرئيس أوباما. لستُ أنا.

وقد تعزز هذا الموفق من خلال فريقه المدعوم بنخبة من الجنرالات الأكفاء، مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، اللذين لا يخفيان موقفهما المتشدد تجاه إيران باعتبارها الخطر الأكبر على المصالح الأميركية في المنطقة.

فقد صرح ماتيس بأن إيران واحدة من كبريات الدول الراعية للإرهاب في العالم. أما ماكماستر فأكد أن لدى الولايات المتحدة الإرادة الكاملة لرفع الغطاء عن إيران مرة أخرى، بسبب دعمها الواسع "للنظام القاتل" في سوريا، وارتكابها عمليات "قتل جماعي" بحق شعبها.

ويعتبر ماكماستر أن النظام الإيراني يتبع فعلا سياسة فرض "نموذج حزب الله" في منطقة الشرق الأوسط الكبير، بحيث تتحول الحكومات إلى كيانات ضعيفة تسعى لطلب الدعم من إيران.

وبذلك يكون تحديد العدو المشترك قد تحقق، إنه إيران، ومن قبلها تنظيم الدولة. ويبقى الآن استكمال بناء التحالف الذي سيعمل على التصدي لهذين التهديدين. وهنا تبرز إشكالية "إسرائيل" وموقعها من هذا التحالف.

الحليف الإسرائيلي
يجري الترويج لمقاربة مقتضاها أن التصدي الفعال لمثل هذه التهديدات لا يمكن أن يتحقق من غير تكاثف جهود جميع الدول المعنية، وهو ما يعني ضمنياً دخول إسرائيل ضمن التحالف المتوقع. ويبدو أن ذلك لا يثير مشكلة لدى الدول العربية "ذات الاعتدال"، بل ربما توجد رغبة حقيقية عندهم في رؤية إسرائيل جنباً إلى جنب معهم في ذات الحلف.

ليس خافياً أن تحالفا كهذا يضم إسرائيل إلى جوار العرب لا يمكن أن يتحقق بصورة فعالة من غير أن تتم تهدئة الساحة الفلسطينية/الإسرائيلية، بصيغة تعيد تحريك المياه الراكدة في عملية السلام عبر إنعاش المفاوضات، وإيجاد صيغة لحل الأزمة في قطاع غزة تُنهي حكم حركة حماس فيه. وهكذا تكون القضية الفلسطينية مجددا ورقة للمساومة


ففي الآونة الأخيرة لم يعد الحديث عن التطبيع -على سبيل المثال- يشكل هاجساً مقلقاً، وأخذ التنسيق الأمني مع إسرائيل بشكل أحادي الجانب يطفو على السطح، وبدأت اللهجة الدبلوماسية بين "تل أبيب" وبعض العواصم العربية تأخذ طابعاً حميمياً.

وهذا ينسجم -من حيث المبدأ- مع الرؤية العامة التي يتبناها الرئيس ترمب، فهو يسعى إلى كسر النمط الأميركي السائد في التعاطي مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي؛ فقد لمّح -في مؤتمره مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بواشنطن (20 فبراير/شباط 2017)- إلى أن ما يطمح إليه هو الوصول إلى اتفاق لا يضم فقط الفلسطينيين والإسرائيليين، بل والدول الإقليمية. وحسب تعبيره فإن هذا الاتفاق سيكون "أكبر وأفضل مما يظن الكثيرون".

وقد جاءت تصريحات مستشار الأمن القومي الجنرال ماكماستر لتصب في نفس السياق، عندما صرح -أثناء مشاركته في احتفالات تأسيس دولة إسرائيل بواشنطن- قائلا إن "الأوضاع الشاقة -بما في ذلك القدرة العسكرية لتنظيم الدولة وتزايد التهديد الإقليمي من إيران- قد تدفعنا لحل ما يعتقده البعض مشاكل صعبة؛ مشاكل مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

وغير مستبعد أن تكون إعادة تشكيل هذا الحلف محور جولة الرئيس ترمب للمنطقة التي استهلها يوم 20 مايو/أيار الجاري بزيارة الرياض، وبعدها ستكون تل أبيب والفاتيكان.

ومن الجدير ذكره أن وزير الدفاع الأميركي الجنرال ماتيس -الذي يؤمن إلى حد كبير بفكرة التحالفات وأهميتها للأمن القومي الأميركي- استبق زيارة الرئيس ترمب للمنطقة بجولة مكوكية، شملت العديد من العواصم في الشرق الأوسط كالسعودية ومصر وقطر وتل أبيب وجيبوتي.

ولكن ليس خافياً أن تحالفا كهذا يضم إسرائيل إلى جوار العرب لا يمكن أن يتحقق بصورة فعالة من غير أن تتم تهدئة الساحة الفلسطينية/الإسرائيلية، بصيغة تعيد تحريك المياه الراكدة في عملية السلام عبر إنعاش المفاوضات، وإيجاد صيغة لحل الأزمة في قطاع غزة تُنهي حكم حركة حماس فيه. وهكذا تكون القضية الفلسطينية مجددا ورقة للمساومة، وضحية للتوازنات الإقليمية والدولية.

ففي السابق -وتحديداً في ثمانينيات القرن العشرين- كانت القضيةُ الفلسطينية البوابةَ التي عادت منها مصر إلى الجامعة العربية عبر اتفاقية حسين/عرفات، وذلك من أجل إعادة التضامن العربي للوقوف جنباً إلى جنب مع العراق في وجه إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وهكذا جرى أيضا في مؤتمر أنابوليس عام 2007؛ فقد كان الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حريصا على دعم حلفائه العرب في حربه ضد "الإرهاب"، من خلال استعطافهم بمبادرة "خريطة الطريق" التي كان مقررا أن تفضي في نهاية المطاف إلى دول فلسطينية مستقلة.

ولكن ما هو مثير هذه المرة هو أن ورقة المساومة على القضية الفلسطينية لا تتعلق بعودة بلد عربي إلى الحظيرة العربية، أو بخريطة طريق جديدة، وإنما بإسرائيل التي لم تعد العدو بل صارت الحليف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك