عبد اللطيف محمد سعيد

عبد اللطيف محمد سعيد

محلل سياسي وأكاديمي سوداني

التدخل الخارجي والانفصال
صراع من أجل البقاء
حرب المصالح والنفوذ

أعلِنت دولة جنوب السودان كدولة جديدة في منظومة دول العالم يوم 9 يوليو/تموز 2011، بعد حرب أهلية استمرت جولتها الأولى (1959 - 1972) ثم تجددت (1983 - 2005)، واعتبِرت أطول حرب أهلية تشهدها القارة الأفريقية. تم إجراء استفتاء في 9 يناير/كانون الأول 2011 وكانت نتيجته أن اختار 98.83% الانفصال عن جمهورية السودان.

التدخل الخارجي والانفصال
ويعتبر المحللون السياسيون أن النخب الجنوبية وبعض الدول الخارجية أثرت على المواطن الجنوبي، وأغرته بأن الأموال ستتدفق على الجنوب ودفعت به إلى المطالبة بالانفصال.

كلّ الأطراف الأجنبية تحاول احتواء الأوضاع في جنوب السودان، ولكنها تخاف من تدويل الصراع مثل خوفها على مصالحها الاقتصادية مع دولة الجنوب، وخاصة فيما يتعلق بتصدير النفط عبر جمهورية السودان، إذ من دون إنتاج النفط وتسويقه سيصبح الجنوب عبئًا وعالةً على هذه الدول وعلى المجتمع الدولي

من الدول التي ساعدت الجنوب على الانفصال إسرائيل، والآن بعد انفصال دولة جنوب السودان يتضح أن الموقع الجيوسياسي لمنطقة جنوب السودان صار ذا أهمية بالغة لإسرائيل، بحسبان أنها تقع في أعالي منابع نهر النيل، فإقامة علاقات قوية معها من شأنه أن يحقق مكاسب عديدة لإسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ويحاصر السودان ثم يمتد ذلك الحصار إلى مصر باستغلال نهر النيل.

وهذا ما حدا بإسرائيل إلى الاعتراف بالدولة الجديدة بعد ساعات من إعلان قيامها، وأقامت معها علاقات دبلوماسية وعيّنت مسؤولاً في وزارة الخارجية الإسرائيلية لمتابعة ملف الدولة الوليدة، وسمت سفيرها لدى جوبا، كما نُظمت زيارة رسمية معلنة لوفد إسرائيلي برئاسة داني دانون نائب رئيس الكنيست إلى جوبا عاصمة دولة الجنوب.

ومنذ أواخر أغسطس/آب 2011 -أي بعد شهر أو أقل من الانفصال- فتحت إسرائيل المجال أمام تنوع الاتصالات والزيارات بين الطرفين، على مستويات عدة رسمية وشعبية. وفي ديسمبر/كانون الثاني 2011 فتحت صدرها لاستقبال رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت ليصل إلى إسرائيل، في زيارة وُصفت بأنها رد للتحية أو اعتراف بجميل إسرائيل ومساعدتها لدولة الجنوب.

كما ساعدت أوغندا الجنوبَ على الانفصال، ويؤكّد هذا الاستنتاج مسارعة الرئيس سلفاكير إلى طلب الدعم من دول الجوار التي هدّدت -وعلى رأسها أوغندا- بالتدخل لمنع إزاحته بالقوّة.

وعليه يمكن لقول إن جنوب السودان صار نقطة تقاطع مصالح بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بل وحتى الصين؛ فبالنسبة إلى واشنطن يمثّل جنوب السودان أهمية خاصة من الناحية الجيوستراتيجية، وخاصة بعد إنشاء القيادة العسكرية لأفريقيا (أفريكوم).

في حين يمثّل وجود الشركات الصينية في المنطقة تحدّيا اقتصاديًّا لنظيرتها الأميركية التي تبدو مهتمّة بفرص الاستثمار في هذه الدولة البكر، في قطاعات الزراعة والمعادن والثروة الغابية وغيرها، خصوصًا أنّ حكومة السودان قبل الانفصال أبرمت مع الصين عقودًا طويلة الأجل قطعت عليها الطريق إلى قطاع النفط الحيوي في الجنوب.

ولبريطانيا مصالحها أيضًا بحكم كونها القوة الاستعمارية السابقة في السودان، وأوغندا، وكينيا، وكلّ هذه الأطراف تحاول احتواء الأوضاع في جنوب السودان، ولكنها تخاف من تدويل الصراع مثل خوفها على مصالحها الاقتصادية مع دولة الجنوب، وخاصة فيما يتعلق بتصدير النفط عبر جمهورية السودان، إذ من دون إنتاج النفط وتسويقه سيصبح الجنوب عبئًا وعالةً على هذه الدول وعلى المجتمع الدولي.

صراع من أجل البقاء
ومنذ نشأة هذه الدولة -بعد حرب أهلية أسفرت عن مقتل مليونين شخص، وتهجير أربعة ملايين- تصارع دولة جنوب السودان من أجل البقاء، رغم اعتقاد الكثير من المحللين السياسيين أن فترة المخاض الصعبة قد مرت وولدت دولة جديدة، ولكن سرعان ما تفجرت بين القبيلتين الجارتين: "الدينكا" التي منها الرئيس سيلفاكير، و"النوير" التي منها نائبه رياك مشار، وقد شاركا في الحروب التي قادتها الحركة الشعبية ضد السودان.

رغم أن انفصال الجنوب عن السودان جاء سلِسا وتحت بند حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، الذي أقرته اتفاقية نيفاشا للسلام الموقعة في كينياعام 2005، والتي أنهت أطول حرب أهلية بين الشمال والجنوب في السودان؛ فإن طرفيْ هذه الحرب دخلا مجددا -بعد إعلان الانفصال- في توترات بل واشتباكات مسلحة، حيث إن مجموعة من القضايا لم تكن قد حُسمت، أبرزها الحدود والنفط الذي ذهب ما يعادل 75% منه إلى الجنوب.

تفجّرت النزاعات بين القيادات الجنوبية بصورة علنية بعد أن أعلن رياك مشار -عقب إعفائه من منصبه- أنّه ينوي الترشُّح لمنصب الرئيس في الانتخابات المزمع إجراؤها في 2015. وقف إلى جانب مشار في إعلانه هذا عددٌ من المسؤولين السابقين الذين أطاحهم الرئيس سلفاكير في إطار جهده للتخلّص من القيادات التاريخية التي قادت معه حرب التحرير

وبعد عامين من الانفصال -وإضافة إلى استمرار النزاعات بين جوبا والخرطوم حول ترسيم الحدود بين البلدين، والإنتاج النفطي- فإن المشكلة التي تواجه هذه الدولة الجنوبية تتمثل في مواصلة استخدام البنية الأساسية الموجودة في الشمال، مثل خطوط الأنابيب لتصدير نفطها ووسائل النقل النهري والموانئ البحرية خصوصاً، نظراً لعدم توافر منافذ بحرية للدولة الوليد، مما يجعلها تعتمد كليا على الدول المجاورة ذات المنافذ البحرية مثل السودان وكينيا.

فبين شهر يناير/كانون الثاني 2012 وشهر أبريل/نيسان 2013 قررت جوبا توقيف إنتاجها النفطي الذي يقدر بنحو 350 ألف برميل في اليوم الواحد، بسبب نزاعها مع الخرطوم حول نسبة عبور النفط في خطوط الأنابيب التي تمتلكها جمهورية السودان.

كما أشار محللون إلى أن ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء الاضطرابات في جنوب السودان: السبب الأول، هو أن الفترة التي مرت على استقلال جنوب السودان قصيرة نسبيا، وبذلك فإن المسؤولين الحكوميين يفتقرون إلى الخبرة في إدارة الحكم. والسبب الثاني أن هناك العديد من القبائل المختلفة في جنوب السودان، والإخلاص للقبيلة يأتي في المقام الأول ثم بعده الإخلاص للدولة، مما أدى إلى الصراع على السلطة والثروة بين القبائل المختلفة.

أما السبب الثالث فهو أن سيطرة الحكومة المركزية على الجيش محدودة، مما يجعل الصراع يتأجج دائما... وخاصة أن الجيش يفتقر إلى التنظيم العسكري الدقيق رغم تدريبه على استعمال السلاح، وجنوده من الشبان الأميين وغير المنضبطين الذين تعلَّموا إطلاق النار، لكنهم لم يتلقوا أي تدريب عسكري آخر.

تفجّرت النزاعات بين القيادات الجنوبية بصورة علنية بعد أن أعلن رياك مشار -عقب إعفائه من منصبه- أنّه ينوي الترشُّح لمنصب الرئيس في الانتخابات المزمع إجراؤها في 2015. وقف إلى جانب مشار في إعلانه هذا عددٌ من المسؤولين السابقين الذين أطاحهم الرئيس سلفاكير في إطار جهده للتخلّص من القيادات التاريخية التي قادت معه حرب التحرير.

ومن أبرز هؤلاء الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم، ووزير الدولة الأسبق لخارجية السودان قبل الانفصال دينق ألور، وربيكا قرنق أرملة مؤسّس الحركة الراحل جون قرنق. وتطابقت رغبة هذه المجموعة -في ما يبدو- مع رغبة رياك مشار في ألّا يحصل سلفاكير على فترةٍ رئاسية ثانية، مع بروز بعض النعرات القبلية التي تخشى أن تنفرد قبيلت الدينكا بالسلطة تماما.

فقبائل الدينكا تمثّل ما نسبته 40% من المجموعة النيلية، وتأتي قبيلة النوير في المرتبة الثانية بما نسبته نحو 20% وهي القبيلة التي ينتمي إليها رياك مشار نائب الرئيس المقال، ثمّ تأتي قبيلة الشلك بنسبة 5%، وهي القبيلة التي ينتمي إليها كلّ من باقان أموم، ولام أكول أجاوين وهو أحد القيادات التاريخية للحركة الشعبية.

وكان هذا الأخير اختلف مع جون قرنق وأصبح حليفًا للخرطوم...، وظلّ هناك حتى بعد أن انفصلت الحركة الشعبية في جنوب السودان.

حرب المصالح والنفوذ
لقد ظهر جليا الصراع على المصالح والنفوذ والسيطرة على مقدّرات البلد والدولة بين قبائل أو بعبارة أدق بين الدينكا وكل الجنوب بقبائله المختلفة، بعد أطول حرب أهلية في التاريخ الحديث قادت إلى انفصال الجنوب عن الشمال ولكنها لم تؤدّ إلى استقرار الجنوب.

لقد بدأت الحرب الأهلية السودانية الجنوبية قبل بضعة أيام فقط من عيد الميلاد عام 2013، ففي 15 ديسمبر/كانون الأول اندلع القتال في العاصمة جوبا بين عناصر قبليّة من الحرس الرئاسي، وسرعان ما انتشر في جميع أنحاء المدينة.

وفي الأيام والأشهر التي تلت ذلك ذُبِح خمسون ألف سوداني جنوبي، وشُرِّد 2.5 مليون من المدنيين داخليًا، أو فرّوا إلى بلدان مجاورة... كانت حربا أهلية جديدة في بلد لم يتجاوز بعدُ أربع سنوات من عمره.

انطلقت شرارة الحرب في اجتماع مجلس التحرير الوطني في نياكورون، عندما صوت زعماء المعارضة -وهم رياك مشار وباقان أموم وريبيكا قرنق- لصالح مقاطعة الاجتماع في ذلك اليوم (الأحد 15 ديسمبر/كانون الأول 2013).

أمر الرئيس سلفاكير قائد الحرس الرئاسي (كتيبة النمر) اللواء ماريل سينونغ العامل في الحركة الشعبية لتحرير السودان بمغادرة مكان الاجتماع في جوبا والعودة إلى ثكنات الجيش لنزع سلاح القوات. بعد نزع سلاح جميع الأعراق داخل الحرس الرئاسي، زعم ماريل أن أعضاء الحرس من الدينكا أعادوا تسليح أنفسهم...، وبعد ذلك أعاد جنود النوير أيضا تسليح أنفسهم.

توقع المحللون السياسيون أن تصبح دولة الجنوب دولة فاشلة إذا لم تتوصل إلى تسوية سياسية يمكن أن تساعد في وضع حد لاستنزاف هائل للميزانية الحكومية، وتسمح لجوبا باستخدام أموالها -بدلًا من الصرف على الحرب- في إعادة بناء البنية التحتية لآبار النفط، والاستثمار في الخدمات العامة

اندلع القتال بين عناصر الدينكا والنوير في الحرس الرئاسي ابتداء من مساء اليوم نفسه وحتى بعد ظهر يوم غد (الاثنين)، حيث بدأ سقوط الضحايا المدنيين في الحرب الأهلية عندما استهدف عناصر الدينكا في الحركة الشعبية المدنيين النوير في العاصمة جوبا.

قال الرئيس سالفاكير إن ما حدث محاولة انقلاب، وألقى اللوم على نائبه السابق رياك مشار متهما إياه بالتحريض على انقلاب عليه أعلن أنه تم إفشاله في اليوم التالي، لكن اندلع القتال مرة أخرى في 16 ديسمبر/كانون الأول وانتشر إلى ما بعد العاصمة جوبا، ثم في جميع أنحاء مدينة جونقلي التي هي عرضة للصراع العرقي.

أما عن الوضع الاقتصادي فقد حذَّر صندوق النقد الدولي من أن التضخم سيستهلك الاقتصاد قبل نهاية 2015، وبين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2015 انخفضت قيمة العملة السودانية الجنوبية مقابل الدولار الأميركي من 4.5 إلى 11.

وقد جعل التضخم الهائل -في نهاية المطاف- استخدام الجنيه الجنوبي لدفع رواتب الجيش لا طائل منه، وجيش غير مدفوع الأجر على نحو فعال ويعيش في خضم الحرب يمكن أن يكون قوة مزعزعة للاستقرار.

إن المحللين السياسيين توقعوا أن تصبح دولة الجنوب دولة فاشلة إذا لم تتوصل إلى تسوية سياسية يمكن أن تساعد في وضع حد لاستنزاف هائل للميزانية الحكومية، وتسمح لجوبا باستخدام أموالها -بدلًا من الصرف على الحرب- في إعادة بناء البنية التحتية لآبار النفط، والاستثمار في الخدمات العامة التي دمرها القتال، في ظل حكومة قوية تتمتع بإجماع الشعب عليها بعيداً عن الانتماءات الإثنية القبلية.

وتكمن خطورة الوضع بجنوب السوداني في أن المعارك اتخذت بعداً إثنياً خالصاً، وهو ما سيقود إلى حرب أهلية حقيقية ذات أبعاد إثنية في جنوب السودان، ينجم عنها سقوط قتلى من المدنيين بسبب انتمائهم الإثني، والهروب واللجوء إلى دول الجوار خاصة السودان، وهذا ما أكدته الإحصائيات مؤخراً.

ولأن حكومة جنوب السودان لم تستمع إلى النصح ولم تحكّم صوت العقل فقد وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم، وأصبحت دولة جنوب السودان بلدا يعاني من المجاعة.

فبعد أن اتسعت دائرة الحرب؛ أعلنت حكومة جنوب السودان وثلاث منظمات تابعة للأمم المتحدة المجاعة في الجنوب، وأكدوا أن الحرب والاقتصاد المنهار خلّفا مئة ألف شخص يتضورون جوعا في أجزاء من البلاد، وتوقعت وكالات الأمم المتحدة أن نحو مليون شخص إضافي يُعتقد أنهم على حافة المجاعة في هذه البلاد التي مزقتها الحرب.

وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) وبرنامج الأغذية العالمي أن هناك حاجة ملحة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع موت مزيد من المواطنين جوعا، وإن كان لا تلوح في الأفق أية بادرة لوقف الصراع الدائر على أساس عرقي وإثني في جنوب السودان. وهكذا صار جنوب السودان أول دولة تعلِن المجاعة منذ ست سنوات، وهي الدولة التي تتمتع بمقومات اقتصادية يأتي النفط على رأسها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك