كريس باتن

كريس باتن

رئيس جامعة أوكسفورد

بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة للصين؛ فلن يطول الأمر قبل أن تبدأ وسائل الإعلام اليمينية -مثل بريتبارت نيوز وفوكس نيوز- في اقتراح أن يقتدي ترمب بالرئيس الصيني تشي جين بينغ رغم الطبيعة اللينينية الطاغية على المحتوى الصيني.

ففي المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني -الذي انعقد في الشهر الماضي- تم تنصيب تشي فعليا قائدا أعلى. إن تضمين ما يطلق عليه فكر تشي جين بينغ في ميثاق الحزب الشيوعي الصيني، يعني أن أعضاء الحزب قد جعلوا تشي في مكانة اثنين من العمالقة التاريخيين لجمهورية الصين الشعبية هما ماو تسي تونغ ودينغ شياو بينغ، وهما الزعيمان الصينيان الوحيدان اللذان لديهما أيديولوجيات تحمل اسميهما.

إن محتوى مساهمة تشي الفكرية في الماركسية/اللينينية تقوي موقفه؛ ففكر تشي لا يركز على الماركسية بل يركز بشكل أكبر على اللينينية، ويمزج بين التحكم المركزي والوطنية بحيث يعمل على ترسيخ مكانة تشي كأقوى قائد في بلاده منذ ماو، مما يمكّنه من "جعل الصين عظيمة مرة أخرى"؛ إذا أردنا إعادة صياغة جملة ترمب الشهيرة.

بحسب فكر ترمب؛ فإن عليك ألا تقلق إن كان البلد المعني بلدا ديمقراطياً أو دكتاتورياً، وفي واقع الأمر فإن بلدا ما يمكن أن يكون صديقا مفضلا لدى ترمب -إن لم يكن للولايات المتحدة نفسها- إن كان يحكمه "شخص صارم" يسجن المنتقدين والمعارضين، وربما يلجأ إلى ما هو أسوأ من ذلك معهم. أما أنظمة الديمقراطيات فتتطلب قادة يجيبون على أسئلة كثيرة، ويجتازون الكثير من العقبات


إن بإمكان ترمب فقط أن يحسد تشي؛ ذلك أن تغيير ميثاق الحزب الشيوعي الصيني أمر سهل تماما، فأي شخص يتجرأ ألا يوافق بشكل علني على التعديل المقترح بإمكانه أن يتوقع زيارة من شرطة الحزب لمكافحة الفساد، أما تغيير الدستور الأميركي فليس بهذه البساطة.

لكن لو نظرنا في إمكانية حصول ذلك (أي تعديل الدستور الأميركي) كما حصل في 27 مناسبة سابقة من أجل تضمينه فكر دونالد ترمب، وإلهام الجماهير مرة أخرى بأمل "أميركا أولاً"؛ فإن فكر دونالد ترمب سهل الفهم ولا يتطلب الكثير من المعاناة الفكرية لمعرفته بشكل جيد.

أولا، كن لطيفا مع البلدان التي فيها -أو يمكن أن يكون فيها- برج ترمب أو أي امتياز تجاري للعائلة، وأظهر الصداقة بشكل خاص للدول التي تستقبل ترمب بسجادة حمراء طويلة، أو سجادة ترحيبية مذهبة عندما يتوقف فيها.

لا تقلق إن كان البلد المعني بلدا ديمقراطياً أو دكتاتورياً، وفي واقع الأمر فإن بلدا ما يمكن أن يكون صديقا مفضلا لدى ترمب -إن لم يكن للولايات المتحدة نفسها- إن كان يحكمه "شخص صارم" يسجن المنتقدين والمعارضين، وربما يلجأ إلى ما هو أسوأ من ذلك معهم. أما أنظمة الديمقراطيات فتتطلب قادة يجيبون على أسئلة كثيرة، ويجتازون الكثير من العقبات، ويواجهون مقاومة شديدة.

إن المبدأ الثاني في فكر دونالد ترمب هو أنه يجد طريقة لمكافحة الأخبار المزعجة في الوطن؛ فأي أخبار لا يحبها الزعيم تعتبر أخبارا زائفة، والواقعية هي ما يجعله يظهر بشكل جيد في نظر الآخرين.

إن هذا المبدأ يتطلب أن نجعل كل فكرة بسيطة لدرجة أنه يمكن التعبير عنها في أقل من 280 حرفا على تويتر، بحيث تتم التغريدات أثناء الجلوس على الأريكة ومشاهدة قناة فوكس نيوز. إن هذه الأفكار تستجيب للرغبات الكامنة عند الناخبين، فرسالتهم التعريفية يجب أن تكون "الدم والأرض".

إن العدائية تجاه الرؤساء الأميركيين السابقين هي أمر ضروري كذلك؛ فكل تصريحات وأفعال باراك أوباما كانت عبارة عن أخطاء، وترمب ليس بحاجة للاعتراف بأن سلفه أنقذ الاقتصاد الأميركي من براثن الكساد، فهو بكل بساطة يمكنه أن ينسب فضل النتائج إلى نفسه، بما في ذلك ارتفاع معدلات التوظيف وارتفاع أسعار الأصول.

إن فكر ترمب يستهدف خصوصا اثنتين من الإنجازات المتميزة لباراك أوباما؛ وهما: قانون الرعاية الصحية الأميركي (أوباما كير)، والاتفاق النووي مع إيران سنة 2015. ولكن إلغاء "أوباما كير" كان أصعب بكثير مما توقعه ترمب، وكان يمكن أن يكون أسهل بكثير لو استطاع ترمب إيجاد شيء يحل مكانه، ولا يترك الفقراء والمرضى -بما في ذلك بعض ناخبيه- في وضع أسوأ بكثير.

أما بالنسبة للاتفاق النووي؛ فإن ترمب تحرك إلى ما هو أبعد من شيطنة إيران علناً، إلى سحب الثقة من الاتفاق؛ رغم أن إيران التزمت بشروط الصفقة. فطبقا لفكر ترمب؛ فإنه لا يهم لو عزز هذا القرار الخلاف السني/الشيعي في الشرق الأوسط.

كما أن المفكر الترمبي لا يهتم بما إن كانت أقرب حليفات أميركا الديمقراطيات -وهي أوروبا في الحالة الإيرانية- لا تتفق معه، بل على العكس من ذلك فإن الدعم الأوروبي للاتفاق مع إيران هو سبب آخر لإلغائه.

طبقا لفكر ترمب؛ يجب عليك تصديق من تريد تصديقه، حتى ولو كان هذا يعني أن تثق بالرئيس الروسي فلاديمير  أكثر من ثقتك في أجهزة الأمن والمخابرات الأميركية نفسها. وكلما اقترب المستشار الخاص روبرت مولر وفريقه من المحققين من معرفة الحقيقة فيما يتعلق بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية (سنة 2016)؛ زاد إصرارك على أن بوتين يعني ما يقوله


إن عقيدة ترمب تتضمن ثلاثة مبادئ رئيسية أخرى، وهي: أولا، الفائض التجاري مع البلدان الأخرى الذي هو مهم إلى درجة أنه لا يهم ما إن كانت الزيادة في الصادرات الأميركية -المذكورة في البيان الصحفي بعد الزيارات الأجنبية- حقيقية أم افتراضية.

فالمهم هنا هو الإعلان عن الصفقات التي تبدو كبيرة وحتى التوقيع عليها، وكلما زادت المليارات في الكلام الذي يتبجح به كان ذلك أفضل (الأسئلة المتعلقة بكيفية تنفيذ هذا المتطلب يمكن توجيهها للصين، التي أصبح لديها تخصص دبلوماسي في كيفية عمل الصفقات الوهمية للأجانب السذج).

ثانيا، إن الأدلة والحقائق لا تعتبر أساسا للسياسات؛ فالمفكر الترمبي يتجاهل -بجدّ واجتهاد- كل هذا الهراء عن التغير المناخي، فدع الرياح تهب والعواصف تشتد، والمطر يهطل بغزارة، ومستوى سطح البحر يرتفع، والتلوث الهوائي يقتل الناس.

وفي الوقت نفسه؛ يجب إنكار أنه يمكن أن تكون لكل ذلك علاقة بانبعاثات غاز الدفيئة التي يتسبب فيها الإنسان، ولو عرض العلماء أدلة تثبت العكس فإن المفكر الترمبي سرعان ما سيعتبرها خدعة حيكت لإضعاف أميركا؛ فأميركا لا تقبل أي تحديد لإنتاج الفحم وتجب حماية مصالح صناعة النفط في جميع الأوقات.

وأخيرا يجب عليك تصديق من تريد تصديقه، حتى ولو كان هذا يعني أن تثق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين -رجل جهاز "كي جي بي" (مخابرات الاتحاد السوفياتي) السابق- أكثر من ثقتك في أجهزة الأمن والمخابرات الأميركية نفسها.

وكلما اقترب المستشار الخاص روبرت مولر وفريقه من المحققين من معرفة الحقيقة فيما يتعلق بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية (سنة 2016)؛ زاد إصرارك على أن بوتين يعني ما يقوله.

والكلام نفسه ينطبق على المملكة المتحدة؛ حيث تتزايد الأدلة على أن المال الروسي ونشاطات تمت ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، لعبت دورا في تأمين الفوز لمناصري الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في يونيو/حزيران 2016.

في فكر دونالد ترمب؛ يعدّ بوتين نبيا وقديسا راعيا في الوقت نفسه، وبوتين -مثل ترمب- محارب من أجل العظمة الوطنية ضد قوى الشر المتمثلة في التعددية والتنوع الثقافي، وهو -مثل ترمب- يعلم من هم أصدقاؤه.

المصدر : بروجيكت سينديكيت