عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري

من أستانا إلى سوتشي
ضرب مسار جنيف
قضية المعتقلين

لم يكن مفاجئا ما تمخض عنه اجتماع أستانا حول سوريا في نسخته الثامنة، لأن الراعي الروسي، بوصفه اللاعب الأساسي الأقوى في معادلة الصراع على سوريا، أرداه أن يكون بمثابة محطة في قطار الذهاب إلى مؤتمر سوتشي، لذلك جرى الإعلان عن موعد انعقاد مؤتمر "الحوار الوطني السوري" في سوتشي يومي 29 و30 يناير/كانون الثاني المقبل.

وفي الوقت ذاته جرى تخطي القضايا الأساسية المطروحة على مسار أستانا في مختلف جولاته، تلك المتعلقة بتثبيت وقف إطلاق النار، وتشكيل لجنة لمراقبة الانتهاكات والتصعيد في "مناطق خفض التصعيد"، وملف المعتقلين والمخطوفين وفك الحصار وإيصال المساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق.

من أستانا إلى سوتشي
وقبل أن يقرّ المجتمعون في أستانا بيانهم الختامي، كان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، قد اتفقا في اتصال بينهما على أن "يمهد اجتماع أستانا الطريق نحو عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في منتجع سوتشي"، لذلك جاء الإعلان عن تحديد موعد مؤتمر سوتشي بمثابة التطور الأبرز في البيان الختامي لمحادثات أستانا، بينما اكتفى الرعاة في بيانهم بالإشارة إلى اتفاق مبهم حول تشكيل لجنتي عمل من أجل المعتقلين والمخطوفين وتبادل الأسرى والجثث، وإزالة الألغام. ومعروف في عالم دبلوماسية الدول أن أي موضوع يراد رفعه ووضعه على الرفع تشكل له لجان على الورق إلى أن يتمّ نسيانه وتجاوزه.

يبدو أن ما يخطط له ساسة الكرملين بسوريا يسير بنجاح نسبي في ظل غياب أي دور فاعل لساسة البيت الأبيض حول الملف السوري، فهم يسيرون ويستعجلون الزمن في طريق الاستثمار السياسي لما حققوه عسكريا على الأرض في سوريا، من خلال فرض عملية سياسية تحقق رؤيتهم

ويبدو أن ما يخطط له ساسة الكرملين يسير بنجاح نسبي في ظل غياب أي دور فاعل لساسة البيت الأبيض حول الملف السوري، إذ أنهم يسيرون ويستعجلون الزمن في طريق الاستثمار السياسي لما حققوه عسكريا على الأرض في سوريا، من خلال فرض عملية تسوية تحقق رؤيتهم لحل سياسي يعيد تأهيل نظام الأسد ويرجع له شرعيته المفقودة، وبما يحفظ مصالحم الحيوية وتواجدهم العسكري الدائم في سوريا، وذلك من خلال تطويع تشكيلات المعارضة السورية، بشقيها العسكري والسياسي وتمييع مواقفها، بغية جرّها إلى المشاركة في مؤتمر سوتشي لملاقاة نظام الأسد، وتمرير اتفاق معه على تسوية تبقي النظام في الحكم مع إصلاحات دستورية وانتخابات صورية في ظله، لذلك حمّلوا اجتماع أستانا الثامن حمولات سياسية بالرغم من أنه مسار مخصص فقط للقضايا العسكرية والإنسانية، حسبما ادعوا عند بداية انطلاق أولى اجتماعاته في 23 و24 يناير/كانون الثاني من العام الجاري.

وبغية التهرب من مسار جنيف التفاوضي الذي انتهت جولته الثامنة إلى فشل ذريع، يحاول الروس جاهدين من أجل التهرب من الشرعية الأممية اجتراح مسارات بديلة للقضية السورية برعايتهم ورعاية نظام الملالي الإيراني وتركيا، فبدأوا باجتراح مسار أستانا، حيث نجحوا في فصل المسار العسكري عن المسار السياسي، وهو أمر أخطأت المعارضة السورية حين قبلت به أمام ضغوط دولية وإقليمية، ثم انتقلوا من أستانا التي لم تنجح في تشكيل بديل سياسي عن مسار جنيف إلى اجتراح مسار سوتشي، ولا أحد يعلم ما الذي سيأتي بعد سوتشي وإلى أين سينقل الساسة الروس ملف القضية السورية، ربما إلى قاعدة حميميم العسكرية أو إلى مطار دمشق، حسبما صدرت إشارات من قبل بعض مسؤوليهم السياسيين والعسكريين.

وإن كان البيان الختامي لاجتماع أستانا الثامن قد أشار إلى أن "الحل يقوم وفق القرار الأممي 2254، وذلك من خلال إجراء عملية حرة ونزيهة وشفافة، وإصدار دستور يوافق عليه كل الشعب، وإجراء انتخابات بمشاركة كافة أطياف الشعب"، إلا أن حقيقة الأمر تبينّ أن الساسة الروس يريدون من ذلك كله إعادة تأهيل نظام الأسد واسترجاع شرعيته المفقودة، وهذا يتطلب منهم التهرب من تنفيذ القرارات الأممية وخصوصا بيان جنيف لعام 2012 والقرارين 2118 و2254، وتهميش المعارضة وتمييع مواقفها، وهو ما تحقق في اجتماع الرياض 2، من خلال ضرب تركيبة الهيئة العليا للتفاوض السابقة، وتشكيل هيئة ووفد تفاوضي جديد عبر ضم أعضاء من منصتي موسكو والقاهرة، اللتين لا تبتعد مواقفهما وتوجهاتهما عن المواقف والتوجهات الروسية، لذلك سارع أعضاء منصتي موسكو والقاهرة إلى الإعلان الفوري عن مشاركتهما في مؤتمر سوتشي المقبل.

ضرب مسار جنيف
وليس خافيا محاولات ساسة موسكو الرامية إلى ضرب مسار جنيف بالرغم من تصريحاتهم العلنية حول أهميته، وأن مساري أستانا وسوتشي وجدا لتسهيل عملية التفاوض فيه، لذلك كرر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف القول أمام المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بأن "التحضير لمؤتمر سوتشي يأتي بالتوافق مع أهداف عملية جنيف، وشأنه شأن عملية أستانا، يهدف إلى المساعدة على تنفيذ القرار 2254 برعاية الأمم المتحدة"، مخفيا بذلك أهداف قادة بلاده الساعية إلى ضرب مرجعية جنيف وتفريغها من محتواها، إذ ما انفك الساسة الروس وساسة نظام الملالي الإيراني عن القول بأن قواتهم وميليشياتهم جاءت إلى سوريا بطلب من النظام.

ولذلك يركزون كل جهودهم العسكرية والسياسية من أجل إعادة الحياة إليه، وتلميعه وتأهيله بمختلف السبل، ويريدون من مؤتمر سوتشي تمرير إصلاحات دستورية هامشية، وانتخابات نيابية ورئاسية تحت هيمنة النظام، وبإشراف الأمم المتحدة، ويعلم القاصي والداني أن أي انتخابات بوجود نظام الأسد لن تكون نزيهة وحرة أبدا، إذ لا يمكن تصور أن نظام الأسد سيتلقى تعليماته من مراقبي الأمم المتحدة، أو يكترث لوجودهم، خاصة وأن الأمم المتحدة لم تستطع طوال سنوات عدة من حصار النظام لمنطق الغوطة الشرقية أن تدخل قافلة مساعدات إنسانية إليها، فكيف ستضمن إجراء انتخابات حرة في ظل وجود أكثر من ستة عشر فرع أمن في سوريا؟

وفي ظل تفرد الساسة الروس بالملف السوري وتحالفهم مع ساسة نظام الملالي الإيراني، فإنهم تمكنوا من إفشال جميع جولات تفاوض مسار جنيف، بل وتمكنوا من ترحيل ملفي الدستور والانتخابات إلى مؤتمر سوتشي الذي لا يمتلك أي شرعية أممية، مبرهنين على أن كل القرارات الأممية الخاصة بالقضية السورية ليست لها قيمة أو أهمية بالنسبة لهم، ويمكنهم تحويل مخرجات سوتشي إلى وثائق دولية وشرعنه احتلالهم لسوريا.

الواقع أن اجتماعات أستانا نجحت نسبيا في تبريد جبهات القتال في عدة مناطق سورية، وقد استغل النظام ذلك من أجل تركيز هجماته على مناطق غوطة دمشق وريف إدلب وسواها، أما قضية المعتقلين في زنازين النظام السوري فقد تم ترحيلها في اجتماع أستانا الثامن إلى لجنة روسية إيرانية وتركية

وحسبما أظهر سلوك وفد النظام في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف، فإن الروس لم يمارسوا أي ضغط عليه للانخراط في عملية التفاوض، الأمر الذي جعل ستيفان دي ميستورا يخرج لأول مرة عن صمته، ليحمل وفد النظام المسؤولة عن عدم تحقيق أي تقدم في الجولة التفاوضية الثامنة، بهدف نقل الرهان السياسي إلى مسار مؤتمر سوتشي.

قضية المعتقلين
والواقع أن اجتماعات أستانا نجحت نسبيا في تبريد جبهات القتال في عدة مناطق سورية، وقد استغل النظام ذلك من أجل تركيز هجماته على مناطق غوطة دمشق وريف إدلب وسواها، أما قضية المعتقلين في زنازين النظام السوري فقد تم ترحيلها في اجتماع أستانا الثامن إلى لجنة روسية إيرانية وتركية.

وحسب العديد من التقارير الدولية، فإن الاعتقال السياسي والاختفاء القسري والملاحقات شكلت المعلم الأبرز للنظام السوري منذ أن جثم على صدور السوريين وإلى يومنا هذا، حيث زجّ النظام -وخاصة بعد اندلاع الثورة السورية- بمئات آلاف السوريين في زنازين أجهزة استخباراته وسجونه السرية والعلنية، التي تذّكر بمعسكرات الاعتقال النازية، وأشبه بمسالخ بشرية، يتم فيها تعذيب المعتقلين بطرق وحشية وبربرية وتجويعهم حتى الموت في حالات كثيرة، حيث أظهرت الصور التي هربها قيصر "سيزر" جزءا يسيرا من معاناتهم، فيما لا يزال عشرات آلاف المعتقلين يعانون الأمرين فيها، ومن ينجو منهم من زنازين النظام تكتب له حياة جديدة، ويصبح في عداد الناجين من الموت.

وتشكل قضية المعتقلين في زنازين النظام السوري -بنسختيه الأب والابن- الثقب الأسود المميز له، وأبرز القضايا التي تشكل إدانة دامغة على الممارسات غير الإنسانية لهذا النظام، لذلك أنكر وفد النظام القضية برمتها، محاولا طمس قضية أكثر من مئة آلف معتقل، لكن الأخطر هو قبول المعارضة بترحيل هذه القضية إلى لجنة ليست أممية وغير محايدة، لأن الوجود الروسي والإيراني في اللجنة يعني أن هذه القضية سيجري التحايل عليها وتحويلها إلى مجرد أسرى ومخطوفين، وبما يفضي إلى مسخها وطمسها، ويؤسس كل ذلك تكريس التنسيق والتفاهمات ما بين روسيا وإيران وتركيا لتطبيقها على الأرض وفق منطق تقاسم البلد وتحويله إلى دويلات فاشلة، تتحكم بها تلك القوى، والخاسر الأوحد في كل ذلك هو الشعب السوري وثورته.

المصدر : الجزيرة