توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

في لحظة لقاء بنيامين نتنياهو بدونالد ترمب بعد خروج الأول من عنق الزجاجة التي كان أوباما أدخله فيها، مذكرا إياه بحجمه كرئيس دولة مرعية وليست راعية؛ بدا نتنياهو "فاقدا للاتزان" بأكثر مما بدا ترمب للأميركيين في استطلاع الرأي الذي تلا اللقاء.

وذلك لفرط سعادة نتنياهو بما رآه من وقوع رئيس أميركي عنصري كاره للعرب والمسلمين بين يديه، والأهم أنه رئيس أكبر دولة في العالم ولا يعرف ألف باء القضية الفلسطينية، ولا يعرف ما يكفي لتقديم إجابة مقتضبة لأسئلة صحفية مكررة.

فقفز لوضع إجابات مسبقة (المؤتمر الصحفي جرى قبل عقد اللقاء الثنائي) على لسان الرئيس المستجد السعيد بالمنصب، وبمناسبة الظهور التي اصطحب لها كل عائلته.

ومقابل ما ظنه ترمب فرصة ليبدو في صورة الرئيس المتمكن الهادئ؛ اختار نتنياهو أن يبدو كاليهودي المستضعَف الآتي من محرقة (هو آتٍ من محرقة أخرى ولكن للفلسطينيين)، ويستثير العواطف التي لعب عليها الإعلام اليهودي تمهيدا لحرب عالمية كي يقيم دولته على أرض فلسطين.. فخلط كلماته بالدموع.

وقد يكون بكى فرحا بصيده الثمين الذي أتاح له وضع كلمات في فم نظيره وتبصيمه على أمور لا يعرف الأخير كنهها. وفي غمرة فرحه قفز نتنياهو لمغالطات بدهية كان يمكن أن يحرجه بها أي صحفي محترف، لولا أن المؤتمر لصحفي -الآتي بالمقلوب- تم قطعه والكلمة الأخيرة فيه لنتنياهو!

وقبل أن نأتي لتفصيل مغالطة نتنياهو، نتوقف عند ما يثبت أن ترمب لا يعرف على ماذا بصم بقوله: سواء حل الدولتين أو الدولة الواحدة، نحن مع ما يتفق عليه الطرفان (أي الإسرائيلي والفلسطيني)!

في لقائه مع ترمب؛ اختار نتنياهو أن يبدو كاليهودي المستضعَف الآتي من محرقة (هو آتٍ من محرقة أخرى ولكن للفلسطينيين)، ويستثير العواطف التي لعب عليها الإعلام اليهودي تمهيدا لحرب عالمية كي يقيم دولته على أرض فلسطين.. فخلط كلماته بالدموع

واضح أن ترمب لا يملك أدنى فكرة لا عما آل إليه مسمى حل الدولتين، ولا عما يعنيه لزاما -في المقابل- حلُّ "الدولة الواحدة"، التي كتبت ثلاثة مقالات تحت عنوانها لموقع الجزيرة نت هذا، مؤيدة له كأفضل حل سلمي للقضية الفلسطينية، خاصة أن الحلول العسكرية كانت ستكون كارثية على العرب في حالهم عند كتابتي تلك المقالات.

ولكن تسارع التغيرات الإقليمية والدولية، وتحديدا إعادة ترسيم الأدوار الدولية في الإقليم بعد الربيع العربي (حسنها وسيئها) وضع إسرائيل في الكفة الخاسرة أو الأعلى خسارة في أية حرب تشنها أو تُشن عليها، وستصبح حتما إقليمية.. مما يفترض جعْل إسرائيل تتنازل لأي حل سلمي.

ولكن هكذا تفكير واقعي بعيد عن عقلية المتطرفين الصهاينة، الذين يعيدهم قطفهم لثمار حربين عالميتين أشعلوها هم إلى "الغيتو" وإلى أسطورة شعب الله المختار، في تفكير ماضوي بدرجة التحجر التي لا تعترف بتغير العالم المتسارع!

وعند ذكر الدولة الواحدة أحسّ نتنياهو بالسمكة الكبيرة تنزلق من بين يديه، فأنهى اللقاء بهذربة دامعة ولحق بالسمكة لما وراء كواليس المسرح، ليعرض السيناريو الخاص به. ولا ندري مقدار صحة ما تسرب من ذلك السيناريو، ولا كم منه سيلتزم به ترمب.

ومما هذرب به نتنياهو -في محاولة لتحاشي ذكر الدولة الواحدة (أي ثنائية القومية) وتبرير طلبه الاعتراف بـ"يهودية الدولة" مع ضم المستوطنات، بل وكامل الضفة الغربية لها- قوله العجيب في تحويل اليهودية (وهي ديانة) إلى قومية: إن الهندي مثلا يسمى هندي لأنه وُلد في الهند.. ومثله "اليهودي" هو من وُلد في "يهودا".

ويهودا هي الاسم الذي يطلقه اليهود الآن على كامل الجزء الجنوبي من الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس وبيت لحم والخليل، وذلك لكونه قامت فيه قبل ثلاث ألفيات دولة "يهودا" المنشقة عن دولة إسرائيل التي قامت في "السامرة" (نابلس وكانت قبلها مدينة عربية، وكان ذلك زمن المدينة/الدولة الشائع في المنطقة)، ولهذا يطلقون اسم السامرة على الجزء الشمالي من الضفة المحتلة.

وبهذه التسمية يسوّق اليهود أنفسهم كأصحاب حق في "استعادة" كامل الضفة الغربية وفلسطين، مع أن تينك الدولتين أقيمتا بعد مجيء اليهود مهاجرين من مصر، ويتحاشى الصهاينة الحديث عن اقتتال الدولتين اليهوديتين.

فإذا كان النسب اليهودي هو للديانة فكيف لم يطالب اليهود بمصر -وهي مهد ديانتهم- في وعد بلفور؟ وهل هو خوف أصحاب عقلية "الغيتو" من مكانة وحضارة "أم الدنيا" التي صهرت كل الغزاة في بوتقتها المميزة ومصّرتهم؟

ما يُسمى يهودا والسامرة ليستا حتى مهد الديانة اليهودية، ناهيك عن أن الديانة غير "القومية"؛ فالقوم هم السكان الأصليون التاريخيون لبقعة من الأرض. وهذا لا ينطبق على اليهود في فلسطين الآن، باستثناء قلة ضئيلة من يهود عرب بقوا في فلسطين على ديانتهم.

الموقف الدولي حُسم نظريا في القانون الدولي باعتبار الاحتلال جريمة وعدم شرعية كل ما ينتج عنه. وحُسم عمليا في حالة مطابقة لحالة فلسطين هي جنوب أفريقيا، ولصالح دولة لكافة سكانها بمختلف قومياتهم وأديانهم. والاستيطان والضمّ حُسما بقرار مجلس الأمن الأخير

ويؤكد مؤرخون جدد -أغلبهم يهود- أن الفلسطينيين الفلاحين في أغلبهم (والفلاح يظل ملتصقا بأرضه لعوامل اقتصادية وليس فقط عاطفية ولا يهجرها) هم أبناء المنطقة الوثنيين الذين اعتنقوا اليهودية لاحقا ثم المسيحية أو الإسلام، وبقيت أقلية يهودية لأنها لم تُضطهد من بقية أهل البلاد المسلمين وحتى المسيحيين، رغم ما فعله اليهود بالسيد المسيح وبالمسيحيين.

بينما اليهود الغزاة الآتون من أوروبا الشرقية هم بشكل رئيس من شعب مملكة الخَزَرِ، أي ليسوا لا من فلسطين ولا ساميين عرقا، بل العرب هم الساميون.

ومن اعتنقوا اليهودية من الخزريين -حين اعتنقها ملوكهم- فعلوها حتما على قاعدة "الرعية على دين راعيها"، والتي تكشف أن "تهوّد" جزء غير يسير من أجداد اليهود القادمين من أوروبا إن لم يأت من "التقية" -التي يُضمر صاحبها غير ما يُظهر- فقد أتى من النفعية.

والأخيرة هي ما يُغري مستوطنين يهوداً يجري جلبهم إلى فلسطين من مختلف بقاع العالم. وزوال امتيازات المستوطنين سيدفع الكثير منهم للهجرة ثانية، كما جرت محاولات لذلك أثناء أزمات سابقة.

والأهم أن إسرائيل ليست موَّحدة دينيا، بل ينقسم اليهود فيها -وفي العالم كله- إلى طوائف، الفروق بينها كبيرة وتصل حد رفض بعضهم فكرة إقامة دولة لهم.

ونسبة العلمانيين بين المسجلين مواطنين يهوداً في إسرائيل عاليةٌ لدرجة يستحيل معها وضع دستور للبلاد ببساطة، لأن أصواتا سترتفع من بين هؤلاء العلمانيين برفض ذات "يهودية" الدولة التي تنتقص حقوقهم "الديمقراطية"، ولكيلا ينقلب الحال عليهم إلى حكم ثيوقراطي "قروسطي".

ومن يقبل يهودية الدولة لأنها تمثله، والأخطر من يبقى من المستوطنين لكونهم توطّنوا على حالة جرميّة تصل حد حماية (إن لم تصل لتكريم شعبي ورسمي) مرتكبي جرائم قتل وتعذيب بشعة، وإلباسها لبوسا عقائديا ووطنيا، سيشكلون حالة مثل داعش تستدعي تصدي كل قوى العالم لها.

الهند التي استشهد بها نتنياهو هي بلد الهنود التاريخي بمختلف أديانهم. وحتى حين تأجج (أو جرى تأجيج على يد المستعمر) الصراع بين المسلمين والهندوس، كان الحل الدولي -الذي اجترحه مَنْ كانوا رعاة قيام الكيان الصهيوني- هو قسمة البلاد إلى دولتيْ الهند وباكستان، بترسيم حدود لأغلبية مسلمة من أقوام بقيت على أرض جدودها، وليس بمناقلة وتهجير وتوطين على أسس دينية.

والهجرات المحدودة -التي تلت التقسيم- لم تُفرض بقرار دولي (رغم سوء حال القرارات الدولية حينها بما أتاح قيام إسرائيل) كما تطلب إسرائيل الآن، بل نشأت من نزاعات حدودية تلت تقسيم الدولة.

فالموقف الدولي حُسم نظريا في القانون الدولي باعتبار الاحتلال جريمة وعدم شرعية كل ما ينتج عنه. وحُسم عمليا في حالة مطابقة لحالة فلسطين هي جنوب أفريقيا، ولصالح دولة لكافة سكانها بمختلف قومياتهم وأديانهم. والاستيطان والضمّ حُسما بقرار مجلس الأمن الأخير الذي لم يعترض عليه أحد في المجلس، والذي اعتبر المستوطنات غير شرعية. ولا مجال لفتوى جديدة، وحتما ليس من طرف ترمب بوضعه المتزعزع والذي يُزعزع وضع كلِّ مَنْ يتسلق شجرته!

المصدر : الجزيرة