ولفغانغ شويبله

ولفغانغ شويبله

وزير المالية الألماني

تتعرض العولمة حالياً لوابلٍ من الانتقادات الصحفية في الدول الغربية، فالحركات الشعبوية تدعي أن العولمة لا تعود بمنفعة كبيرة على المواطن العادي إن كانت لها منفعة أصلا، بينما تمجّد هذه الحركات مبادئ الحمائية والأحادية، فالسياسات الوطنية -سواء تلك المتعلقة بالتجارة أو النظام المالي- يُنظر إليها باعتبارها أضمن وسيلةٍ لاستعادة العظمة الوطنية.

بيد أن هذه الأجندة الشعبوية تستند إلى فرضية يعتريها خلل شديد، وهي أن التعاون الدولي والتجارة الدولية ليسا سوى لعبة محصلتها صفر؛ إذ لا تُسفر إلا عن فائزين وخاسرين.

إلا أن الواقع يشهد بأن التعاون والتجارة الدوليين يمكنهما تحقيق منافع لجميع الدول. فعلى مدار سنوات عديدة، يُعزى الفضل إليهما في تعزيز الأمن والرخاء العالمييْن، حيث انتشِل مئات ملايين الأشخاص من دائرة الفقر، سواء على صعيد الدول المتقدمة أو النامية.

وقد بات من المؤكد أن العولمة تحتاج إلى قواعد وإطار عملٍ معترفٍ به لضمان أن تعود بالنفع على الجميع، وأن تقدم نمواً اقتصادياً مستداماً وشاملاً. وكما هو الحال في التشريعات الوطنية، فإن إطار العمل هذا سيتطلب خضوعه لتعديلات مستمرة.

الواقع يشهد بأن التعاون والتجارة الدوليين يمكنهما تحقيق منافع لجميع الدول. فعلى مدار سنوات عديدة، يُعزى الفضل إليهما في تعزيز الأمن والرخاء العالمييْن، حيث انتشِل مئات ملايين الأشخاص من دائرة الفقر، سواء على صعيد الدول المتقدمة أو النامية

أما أن يجري التخلي عنه بشكل كامل والتراجع عن العولمة فتلك هي الإجابة الخاطئة؛ بل ينبغي لنا أن نبحث عن سبل لتعميق وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي الدولي.

وأعتقد أن مجموعة العشرين تُعدّ أفضل منتدىً لتحقيق وتعزيز التعاون الشامل. وبالطبع لا نستطيع القول بأن مجموعة العشرين تتسم بالكمال، ولكنها أفضل مؤسسة قائمة حالياً يمكننا عبرها تحقيق ذلك الشكل من العولمة الذي يخدم مصلحة الجميع.

فقد مثلت هذه المجموعة نواة العمل الجماعي الذي شاركت فيه كبريات دول العالم الصناعية والدول الناشئة، من أجل بناء نظام عالمي مشترك يستطيع تحقيق مستويات متقدمة من الرخاء.

ولا شك أن مجموعة العشرين تُعدّ بمثابة العمود الفقري للبنيان المالي العالمي، حيث تعمل على تأمين الأسواق المفتوحة، وتدفق رؤوس الأموال بصورة منتظمة، بالإضافة إلى توفير شبكة أمان للدول التي تواجه صعوبات.

لقد حققت مجموعة العشرين إنجازات كثيرة في الآونة الأخيرة، شملت تحسين التنسيق فيما يتعلق بالنظام المالي والنظم الضريبية العالمية. وبصفتها الدولة التي تتولى رئاسة مجموعة العشرين هذا العام؛ تتعهد ألمانيا بمواصلة العمل المهم الذي شرعت فيه الدول التي سبقتنا مؤخرا وهي الصين وتركيا.

فعلى سبيل المثال؛ يبقى هناك الكثير مما يجب القيام به لتعزيز مرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على تحمل الصدمات المفاجئة، ومن ثمّ فإن إحدى الأولويات القصوى لمجموعة العشرين لهذا العام هي العمل على تلافي حدوث الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، مثل تلك التي حدثت عاميْ 2008 و2009 انبثقت عن نموذج قصير النظر لتحقيق نموٍ تحركه الديون.

ولكن في سبيل معالجة اتساع الهوة بين الدول الأشد ثراءً والأخرى الأشد فقراً، فإننا بحاجة إلى أن نجتاز حدود مجموعة العشرين؛ حيث بات من الواجب على هذه المجموعة تحديدا -بل والعالم بأسره- أن تمدّ يد العون إلى أفريقيا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ التنمية التي تشهدها القارة.

فبالإضافة إلى القضية الأخلاقية المتعلقة برفع مستويات المعيشة في أفريقيا، فإن التنمية التي تشهدها القارة تتسم بتأثيرها البالغ في الحد من المخاطر الجيوسياسية، إلا أن حجم الاستثمارات في أفريقيا لا يزال متدنياً، مما يؤدي إلى حرمان شعوبها من فرص تحسين حالاتها المعيشية.

ولأجل هذه الأسباب؛ تبذل مجموعة العشرين خلال فترة الرئاسة الألمانية للمجموعة جهوداً حثيثة لتكثيف شراكتها مع أفريقيا، وتتمثل الركيزة الأساسية لهذه الجهود في ما بات يعُرف بـ"الميثاق العالمي مع أفريقيا"، والذي يضع إطار عمل لدعم الاستثمارات الخاصة، بما فيها مشاريع الاستثمار في البنية التحتية للقارة الأفريقية.

في ظل الدعم السياسي الذي تقدمه مجموعة العشرين، نقترح أن تضطلع الحكومات الأفريقية والمنظمات الدولية، والشركاء الثنائيون بإعداد مواثيق استثمارية شاملة ومخصصة لدولٍ محددةٍ لتشجيع استثمارات القطاع الخاص؛ كما يتعين على كل دولة أن تنفذ حزمة تفصيلية من الإجراءات للحد من مخاطرها الاستثمارية

وفي ظل الدعم السياسي الذي تقدمه مجموعة العشرين، نقترح أن تضطلع الحكومات الأفريقية والمنظمات الدولية، والشركاء الثنائيون بإعداد مواثيق استثمارية شاملة ومخصصة لدولٍ محددةٍ لتشجيع استثمارات القطاع الخاص؛ كما يتعين على كل دولة أن تنفذ حزمة تفصيلية من الإجراءات للحد من مخاطرها الاستثمارية.

وتجدر الإشارة إلى أن "الميثاق العالمي مع أفريقيا" يُعدّ في الأساس إسهاماً في تنفيذ "جدول أعمال الاتحاد الأفريقي 2063" للتنمية الاقتصادية، الذي يوفر إرشادات تتعلق بتعزيز الاقتصاد الكلي، والأعمال التجارية، وأطر العمل المالية في شتى أنحاء القارة.

ورغم إتاحة "الميثاق العالمي مع أفريقيا" المشاركة لجميع الدول الأفريقية، فإن خمس دول أفريقية قد تعهدت بتبني هذا المنهج الجديد؛ حيث يرغب وزراء مالية ساحل العاج والمغرب ورواندا والسنغال وتونس في العمل على إعداد نماذج لهذه المواثيق.

وقد عبروا عن رغبتهم هذه خطياً، ووجهتُ إليهم دعوةً لحضور اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين المقرر انعقاده في بادن-بادن (ألمانيا) يوميْ 17-18 مارس/آذار الجاري.

وخلال هذا الاجتماع، سأتولى -أنا ونظرائي في مجموعة العشرين- عرض برنامج عالمي لهذه الدول حتى يتسنى لها تقديم خططها المقترحة، ونرغب في أن نناقش معهم ومع رؤساء بنك التنمية الأفريقي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ماهية عناصر مواثيق الاستثمار الموضوعة لدولٍ بعينها.

سيعقب ذلك قيام هذه الدول الخمس -بالاشتراك مع المنظمات الدولية والشركاء الثنائيين- بانتقاء التدابير والأدوات المحدَّدة التي سيتم إدراجها في مواثيق الاستثمار، كل على حدة.

وفي هذا الصدد ستقدم مجموعة العشرين رؤيةً سياسيةً بارزةً تساعد في زيادة وعي المستثمرين بهذه التغيّرات، وتحدوني ثقةٌ بأنه من الممكن إحراز تقدم كبير شريطة أن يتعاون الشركاء المعنيون جميعهم تعاوناً وثيقاً وعلى قدم المساواة.

لقد بات التعاون الدولي السبيل الوحيد لتحقيق نموٍ عالميٍ قويٍ ومستدامٍ ومتزنٍ وشموليٍ. وتتعهد ألمانيا بأن تبذل قصارى جهدها كوسيط نزيه ضمن مجموعة العشرين، بل وأن تتجاوز هذه الجهود لضمان أن تعود العولمة بمنفعة حقيقية للجميع.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك