توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

تُرجع كافة الدراسات العلمية الموضوعية لظاهرة التطرف -التي آخر تسمياتها "داعش" أسبابَ نشوئها وعوامل جذب المجندين لها بشكل رئيس إلى الفساد والتهميش والقمع.

ولهذا فإن أكثر أشكال التصدي لهذه الظاهرة فشلاً، بل وأكثرها دفعا باتجاه التجنيد في صفوف "داعش"، هو الحل الأمني.. وخاصة على طريقة العالم الثالث اللاديمقراطي، حيث يحول العنف الأمني الرسمي والسجون السيئة والتعذيب صغار المجرمين إلى مجندين في أي تنظيم يسبغ عليهم "أهمية"، فيما يحوّل المعتقلين السياسيين ذوي الفكر والثقافة إلى متطرفين أيديولوجيين (لا فرق في أية أيديولوجيا)، يقودون جيشا جاهزا من هؤلاء المظلومين.

توالي سقوط أو تشويه المرجعيات أحدث فراغا فكريا في العالم العربي لجهة ما يطبق في السياسة والاقتصاد وليس بشأن العقائد الدينية، إذ تعايشت أغلبية مسلمة ساحقة فيه مع المسيحي واليهودي وأيضا مع اللا ديني، لقرون مضت وفي المناطق الأكثر محافظة


والأيديولوجيا المتاحة تختلف من زمن إلى آخر لجهة التأييد والإشادة التي تحظى بها، والصلاحية التي يُعتقد أنها تتيحها لمواجهة الأنظمة المستبدة أو قوى الاستعمار الغربي وأذرعه.

ففي زمن ثورات الشعوب الأوروبية لأجل حقوقها وحرياتها ضد تحالف الكنيسة مع الملكيات الفاسدة -الذي أُسْمِي "التحالف غير المقدس"- ساد الفكر الليبرالي لمفكرين كجان جاك روسو وفولتير. ثم حين أدت الفورة الصناعية لتركز رأس المال والسلطة السياسية في أيدي فئة بعينها جاءت الأفكار الاشتراكية.

وفي هذا الفكر وجدت ثورات التحرر من استعمار الغرب الرأسمالي معينا ورافدا لها في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، فاستقطبت الأفكار الاشتراكية عقولا وأنتجت ثوارا وقيادات عالمية، من أمثال فيدل كاسترو وتشي غيفارا وجمال عبد الناصر.

ولكن تلا هذا زمنُ العولمة الذي حتم سيطرة رأس المال العابر للحكومات، مما أسقط الاشتراكية بصورة طبيعة حتمية لا فضل فيه لمن ينسبون إنجاز هذا الإسقاط لأنفسهم من الساسة الغربيين.

ولكن الأسوأ هو ما جرى لليبرالية من اختطاف وتوظيف شكلي لها من قِبل متطفلين عليها أُسموا بـ"النيوليبراليين"، وغالبيتهم هاربون من سلطة حكومات الغرب الرأسمالي (لكون فسادهم أصبح يضيّق عليه بقوانين ودساتير تُلزم بدرجة من الشفافية والمحاسبة المالية والجزائية) إلى "مخابئ آمنة"، أشبه بكهوف القراصنة في العصور الوسطى حيث كانوا يكدسون أسلابهم.

والمخابئ الجديدة بدأت ببنوك سويسرا التي وظفت مآسي الحروب العالمية في "حياد" يتيح لها جني أكبر منسوب فوائد من المستثمرين في تلك الحروب، وفي ويلات أخرى تبعتها. وامتدت تلك المخابئ وتوسعت، لكون القرصنة الحديثة استلزمت خدمات دول وحكومات -لا بنوك فقط- لما يسمى ملاذات آمنة ليست حقيقة "ضريبية"، بل إن الضريبة هي التسمية "المغسولة" لها.

وكما ارتبط القراصنة ببلدانهم الأصل وأدوا إلى ملوكها حصة من أسلابهم مقابل خدمات في المياه الإقليمية لكل دولة، فإن الملاذات الجديدة ارتبطت بالغرب الرأسمالي الاستعماري وكبريات شركاته، التي كانت وما زالت ذراعه غير المعلنة لنهب ثروات وحتى فرص العالم الثالث. 

توالي سقوط أو تشويه المرجعيات هذا أحدث فراغا فكريا في العالم العربي لجهة ما يطبق في السياسة والاقتصاد وليس بشأن العقائد الدينية، إذ تعايشت أغلبية مسلمة ساحقة فيه مع المسيحي واليهودي وأيضا مع اللا ديني، لقرون مضت وفي المناطق الأكثر محافظة.

ولافتٌ أنه لم يَجْرِ اقتتال ديني وطائفي عربي سوى في بقعة متحضرة ومثقفة ومنفتحة على العالم هي لبنان، ونحن نعرف الأيدي الغريبة التي أشعلت هذا الاقتتال في حربين أهليتين. ومثله جرى في الهند لتقسيمها وفي مناطق آسيوية أخرى، ولكننا لسنا معنيين هنا بآسيا بأكثر من تأكيد مصادر الاقتتال. 

والفراغ ليس ناتجا عن غياب من يملكون رؤية سياسية واقتصادية، بل عن محاربة شرسة لكل من ملكوها كرؤية ديمقراطية مدنية، فيما لم يمكن وقف -بل جرى التشجيع لأسباب كلها تعمل بالضد من الديمقراطية- مَنْ تغنوا بيوتوبيا إسلامية قامت قبل أربعة عشر قرنا ويمكن أن تستحضر الآن، وعند لحظة الجِد لم يُستحضر منها سوى السيف والنطع.

والبغدادي بدل عمر ابن الخطاب الذي برحيله اندلعت الفتنة الكبرى المؤجلة والمختمرة ليس فقط بين مسلمين، بل وبين صحابة رسول الله، وإلى حينه ما زالت الفتنة تختمر.

إذا كان التسليم والاستسلام هو المطلوب في العالم العربي الإسلامي، فهنالك من سيرى أن الأجدى هو أن يتم ذلك لصالح زعم أنه يقدم حكما "إسلاميا" في دولة "الشريعة"، وليس التسليم لمن يزعم أنه ديمقراطي حداثي في دولة دساتير وقوانين، كلها لا تتأهل للوصف بل تنزل على الناس فاقدة لأي قدسية دينية أو دنيوية


وبهذه الفتنة يُغلق الباب على الفكر الإسلامي كما عرضه مفكرو عصر النهضة، والذي يضمن بعض أهم مبادئ الفكر الاشتراكي اللاحق، كما في الحديث النبوي الشريف: "الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" (نورده لكون معرفته هي الأشيع في هذا الباب بين عامة المسلمين).

ويتلاقى مع الفكر الليبرالي اللاحق أيضا الذي يُطلق حرية ملكية رأس المال واستثماره، لكنه يشترط حقوقا وحريات أساسية للإنسان غير قابلة للمساومة والبيع والشراء، منها حرية العقيدة.. بعكس ما يقوله "الدواعش".

المتاح أو ما فرض نفسه على الساحة العربية الإسلامية الآن، تتصارع فيه بدائل أغلبها سيئ لجهة التطبيق، مما يساعد على ستر عيوب التطبيق الجاري باسم الإسلام بغلالة عاطفية.

وإذا كان التسليم والاستسلام هو المطلوب في العالم العربي الإسلامي، فهنالك من سيرى أن الأجدى هو أن يتم ذلك لصالح زعم أنه يقدم حكما "إسلاميا" في دولة "الشريعة"، وليس التسليم لمن يزعم أنه ديمقراطي حداثي في دولة دساتير وقوانين، كلها لا تتأهل للوصف بل تنزل على الناس فاقدة لأي قدسية دينية أو دنيوية.

فمن أنزلوها بأختام مجالس تشريعية معيّنة أو مزوّرة يبدلونها مرارا كما شاؤوا، بل ويخرقونها يوميا، بحيث بات الخرق المتسِع باطراد هو ما يُرى منها، وليس المِزَقُ المتبقية ليُكبّل أو يُشنق بها صغار المخالفين.

 ولكن حين نخاطب الغرب -الذي يقول لنا خبراؤه إن الفساد وما ينتج عنه من تهميش اقتصادي وسياسي هو من أبرز أسباب انضمام الشباب العربي المسلم إلى "داعش"- يجدر بنا أن نذكّرهم بما قاله الفيلسوف الليبرالي -وهو أحد أبرز فلاسفة الثورة الفرنسية (التي استلهمتها أميركا ولهذا أهدتها فرنسا تمثال الحرية) وثورات وربيع الشعوب الأوروبية- جان جاك روسو من أنه "لا يجوز أن يكون مواطن غنيا بما يكفي ليشتري غيره، ولا أن يكون مواطن فقيرا بدرجة تضطره لبيع نفسه".

فهل يتوقف هذا الغرب -الذي أصبح مستهدفا من "داعش"- عند مظاهر ترف فئة تملأ أخبارها وصورها المجلات الغربية "الاجتماعية" وحتى السياسية، فيما غالبية "مواطني" هؤلاء مفقَرون بدرجة تجعلهم يبيعون أنفسهم لـ"داعش"، ليس فقط كمقاتلين مقابل راتب وبيت وزوجة أو جوارٍ أو سبايا، بل وصولا لوقوفهم في الطابور لتوظيفهم كقنابل بشرية.. والأخيرة هي ما يصل لمدن الغرب؟!

حيث يكون توزيع الثروة أكثر عدلا لا نجد متطوعين لـ"داعش"، بل مواطنين تقيس الدولة درجة "سعادتهم".. هناك مثل أوروبي يحكم حياة الناس بشكل يومي يقول: "عش ودع غيرك يعيش"!

المصدر : الجزيرة