جوزيف س. ناي، الابن

جوزيف س. ناي، الابن

كاتب أميركي وأستاذ في جامعة هارفارد

أثارت سلسلة من الأحداث في السنوات الأخيرة -بما في ذلك تدخلات روسيا الإلكترونية في الولايات المتحدة لصالح انتخاب دونالد ترمب رئيسا، والهجمات الإلكترونية المجهولة التي عطلت شبكة كهرباء أوكرانيا 2015، وفيروس "ستكسنت" الذي دمر ألف جهاز طرد مركزي بإيران- قلقا متزايدا بشأن الصراع في الفضاء الإلكتروني.

وفي مؤتمر الأمن المنعقد بميونيخ الألمانية الشهر الماضي، أعلن وزير الخارجية الهولندي بيرت كوندرز تشكيل لجنة عالمية جديدة وغير حكومية للعمل على استقرار الفضاء الافتراضي وتدعيم مجموعة الأمم المتحدة للخبراء الحكوميين (GGE).

وساعدت تقارير فريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة -في أعوام 2010، و2013، و2015- على وضع جدول أعمال المفاوضات حول الأمن الإلكتروني، وآخرها تحديد مجموعة من المعايير التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكن رغم هذا النجاح الأولي، فإن صلاحيات فريق الخبراء الحكوميين محدودة. المشاركون هم من الناحية الفنية مستشارو الأمين العام للأمم المتحدة وليسوا مفاوضين وطنيين يتمتعون بكامل السلطة. ورغم أن عدد المشاركين ارتفع من 15 إلى 25، فإن معظم البلدان لا تملك صوتا.

تم وضع القانون الرسمي لعدم استخدام الأسلحة النووية الذي غير تلك الحقيقة. ويرى الاقتصادي الحائز جائزة نوبل توماس شيلينغ إن تطوير قانون عدم استخدام الأسلحة النووية ساهم في الحد من التسلح على مدى السنوات السبعين الماضية، وكان له تأثير مُثبط على صناع القرار

لكنْ هناك سؤال أكبر يُطرح على فريق الخبراء الحكوميين: هل يمكن للقوانين أن تحد حقا من سلوك الدولة؟

يتفق معظم الخبراء على أن معاهدة الفضاء الإلكتروني العالمية حاليا ستكون مستحيلة من الناحية السياسية، رغم تقديم روسيا والصين هذه المقترحات في الأمم المتحدة.

لكن ما عدا المعاهدات الرسمية، فإن القيود التنظيمية على الدول تشمل أيضا مدونات سلوك وممارسات الدولة التقليدية، وتوقعات مشتركة على نطاق واسع من السلوك السليم.

وفي هذا الإطار، يمكن لهذه القيود أن تختلف على المستوى العالمي، والمستوى المتعدد الأطراف، والمستوى الثنائي. لكن بماذا يمكن أن يفيدنا التاريخ بخصوص فعالية أدوات السياسة المعيارية؟

في العقد ما بعد هيروشيما، كانت الأسلحة النووية التكتيكية تعتبر -على نطاق واسع- سلاحا "طبيعيا"، وقد دمج الجيش الأميركي المدفعية النووية، والألغام الأرضية الذرية، والأسلحة المضادة للطائرات النووية، في قواته المنتشرة.

وفي 1954 و1955، اقترح رئيس هيئة الأركان المشتركة للرئيس دوايت أيزنهاور أن دفاع "ديان بيان فو" -في فيتنام والجزر القريبة من تايوان- يتطلب استخدام الأسلحة النووية، لكن إيزنهاور رفض نصيحة الهيئة.

ومع مرور الزمن، تم وضع القانون الرسمي لعدم استخدام الأسلحة النووية الذي غير تلك الحقيقة. ويرى الاقتصادي الحائز جائزة نوبل توماس شيلينغ إن تطوير قانون عدم استخدام الأسلحة النووية ساهم في الحد من التسلح على مدى السنوات السبعين الماضية، وكان له تأثير مُثبط على صناع القرار.

لكن بالنسبة للدول النووية الجديدة -مثل كوريا الشمالية- لا يمكن للمرء أن يكون على يقين من أن تكاليف انتهاك المحرمات سينظر إليها على أنها تفوق كل الفوائد.

وبالمثل، فإن تحريم استخدام الغازات السامة في الحروب تم بعد الحرب العالمية الأولى، ويحظر بروتوكول جنيف لعام 1925 استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وهناك معاهدتان في 1970 تحظران إنتاج وتخزين هذه الأسلحة، وثمن استخدامها وامتلاكها مكلف للغاية.

وتبقى أحكام التحقق من وجود أو استعمال الأسلحة البيولوجية ضعيفة (مجرد تقديم التقارير إلى مجلس الأمن للأمم المتحدة)، ومثل هذه المحرمات لم تمنع الاتحاد السوفياتي من الاستمرار في امتلاك وتطوير الأسلحة البيولوجية في 1970. وبالمثل، فإن اتفاقية الأسلحة الكيميائية لم توقف صدام حسين أو بشار الأسدعن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد مواطنيهما.

هناك نهج أكثر فعالية لوضع ضوابط معيارية على الحرب الإلكترونية بهدف منع ليس الأسلحة فقط وإنما أهدافها أيضا. وقد دافعت الولايات المتحدة عن فكرة تطبيق قانون النزاعات المسلحة (LOAC) -الذي يحظر الهجمات المتعمدة على المدنيين- في الفضاء الإلكتروني

ومع ذلك، فقد غيرت كلتا المعاهدتين نظرة الآخرين إلى مثل هذه الأعمال. وساهمت هذه التصورات في تبرير غزو العراق عام 2003 وفي التفكيك الدولي لمعظم الأسلحة السورية في 2014.

مع 173 دولة -التي صدقت على اتفاقية الأسلحة البيولوجية- فإن الدول التي ترغب في تطوير مثل هذه الأسلحة يجب أن تفعل ذلك سرا، وتواجه إدانة دولية واسعة إذا كانت هناك دلائل على أنشطتها.

قد تصبح التابوهات المعيارية أيضا ذات صلة بمجال الإنترنت، رغم أن الفرق بين استعمالها كسلاح أو غير ذلك يعتمد على النوايا، وسيكون من الصعب منع -ومن المستحيل حظرها بشكل موثوق- تصميم وحيازة أو حتى زرع بعض برامج التجسس في الكمبيوتر.

وبهذا المعنى، لا يمكن للجهود المبذولة لمنع حرب الإنترنت أن تكون مثل مراقبة الأسلحة النووية التي وُضعت خلال الحرب الباردة، وكانت تتضمن معاهدات متقنة ونظم تحقيق تفصيلية.

هناك نهج أكثر فعالية لوضع ضوابط معيارية على الحرب الإلكترونية بهدف منع ليس الأسلحة فقط وإنما أهدافها أيضا. وقد دافعت الولايات المتحدة عن فكرة تطبيق قانون النزاعات المسلحة (LOAC) -الذي يحظر الهجمات المتعمدة على المدنيين- في الفضاء الإلكتروني.

ووفقا لذلك، اقترحت الولايات المتحدة أنه بدلا من الالتزام "بعدم البدء باستخدام" الأسلحة الإلكترونية، ينبغي على البلدان أن تتعهد بعدم استخدام هذه الأسلحة ضد منشآت مدنية في زمن السلم.

وقد تم اعتماد هذه المقاربة للمعايير من قبل فريق الخبراء الحكوميين. وستدعم ذلك تدابير بناء الثقة مثل منح المساعدة للطب الشرعي، وعدم التدخل في عمل فرق الاستجابة لحوادث أمن الحاسب الآلي (CSIRTs).

كما ركز تقرير فريق الخبراء الحكوميين لدى الأمم المتحدة في يوليو/تموز 2015 على كبح شن الهجمات على أهداف مدنية معينة، بدلا من تحريم كود معين.

وفي قمة سبتمبر/أيلول 2015 بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الصيني شي جين بينغ؛ اتفق الزعيمان على تشكيل لجنة من الخبراء لدراسة اقتراح فريق الخبراء الحكوميين. وصُدّق لاحقا على تقرير فريق الخبراء الحكوميين من قبل قادة المجموعة الـ20، وبالاستشارة مع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لكنْ وقَع الهجومُ على نظام الطاقة الأوكراني في ديسمبر/كانون الأول 2015، بعد وقت قصير من تقديم تقرير فريق الخبراء الحكوميين، وفي 2016 لم تتعامل روسيا مع العملية الانتخابية للولايات المتحدة كبنية تحتية مدنية محمية. ولا يزال وضع ضوابط معيارية على الأسلحة الإلكترونية عملية غير مكتملة وبطيئة إلى حد الآن.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات