ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

أهمية الجولة المقبلة
أربعة بنود للمفاوضات
إشكاليات التفاوض 

تشخص الأنظار نحو الجولة الخامسة من مفاوضات جنيف السورية/السورية، والتي أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا عقدها الخميس القادم، في محاولة منه لتلافي الإخفاق الحاصل في الجولة التفاوضية السابقة التي عُقدت أواخر فبراير/شباط الماضي.

وكانت مفاوضات جنيف 4 -التي استمرت حوالي عشرة أيام- انتهت دون نتائج تذكر بشأن إمكان تحقيق نقلة في الصراع السوري الدامي والمدمر، إذ ما زال النظام يصرّ على عدم التقدم ولو خطوة واحدة باتجاه التفاوض على التغيير السياسي، أو المرحلة الانتقالية، بحسب مضمون بيان جنيف 1 (2012)، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخاصة القرارين 2218 و2254 اللذين رسما "خريطة طريق" لوقف الصراع السوري.

وذلك رغم أن المعارضة قدمت قبل ذلك التنازل المطلوب منها، وهو القبول بما يسمى حكومة مشتركة مع النظام، التي قد يفهم منها القبول بوجود بشار الأسد في المرحلة الانتقالية بصلاحيات بروتوكولية.

أهمية الجولة المقبلة
تنبع أهمية جولة جنيف الخامسة من أنها تأتي عقب تطورات يكمن أهمها في الآتي:
- أولاً، دخول الولايات المتحدة الأميركية على خط الصراع في سوريا بصورة مباشرة، ولو من باب مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن باب معركة إخراجها من مدينة الرقة، الأمر الذي عبرت عنه بتدعيم قواتها العسكرية في شمالي الأراضي السورية.

دي ميستورا صرح أمام مجلس الأمن الدولي (يوم 9/3) بأن مفاوضات جنيف القادمة ستتناول في بند مكافحة الإرهاب وضع المليشيات الأجنبية في سوريا، بل إن سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي تحدثت عن إخراج إيران ووكلائها من سوريا على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها

- ثانياً، تبلور تنسيق ميداني بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، تمثل في اجتماع رؤساء أركان هذه الدول في مدينة أنطاليا التركية، في الأسبوع الثاني من مارس/الجاري.

- ثالثاً، ظهور نوع من التوافق الدولي والإقليمي على تحجيم نفوذ إيران على مستوى الإقليم، وهو الأمر الذي تبلور مع مجيء دونالد ترمب إلى رئاسة البيت الأبيض الأميركي، ومع تباين الأولويات والمصالح بين روسيا وإيران بشأن من يملك تقرير مصير سوريا.

وهذا ما عبر عنه المبعوث الدولي دي ميستورا بتصريحه أمام مجلس الأمن الدولي (يوم 9/3) قائلا إن مفاوضات جنيف القادمة ستتناول في بند مكافحة الإرهاب وضع المليشيات الأجنبية في سوريا، بل إن سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي تحدثت عن إخراج إيران ووكلائها من سوريا على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها.

- رابعاً، هذه الجولة تأتي بعد اجتماعات القمة في موسكو -التي جمعت الرئيس بوتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كل على حدة (يومي 9 و10/3)، وفيه تمت مناقشة الوضع السوري والنفوذ الإيراني في سوريا.

والمعنى من ذلك أن الجولة التفاوضية القادمة ستكون جد مهمة ليس لأنها ستحل المشكلة، ولكن باعتبارها ستشكّل المفتاح لإيجاد حل للصراع السوري الذي دخل الآن عامه السابع.

أربعة بنود للمفاوضات
فوق كل ما تقدم؛ فإن أهمية هذا الجولة الخامسة تنبع من كونها ستناقش وبشكل محدد قضايا التغيير السياسي في سوريا، إذ إن دي ميستورا أكد -في تصريحاته خلال المؤتمر الصحفي الختامي للجولة الرابعة- أن المفاوضات ستجري وفقاً للخطوط العامة التي وردت في قرار مجلس الأمن الدولي (2254).

وأن الهدف المتوخّى يضمن إقامة حكومة شاملة وغير طائفية خلال ستة أشهر، وصياغة الدستور خلال ستة أشهر أخرى، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية العملية التي تستغرق 18 شهراً.

وعلى هذا الأساس؛ فإن دي ميستورا استطاع -وبمساعدة الأطراف الدولية- حصر جدول أعمال المفاوضات القادمة في أربعة بنود، هي: الانتقال السياسي (مما يعني إنشاء حكومة مشتركة)، وصوغ الدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب.

وفيما يخص البند الأخير؛ ثمة تصريحات لدي ميستورا تفيد بأن هذا البند سيتضمن أيضاً قضية وجود الميلشيات الأجنبية في سوريا (كما ذكرنا)، وأن القضايا المذكورة ستبحث بالتوازي وليس بالتوالي، وستتم مناقشة كل قضية على حدة في مفاوضات خاصة، بحيث تكون ثمة أربعة مسارات للجولة المقبلة من المفاوضات.

تركيز نقاط ورقة دي ميستورا المقدمة للمتفاوضين على العموميات، وعدم خوضها في المسائل المتعلقة بتحقيق الانتقال السياسي -ومنها مصير بشار الأسد- يجعلها من دون معنى سياسي ملموس، ويترك الأمر مفتوحاً لتفسيرات الجانبين، وخاصة لتطورات الوضع الميداني على الأرض، والتغيرات المحتملة في سياسات الفاعلين الدوليين والإقليميين

ولعله من المفيد هنا التذكير بأن المبعوث الدولي رفض مناقشة القضايا المتعلقة بوقف القتال، وحل المسائل الإنسانية ومكافحة الإرهاب (من الناحية الإجرائية) في مفاوضات جنيف، تاركاً ذلك لمسار مفاوضات أستانا، وأنه أعد نوعاً من اتفاق الإطار -أو "لا ورقة"- من 12 بنداً، قدمها إلى الطرفين المتفاوضين لمناقشتها وإقرارها في الجولة المقبلة.

وقد تضمنت تلك البنود صيغاً من قبيل: "احترام سيادة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها أرضاً وشعباً"، و"تمتّع سوريا بالمساواة التامة من حيث السيادة الوطنية"، و"يقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده بالوسائل الديمقراطية عن طريق صندوق الاقتراع"، و"سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية، تقوم على المواطنة والتعددية السياسية".

والتأكيد على "الوحدة الوطنية والتمثيل العادل بإدارة المحليات في الدولة والإدارة المحلية"، و"استمرارية عمل الدولة ومؤسساتها العامة، وتحسين أدائهما مع إجراء إصلاحات"، و"احترام حقوق الإنسان والحريات"، و"إسناد قيمة عالية للهوية الوطنية لسوريا"، و"ضمان السلامة والمأوى للمشردين واللاجئين، بما في ذلك حقهم في العودة إلى ديارهم إذا رغبوا، وصون وحماية التراث الوطني والبيئة الطبيعية".

بيد أن ما يجدر الانتباه إليه -بخصوص هذه "اللا ورقة"- هو:
- أولاً، أن النقاط المطروحة هي من النوع العمومي غير المختلف عليه، وهذا يحسب لها. وهو ما يفسّر ترحيب الطرفين بها من حيث المبدأ، وهذا تطور مهم وإيجابي يفترض البناء عليه في الجولة القادمة من المفاوضات.

- ثانياً، أن تركيز تلك النقاط على العموميات، وعدم خوضها في المسائل المتعلقة بتحقيق الانتقال السياسي -ومنها مصير بشار الأسد- يجعلها من دون معنى سياسي ملموس، ويترك الأمر مفتوحاً لتفسيرات الجانبين، وخاصة لتطورات الوضع الميداني على الأرض، والتغيرات المحتملة في سياسات الفاعلين الدوليين والإقليميين في الملف السوري؛ ولا سيما منها الإستراتيجية المقبلة للإدارة الأميركية الجديدة بخصوص الصراع السوري.

- ثالثاً، إن هذا التقييم لـ"لا ورقة" دي ميستورا لا يغفل بعض النقاط المهمة الواردة فيها، والتي تفيد في التغيير السياسي، وفي صوغ إجماع حول شكل سوريا المستقبل، مما يفترض البناء عليه.

ومن ذلك النقطة الرابعة التي نصّت على اعتبار "سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية، تقوم على المواطنة والتعددية السياسية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء، وحماية الوحدة الوطنية، والاعتراف بالتنوع الثقافي للمجتمع السوري، وحماية الحريات العامة".

وأيضاً النقطة السابعة التي تحصر مهمة القوات المسلحة في "حماية الحدود الوطنية، وحفظ شعبها من التهديدات الخارجية، وفقاً للدستور. وعلى أجهزة المخابرات والأمن أن تركز على صيانة الأمن الوطني، وتتصرف وفقاً للقانون".

إشكاليات التفاوض
الجدير ذكره أن العملية التفاوضية السورية/السورية تكتنفها تعقيدات وإشكاليات كثيرة، يكمن أهمها في:

- أولاً، أن السوريين (أي النظام والمعارضة) ليسا من يحدّد طبيعة المفاوضات، إذ بيّنت مفاوضات جنيف وأستانا أن الأطراف الخارجية (أي الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران) هي التي تحدد مسار المفاوضات وموضوعاتها وأولوياتها، وحتى أطرافها، مع غياب ملحوظ للدور العربي، على رغم تبايناته.

- ثانياً، هذه المفاوضات استمرت وفقاً لقاعدة دولية وإقليمية مفادها عدم تمكين أي من الطرفين (النظام ولا المعارضة) من التغلّب على الآخر، لا بالوسائل السياسية ولا بالعسكرية.

ويستنتج من ذلك أن الأطراف الخارجية -سواء اعتبرت مساندة للنظام أو داعمة للمعارضة- ظلت تشتغل على أساس المحافظة على ديمومة الصراع الدامي والمدمر في سوريا، والذي استنزفها، وهجّر شعبها، وقوّض إجماعاتها الداخلية، وأطاح بسيادتها، وأضعف بُنى الدولة فيها، بدل الاشتغال على إنهائه.

وطبعاً هذا يستثني إيران التي عملت وفقاً لأجندتها الرامية إلى تعزيز نفوذها وهيمنتها في المشرق العربي، من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا. وهذا يفيد أيضاً بأن التدخل الروسي -على وحشيته وبشاعته- جرى في إطار التفاهم الدولي والإقليمي، لا سيما بعد انكشاف التباعد في الأجندة بين إيران وروسيا.

الأطراف الخارجية -سواء اعتبرت مساندة للنظام أو داعمة للمعارضة- ظلت تشتغل على أساس المحافظة على ديمومة الصراع الدامي والمدمر في سوريا، والذي استنزفها، وهجّر شعبها، وقوّض إجماعاتها الداخلية، وأطاح بسيادتها، وأضعف بُنى الدولة فيها، بدل الاشتغال على إنهائه

- ثالثاً، لم تَجْرِ العملية التفاوضية -في أي وقت- وفقاً لمعطيات الثورة بمعانيها وأهدافها المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، وإنما جرت وتجري وفقاً لسياسة الأمر الواقع، أي موازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية المتعلقة بالصراع على سوريا (وليس الصراع في سوريا).

- رابعاً، في حين يبدو النظام موحّداً في خطاباته وأجندته وحتى في تشكيلته التفاوضية، كما لاحظنا؛ فإن المعارضة -في المقابل- تبدو غير ثابتة أو موحدة، لا في خطاباتها ولا في أجندتها ولا في تشكيلتها التفاوضية، وهو ما يضعف صدقيتها وفاعليتها.

وبناءً على ما تقدم، ربما تطلب هذا الوضع من وفد المعارضة السورية التصرّف على أساس إدراك مسألتين:

الأولى، أن النظام الذي فعل كل ما فعله بشعب سوريا وعمرانها -طوال السنوات الست الماضية- لا يمكن أن يرضخ بالحوار، أو أن يقتنع بحجج المفاوضين المعارضين ومطالبهم، مهما كانت بليغة ومحقّة. أي أن الحوار أو المفاوضة هنا لا تجرى مع النظام تحديداً، حتى وهو يقف في المقابل مباشرة أو مداورة عبر الوسيط الدولي.

والثانية، تتمثل في ضرورة اعتبار الصراع التفاوضي -الحاصل في جنيف- جزءاً من الصراع على الرواية والصورة، وعلى مكانة المعارضة أمام شعبها وفي العالم، لا أكثر ومن دون أية أوهام.

يُستنتج من ذلك أن معطيات تفاوضية على هذا النحو لا تضع المعارضة السورية -على ضعف بُناها السياسية والعسكرية والمدنية- سوى أمام خيار واحد، ينبغي أن ينبني على أساس تحجيم الخسائر والأخطار إلى أقصى حد، بإنهاء حال التقتيل والتدمير والتهجير في البلد؛ أولاً.

وثانياً، السعي للبناء على الوضع الدولي، والمتغيرات الحاصلة في الصراع على سوريا، لإيجاد التقاطعات المناسبة التي تمكّن المعارضة من التعويض عن الخلل في موازين القوى، وتالياً إيجاد حل للمسألة السورية يتأسس على رحيل نظام الأسد، كمرحلة لا بد منها لإنهاء الاستعصاء الحاصل في هذا الصراع الدامي.

وفي انتظار جنيف 5؛ لا يوجد حتى الآن ما يفيد بعدم الوصول إلى جنيف 10 أو ربما أكثر، مع كل التداعيات الكارثية التي ستظل تنجم عن بقاء نظام الأسد واستمرار الصراع السوري، لكن لنأمل خيراً لكل السوريين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك