مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

طرحنا في المقال الأخير أسئلة على سؤال: لماذا تنتصر الفكرة الإسلامية وتُهزم أرضها؟ والغرض من هذه الأسئلة الوصول إلى قاعدة فهم للإجابة عن جدوى حاجة العالم الإنساني الجديد لمفاهيم الفكر الإسلامي المأخوذ من نص الشريعة وأصولها، واستنتاجات الاجتهاد الرشيد للتجربة البشرية عبرها، وعبر مقاصدها الروحية والعمرانية.

ونعود لها اليوم لتحقيق هذا الهدف المطروح على طاولة البحث الفكري للإنسانية، وقبل ذلك أسئلة المراجعات والاحتجاجات الفكرية داخل الوطن العربي والمشرق الإسلامي، لتكون مادة حوار لا قاعدة تسليم، وليست منظومة وعظ توجّه للرأي العام من منبر التخويف أو التسفيه.

حوار الفكر لا يصلح أن يكون من خلال المناظرة الدينية بل المراجعة الفلسفية الاجتماعية، وأن تُعطى الفكرة الإسلامية المساحة لاستخلاص رسائلها المدنية والدستورية، ثم يُنظر أين تميزت الفكرة الإسلامية في قاعدة التأسيس الفكري للحياة المعاصرة، وتقييمها عبر جدل الحوار الفلسفي الاجتماعي للنص والتجربة التاريخية

وإنما نطرحها ضمن قواعد التداول والمناظرة الفكرية التي تختطها البشرية لجمع أفكارها والوصول إلى تحرير معانيها، وهل يمكن أن يُحرر عليها ميثاق مدني معاصر للعلاقات الإنسانية، وأن تؤسس بنية دستورية لدولة حديثة تشمل المؤمنين بالإسلام وغيرهم.

ودون العودة لإشكاليات التعاطي مع قراءة وفهم الفكرة الإسلامية، فلن توجد أرضية صالحة للوصول إلى معالم تقييم، بحسب القاعدة الفلسفية للتصوف الإسلامي التي يتفق معها العقل التنويري والقاضية بأن "التخلية قبل التحلية".

فلا يُمكن فهم الدلالة حين يُصب الفكر في أواني مستطرقة تحاصره بحسب الظرف، أو المتطلب لأي سلطة دولية أو محلية أو قوة ثقافية استمدت من هذه السلطة بأسها القمعي، وأنزلت الفكرة لما تريده سلطة المثقف المنحاز أو قوة الاستبداد الراعية. ولذلك طرحنا تلك الأسئلة.

فحوار الفكر لا يصلح أن يكون من خلال المناظرة الدينية بل المراجعة الفلسفية الاجتماعية، وأن تُعطى الفكرة الإسلامية المساحة لاستخلاص رسائلها المدنية والدستورية، ثم يُنظر أين تميزت الفكرة الإسلامية في قاعدة التأسيس الفكري للحياة المعاصرة، وتقييمها عبر جدل الحوار الفلسفي الاجتماعي للنص والتجربة التاريخية، وبواعثها لفكر النهضة والتقدم الإنساني.

وهذا لا يمكن أن يُستخلص بأخذ مقتطعات من التراث أو نص مفسر به، في زمن الحرب العسكرية والسياسية والإعلامية على العالم الإسلامي، في حين أتيحت للفلسفات الاجتماعية عقود من الدراسة وقرون من المداولة.

إن عزل هذه التأثيرات ضرورة لا غنى عنها، وشرط صحي لفهم سيسيولوجيا (تفاعل القوانين وتطورها في تاريخ المجتمعات) التاريخ والحضارة الإسلامية، لتكون سياقات البحث الإنساني الوصول إلى المفهوم الفكري القابل للتطبيق، لا أدلة فشل نموذج لم يُطبق مفاهيم الرسالة أصلاً.

ففشل نماذج هذا التطبيق المزعوم يُحال إلى كل من يتخذ الإسلام ليتترس به وليس كبنية اجتماعية أصلية، وهذه مهمة الباحث المستقل، أن يبحث عن وجود شواهد تجربة تاريخية تعضد أو تخالف الفكرة بمصداقيتها الأصلية.

وحين تسقط موانع فهم الفكر الإسلامي وأين يملك فلسفته الأصلية لنجاح المجتمعات البشرية، تُهيأ المهمة لحواره ومعارضة أفكاره، والجواب عن الصفحات المهزومة والمسيئة من تاريخ المسلمين وتجاربهم، وهناك أساسيات ننطلق منها في هذا الفهم:

1- إن دستور الرسالة يقوم على بنيتين نصوص الصحيح من الشريعة وهو القرآن وما ثبت من السُنة، والاجتهاد المنطقي الواسع، بحسب سياق المقصد الأصلي للرسالة، فهل وجود الإنسان وجود صراع أم عمران، واستخلاف أم فوضى وحروب استئثار؟

كلما نقض المسلمون عهداً من مواثيق شريعتهم في البناء السياسي والاجتماعي خسروا، غير أن ذلك النقض في أمور البناء الكبير في نظامهم وأخلاقهم حُوّل الوعظ فيه مع الزمن إلى معاصي الأفراد فقط، لا لكبائر الإثم التي ترتكبها الدول والأنظمة المتعاقبة في تاريخ المسلمين، وسيطر هذا المفهوم على خطاب ديني واسع

والثاني منتج الاجتهاد الإسلامي في التجربة التاريخية للمسلمين الكليّة والنسبية، بمعنى أن هذا النجاح يخلق مجتمع الحياة الفاضلة للأسرة البشرية التي تُطبقه ومن ترعاه، أو نسبية تحقق بعض معاني السمو والتقدم في العلوم والنهضة والعدالة الاجتماعية.

2- إن النص القرآني وصحيح السُنة لم يتعهدا أبداً بأن إيمان المسلمين هو عهدٌ لبقاء حياتهم الفاضلة، بل على العكس تم تحذير المسلمين بقوة وتكرار، من أن نقض متطلبات هذه الحياة سيرتد عليهم، وأن عليهم تحمل تبعات ذلك، ووضِع الظلم وتحويل الملك السياسي إلى وراثة كمقدمة شرور، وكان من أول ما أُسقِط الشورى السياسيةُ -حين بغى الاستبداد عليها- بنصٍ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أن ثقافة التبرير لمظلمة الحكم الجبري، كانت أول حجرٍ لسقوط وهزيمة أرض المسلمين بالصراع والحرب الداخلية.

3- إن كمال التجربة إلى حدٍ كبير وتحقيقها العدالة الاجتماعية -رغم تقدمها التاريخي قبل 1350 عاما- تحقق في حكم عمر بن عبد العزيز الذي أُيّد بإجماع علمي لا مثيل له في تاريخ المسلمين والعالم، واعتبِر ممثلاً للعهد الرشيد، وكانت ميزاته الكبرى الرحمة بالمواطنين، والعدالة بينهم مسلمين وغير مسلمين، وحرص الدولة لا على الحق السياسي والاقتصادي فقط، بل وعلى الرفاه لشعوبها.

وهنا ملحظٌ مهم حين اُعتبِرتْ إسلامياً هذه الفترة القصيرة معياراً للرشد للدولة الفاضلة، بينما لم تُتح لمن هو خيرٌ من عمر بن عبد العزيز في التفضيل الديني (الخلفاء الأربعة والحسن بن علي) هذه المساحة، بسبب ظروف نشأت الدولة والصراع الذي جرى، وهذا يعني أن تطور الظرف والوسائط والإمكانيات لتحقيق العدالة له مدار الاحتكام المعتبر في تاريخ المسلمين.

ولننتبه هنا كيف أن الفكر الفلسفي الحديث والقديم اعتنى بمدينة فاضلة وهمية لم تتحقق للفيلسوف الكبير أفلاطون، وأعاد الفلاسفة الحديث عنها دهراً، ولم يقف الباحثون بمقدارٍ كافٍ على تجربة تاريخية حقيقية تم تطبيقها في عهد عمر بن عبد العزيز، للقياس على أصولها الفلسفية لا أدواتها الزمانية.

4- وهكذا كلما نقض المسلمون عهداً من مواثيق شريعتهم في البناء السياسي والاجتماعي خسروا، غير أن ذلك النقض في أمور البناء الكبير في نظامهم وأخلاقهم حُوّل الوعظ فيه مع الزمن إلى معاصي الأفراد فقط، لا لكبائر الإثم التي ترتكبها الدول والأنظمة المتعاقبة في تاريخ المسلمين، وسيطر هذا المفهوم على خطاب ديني واسع، لدور المستبد في حصار الإنكار السياسي والحقوقي، وتسييسه المبكر لقضايا الخلاف العقدي أو بعض الخلاف الفقهي.

5- لكن هذا الخلل الكبير والمركزي في الحياة الإسلامية لا يُلغي الدور النسبي الذي يتسع أو يقل، لتأثير هذه الحضارة في منظومات الدول المسلمة المختلفة، وإن اختل فيها عهد الحكم والعدالة الاجتماعية منذ العهد الأموي.

فجوانب نهضة العلوم وترجمة الفلسفة وتقدم العمران، ونظافة البيئة والصحة، وصولاً إلى إنقاذ العثمانيين لليهود بعد أن قررت أوروبا المسيحية إبادتهم أو سحق إنسانيتهم؛ هي ملفات رئيسية في إعادة تقويم شمس الإسلام التي أشرقت أشعتها على الغرب باعتراف المنصفين، ولا يُعقل أن تُلغى في أي قراءة تقويمية دقيقة لهذه العهود.

الفلسفة بينها مشتركات ربما جمعت أفلاطون وأرسطو والفارابي فابن خلدون، وحتى شوبنهاور وباكون وعلي عزت بيغوفيتش، لكن المفصل هو دقة الرسم بين الروح والجسد، المادة والنفس، القيم والعقوبة، الحرية والفضيلة. وتلك هي المعادلة التي نحسب أن العالم الجديد في أشد الحاجة إليها لذاته

هنا تأتي مساحة البناء بعد التصحيح، وهو جمع هذه الخلاصات المعرفية المهمة وإعادة تنظيمها فكريا، والنظر في أزمة المسلمين وأزمة العالم الجديد، وهل معطيات هذه التجارب الإنسانية التي تعيشها البشرية هي مستويات رشاد ونقاء كبرى؟ وهل كل تجربة النهضة في أوروبا الحديثة والنظر في تركة صراعاتها وإحصائيات قتلاها وضحاياها أنشأت منظومة عدالة شاملة لشعوب العالم؟

وهل العالم الجديد -في أرقام صحته وسلامته وطمأنينته الروحية جنوباً وشمالاً- استوى على الجودي ومشكلته فقط في أزمة المسلمين مع ذاتهم؟ وهل هي أزمة بعيدة عن مسؤولية النظام الدولي الذي شاركت في إنشائه فلسفات اجتماعية أوروبية حديثة، على الأقل كقواعد تفكير نقلت الفلسفة الاجتماعية في الغرب إلى دساتير الدول الحديثة؟

ومع كل الإقرار بصور العدالة في آلة التنظيم القانوني الدستوري في الغرب، فهل هناك فراغ قائم للحياة المعاصرة فيه وفي مناطق تأثيره الإعلامي والفكري الواسعة؟ وهل جزء من مهمة تقديم العهد الجديد للعالم هو في فهم المسلمين لأزمة تخلفهم عن مقاصد الوعي ودمجها في معالم الآلة الدستورية؟

وهل البشرية عبر كل هذه الحياة -وليس في تاريخ التشريع الإسلامي فقط- بل في كل قصة الوجود، منذ أن دُوّن تاريخ الإنسان الأول وحتى تاريخ الأنبياء وصولا للحركة الوجودية بشقيّها الليبرالي واليساري، الذي تفيض به كتب المفكرين والفلاسفة من إيمانويل كانتْ إلى نيتشه، استطاعت الاستغناء عن سؤال الروح؟ وكيف يُقيم العالم مادة صناعته ونهضته ويتعامل مع هذه الروح التي اعترف بها الملحد والمؤمن؟

هنا مفصل القضية، أن الفلسفة بينها مشتركات ربما جمعت أفلاطون وأرسطو والفارابي فابن خلدون، وحتى شوبنهاور وباكون وعلي عزت بيغوفيتش، لكن المفصل هو دقة الرسم بين الروح والجسد، المادة والنفس، القيم والعقوبة، الحرية والفضيلة. تلك هي المعادلة التي نحسب أن العالم الجديد في أشد الحاجة إليها لذاته وليس المسلمون فقط، ولكن الأزمة تكمن في أننا اليوم متخلّفون كأمة في تحرير أنفسنا وتحرير فكرنا للعالم.

المصدر : الجزيرة

التعليقات