​جيفري د. ساكس

​جيفري د. ساكس

أكاديمي ومدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة

لقد كان أصدقاء ألمانيا وأوروبا -في جميع أنحاء العالم- سعداء بالاستعدادات الجديدة التي قام بها الديمقراطيون المسيحيون والديمقراطيون الاشتراكيون في ألمانيا لمناقشة إعادة تشكيل حكومتهم الائتلافية الكبرى. العالم بحاجة إلى ألمانيا قوية وطلائعية في اتحاد أوروبي حيوي، ومن شأن ائتلاف كبير جديد -يعمل جنبا إلى جنب مع حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون- أن يجعل ذلك ممكنا.

قد يكون القرار الأول الذي اتخذه الحزب الديمقراطي الاشتراكي بالانضمام إلى المعارضة -بعد نتائج انتخاباته السيئة في سبتمبر/أيلول الماضي- صادقا، بل وإستراتيجياً. ولكن هذا القرار لم يُتخذ في الوقت المناسب؛ لأن الدبلوماسية تعاني من الانقسام في كل مكان.

إن الولايات المتحدة تتعامل مع رئيس غير مستقر نفسيا، مع حكومة بلوتوقراطية، وأغلبية من الجمهوريين في الكونغرس. وتوجد أوروبا في خضم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ومؤسسية متعددة. وعلى النقيض من ذلك، تبدو الصين نشطة ومنفتحة، وذلك يوفر سببا وجيها للاتحاد الأوروبي لتولي قيادة قوية، والمشاركة في شراكات بنّاءة معها بشأن المبادرات الرئيسية (كالبنية التحتية المستدامة في جميع أوراسيا).

وباختصار شديد؛ ينبغي على ألمانيا وأوروبا توفير الرؤية والاستقرار، والقيادة العالمية. وتمتد هذه الأولوية إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي حزب المستشارة أنجيلا ميركل، وحليفه الشقيق البافاري، والاتحاد الاجتماعي المسيحي، والحزب الديمقراطي الاشتراكي.

إن العالم وأوروبا بحاجة إلى ألمانيا المنفتحة التي تقدم المزيد من الابتكار المؤسسي والمالي، لكي تكون أوروبا نظيرا حقيقيا للولايات المتحدة والصين في الشؤون العالمية. أقول هذا كشخص يؤمن بالتزام وقيادة أوروبا عندما يتعلق الأمر بالتنمية المستدامة، التي هي المطلب الأساسي في عصرنا. ويُعد النمو الاقتصادي الشامل اجتماعيا والمستدام بيئيا فكرة أوروبية بحتة


لكن على الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي؛ القيامُ بأكثر من مجرد توسيع للحكومة السابقة، التي تعتبر جد محدودة ومزاجية.

إن العالم وأوروبا بحاجة إلى ألمانيا المنفتحة التي تقدم المزيد من الابتكار المؤسسي والمالي، لكي تكون أوروبا نظيرا حقيقيا للولايات المتحدة والصين في الشؤون العالمية. أقول هذا كشخص يؤمن بالتزام وقيادة أوروبا عندما يتعلق الأمر بالتنمية المستدامة، التي هي المطلب الأساسي في عصرنا.

ويُعد النمو الاقتصادي الشامل اجتماعيا والمستدام بيئيا فكرة أوروبية بحتة، وقد تم تبني هذه الفكرة على الصعيد العالمي في خطة الأمم المتحدة لعام 2030 وأهدافها الإنمائية المستدامة السبعة عشر، وكذلك في اتفاق باريس بشأن المناخ لعام 2015.

إن تجربة أوروبا مع الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية المسيحية جعلت هذه الرؤية العالمية ممكنة. ولكن الآن، وبعد أن اعتُمدت سياستها في جميع أنحاء العالم؛ أصبح تحقيق القيادة الأوروبية لهذه السياسة أمرا أساسيا. ويجب على حكومة ائتلافية كبرى في ألمانيا أن تساعد أوروبا على القيادة.

لقد أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بعض الأفكار الهامة: وزير مالية أوروبي، سندات أوروبية لتمويل برنامج استثماري أوروبي جديد، مزيد من التركيز على الابتكار، ضريبة المعاملات المالية لتمويل المعونة المقدمة إلى أفريقيا، لأن أوروبا لديها مصلحة إستراتيجية في التنمية الطويلة الأجل؛ وتنسيق الضرائب بشكل عام قبل أن تثير الولايات المتحدة سباقا عالميا نحو خفض الضرائب على الشركات والأغنياء.

وخلافا للألمان الذين يعارضون مثل هذه الأفكار؛ فإن فكرتيْ وزير المالية الأوروبي والسندات الأوروبية لن تؤديا -ولا ينبغي أن تؤديا- إلى التفوق المالي، بل إلى إحياء النمو الذي يقوده الاستثمار في أوروبا.

وكما اقترحت الصين مبادرة "الحزام والطريق" لبناء بنية تحتية خضراء تربط جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى بأوروبا. إن هذا هو الوقت المناسب لأوروبا لتقديم نفس الرؤية الجريئة، وخلق شراكة مع الصين لتجديد البنية التحتية في أوراسيا من أجل مستقبل خال من الكربون.

إذا كانت أوروبا تعمل بطريقة صحيحة، فإن التفوق العلمي والتقني في أوروبا (والصين) سيزدهر في ظل هذه الرؤية. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإننا جميعا سنقود السيارات الكهربائية الصينية المشحونة بالخلايا الضوئية الصينية في المستقبل، في حين أن صناعة السيارات في ألمانيا ستصبح حاشية تاريخية.

وعلاوة على ذلك، سيضع وزير المالية الأوروبي أخيرا حدا لمعاناة أوروبا في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008. ومن الصعب -كما يُعتقد- أن تستمر أزمة اليونان حتى يومنا هذا في نطاق الكساد العظيم، بعد عشر سنوات من بداية الأزمة.

ويرجع ذلك إلى عدم قدرة أوروبا وعدم رغبة ألمانيا في إنهاء الفوضى المالية (بما في ذلك ديون اليونان غير القابلة للدفع)، بطريقة عادلة وتطلعية (على غرار اتفاق لندن لعام 1953 بشأن الديون الخارجية الألمانية، كما ذكر ذلك أصدقاء ألمانيا مرارا وتكرارا). وإذا لم تساهم ألمانيا بقيادتها حلَّ هذه المشكلة، فإن أوروبا برمتها ستواجه أزمة طويلة الأمد، تترتب عليها آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية حادة.

خلال ثلاثة أسابيع، سيدعو ماكرون قادة العالم للحضور إلى باريس بمناسبة الذكرى الثانية لاتفاق المناخ. ويجب على فرنسا تلبية الدعوة، وكذلك ألمانيا. وخلال رئاسة مجموعة العشرين في ألمانيا؛ احتفظت ميركل بـ19 عضوا من بين 20 عضوا في المجموعة الملتزمة باتفاق باريس، رغم محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترمبالمخزية لتدميرها.

تبدو الشروط السياسية لحكومة ألمانية ائتلافية كبرى جديدة واضحة؛ إذ يجب أن يحافظ الحزب الديمقراطي الاشتراكي على القيادة الوزارية في السياسة الاقتصادية والمالية، في حين يحتفظ الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي بمنصب المستشارية. وهذا سيشكل تحالفا حقيقيا، وليس تحالفا يدمر الحزب الديمقراطي سياسيا، أو يرفض الوسائل لدعم خطة التنمية المستدامة الشاملة في الاتحاد الأوروبي


نعم، إن فساد السياسة الأميركية (وخاصة تمويل الحملة من قِبل صناعة النفط والغاز) هدد الإجماع العالمي بشأن تغير المناخ. لكن موقف ألمانيا كان ثابتا. ويتعين على الائتلاف الجديد أيضا أن يضمن أن "الطاقة الانتقالية" في البلاد تخدم أهداف عام 2020 التي حددتها الحكومات السابقة. وينبغي ألا تكون هذه الالتزامات -القابلة للتحقق والمهمة- عبارة عن صفقة مساومة في محادثات الائتلاف.

يمكن للتحالف المشترك بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي، العمل مع فرنسا وبقية أوروبا، والقيام بالكثير بشأن تغير المناخ. والأهم من ذلك أن أوروبا تحتاج إلى خطة شاملة للطاقة لإزالة الكربون بالكامل بحلول عام 2050.

وسيتطلب ذلك شبكة كهرباء ذكية خالية من الكربون تمتد عبر القارة وتنقسم إلى طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ليس فقط في جنوب أوروبا بل أيضا في شمال أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط. ومرة أخرى، يمكن للسندات الأوروبية -وهي شراكة خضراء مع الصين واتحاد داخل أوروبا- أن تحدث تحولا كبيرا.

وسيمنح هذا التحالف سياسة خارجية جديدة لأوروبا، وهي سياسة تعزز السلام والتنمية المستدامة، وتدعمها ترتيبات أمنية جديدة لا تعتمد على الولايات المتحدة بشكل كبير. وأعتقد جازما أنه يمكن لأوروبا -وهي حلم مئات الملايين من المهاجرين الاقتصاديين المحتملين- استعادة السيطرة على حدودها، فذلك سيمكنها من تعزيز وإنفاذ الحدود اللازمة للهجرة.

وتبدو الشروط السياسية لحكومة ائتلافية كبرى جديدة واضحة؛ إذ يجب أن يحافظ الحزب الديمقراطي الاشتراكي على القيادة الوزارية في السياسة الاقتصادية والمالية، في حين يحتفظ الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي بمنصب المستشارية. وهذا سيشكل تحالفا حقيقيا، وليس تحالفا يدمر الحزب الديمقراطي سياسيا، أو يرفض الوسائل لدعم خطة التنمية المستدامة الشاملة في الاتحاد الأوروبي.

مع وجود ميركل وزعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي مارتن شولتز في الصدارة؛ فإن الحكومة الألمانية ستكون في أيادٍ خبيرة ومسؤولة. ويأمل أصدقاء ألمانيا ومحبوها -ومعهم جميعُ مؤيدي التنمية المستدامة العالمية- تحقيق هذا التقدم.

المصدر : بروجيكت سينديكيت