عماد آبشناس

عماد آبشناس

كاتب صحفي وأكاديمي إيراني

استثمار حان حصاده
حتمية الحل السياسي
فرض مرجعية سوتشي 

يمكن ألا يعلم البعض سبب تهنئة قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني لمرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي بـ"تحرير" مدينة البوكمال السورية، بالتزامن مع زيارة الرئيس بشار الأسد لسوتشي ولقائه الرئيس الروسي فلادمير بوتين.

استثمار حان حصاده
وقد يسأل البعض: لماذا قام الأسد بإرسال رسالة يبارك فيها الانتصارات الذي حققها جيش النظام السوري وحلفاؤه في حلب وجبهات أخرى منذ بضعة أشهر؟ ويجب على من يريد أن يحصل على جواب لمثل هذا السؤال أن يرجع إلى بداية اندلاع الأزمة السورية. ففي حينها كان الشارع السياسي الإيراني منقسما على اتجاهين:

الاتجاه الأول كان يرفض تدخل إيران في هذه الأزمة السورية، على أساس أنها فخ يُراد به جرّ رِجل إيران وحزب الله إلى حرب استنزاف، وبعد إضعافهم فإن الأميركان والإسرائيليين سينقضون على إيران وحزب الله، وعليه فيجب على إيران محاولة إيجاد صيغة لحل الأزمة بشكل سياسي، والحفاظ على قواتها العسكرية للدفاع عن بلادها.

استطاعت إيران إقناع الروس بدخول المستنقع السوري بعد أن كانوا مترددين في ذلك، وقاموا بتأمين العتاد والغطاء الجوي الذي يحتاجه جيش النظام وحلفاؤه، بينما قامت إيران بتوفير وتدريب المقاتلين النوعيين، فجلبتهم من أفغانستان وباكستان وإيران والعراق ولبنان إضافة إلى السوريين. وقد أدى هذا التحالف إلى تغيير وضعية جبهات القتال


وبالفعل إذا ما تابعنا مجريات الأحداث في سوريا فإننا نرى أن الخارجية الإيرانية اتخذت هذا الاتجاه، وبدأت محاولات للدخول في وساطات  ومفاوضات مع المعارضة، والضغط على الحكومة السورية لإعطاء تنازلات كي يتم حل الخلافات عبر المفاوضات.

أما الاتجاه الثاني فكان يطالب بدخول إيران في المعركة بكل ثقلها، على أساس أن سقوط سوريا من شأنه كسر ارتباط إيران بحزب الله في لبنان مما سيفتح المجال أمام الهجوم على إيران. وفي حين كان الاتجاه الأول يحاول فض الأزمة بشكل سياسي؛ فإن الاتجاه الثاني كان عمليا قد دخل المعركة لمساندة جيش النظام سوري بشكل غير رسمي.

واحتاج الإيرانيون حوالي عام كي يقرروا الدخول في المعركة، وكان قرار مرشد الثورة حاسما بين الاتجاهين في البلاد؛ حيث قرر أن إيران يجب أن تدخل بكل ثقلها في المعركة دعما للأسد، وبالفعل فإن كل السياسة الإيرانية تمحورت -منذ ذلك الوقت- حول حفظ نظامه من الانهيار.

وبعد حوالي أربع سنوات من الحرب في سوريا؛ كانت دمشق على حافة السقوط ومعظم الأراضي السورية تحت سلطة المعارضة، وعزا الجميع في إيران السببَ إلى أن المعارضة تمتلك أسلحة نوعية وعددا هائلا من المقاتلين، في حين أن جيش النظام وحلفاءه يفتقرون إلى هذا العدد والعتاد النوعي.

وعليه فقد قام المرشد بأخذ قرار جديد يقضي بإرسال اللواء قاسم سليماني إلى روسيا وإقناع روسيا بدخول معركة سوريا، وبالفعل استطاعت إيران إقناع الروس بدخول المستنقع السوري بعد أن كانوا مترددين في ذلك، وقاموا بتأمين العتاد والغطاء الجوي الذي يحتاجه جيش النظام  وحلفاؤه، بينما قامت إيران بتوفير وتدريب المقاتلين النوعيين، فجلبتهم من أفغانستان وباكستان وإيران والعراق ولبنان إضافة إلى السوريين.

وقد أدى هذا التحالف إلى تغيير وضعية جبهات القتال، بحيث أصبح جيش النظام يستطيع اليوم أن يتباهى بأنه يسيطر على نحو 90% من المناطق الآهلة بالسكان في سوريا. وهكذا؛ فإن إصرار قاسم سليماني على أن يكون حاضرا في البوكمال ليقوم بـ"تهنئة" المرشد من داخلها؛ كان لتأكيد أن قرارات المرشد بشأن سوريا وتضحيات إيران وحلفائها على الأرض، كانت هي السبب في إنقاذ الأسد ونظامه.

حتمية الحل السياسي
ورغم أن جيش النظام يتباهى الآن بالسيطرة على معظم الأراضي السورية؛ فإن المعركة في سوريا لن تنتهي دون الوصول إلى صيغة حل سياسي للحرب مع المعارضة.

إن استمرار المفاوضات والحل السياسي على أساس مرجعية مؤتمر جنيف لن يؤمن أهداف إيران وروسيا بإبقاء بشار الأسد في السلطة، لأن أحد قرارات هذا المؤتمر قضى بتنحي بشار الأسد عن السلطة بالتزامن مع بدء الفترة الانتقالية للسلطة، وعليه فيجب العمل على إيجاد صيغة جديدة للحل السياسي في سوريا.

وفي حين كان الإيرانيون مصرّين على فرض الأمر الواقع على الأرض عسكريا، والاستمرار في مفاوضات أستانا لفرض صيغة حل سياسي؛ رأى الرئيس الروسي بوتين أنه آن الآوان لإيجاد صيغة جديدة للمفاوضات عبر مؤتمر وطني سوري شامل يُعقد في مدينة سوتشي، يخرج عنه قرار جديد للمرحلة المقبلة يغطي على قرار مؤتمر جنيف 1 ويكون أساسا جديدا للحوار بين السوريين.

استمرار المفاوضات والحل السياسي على أساس مرجعية مؤتمر جنيف لن يؤمن أهداف إيران وروسيا بإبقاء بشار الأسد في السلطة، لأن أحد قرارات هذا المؤتمر قضى بتنحي بشار الأسد عن السلطة بالتزامن مع بدء الفترة الانتقالية للسلطة، وعليه فيجب العمل على إيجاد صيغة جديدة للحل السياسي في سوريا. ولذلك أصر الإيرانيون على الاستمرار في مفاوضات أستانا لفرض صيغة حل سياسي


وفي حين يرى الإيرانيون أنهم هم الذين أدّوْا الدور الأصلي على الأرض؛ فإن الروس يقولون إنه لولا دورهم العسكري والسياسي لما كانت هذه الإنجازات ممكنة، ولكي يُرضي الإيرانيين طرح الرئيس الروسي مشروعا لقمة سوتشي يتطابق مع المشروع الإيراني السابق الذي كان يتشكل من أربعة بنود، وهي:

1- وقف إطلاق النار في جميع الجبهات وبدء عودة المهجرين.
2- البدء في مفاوضات سورية/سورية لتشكيل حكومة ائتلافية.
3- يتسلم جيش النظام كل الأراضي السورية ويتم البدء في إعادة إعمار سوريا.
4- بعد انتهاء فترة رئاسة الأسد تقوم الحكومة الائتلافية بإجراء انتخابات تحت إشراف دولي، يحق فيها للجميع -بمن فيهم الأسد- الترشح للانتخابات، وكل من يتم انتخابه يتسلم زمام الأمور في البلاد.

وعمليا؛ فإن الهدف من المؤتمر العام للمصالحة السورية الشاملة في سوتشي هو الخروج بصيغة جديدة لهذه البنود الأربعة بشكل آخر، حيث يعتبر الروس أن الظروف الحالية مواتية لفرض هذه الصيغة.

ومما شجع موسكو وطهران على ذلك؛ أن الأتراك -الذين يُعتبرون الجار الأكبر الداعم للمعارضة السورية- الآن في حالة استياء من سياسات الولايات المتحدة، وهناك انشقاق في الجبهة المقابلة للمعارضة السورية بسبب الأزمة الخليجية الراهنة، التي أدت إلى دعم تركيا وإيران لموقف قطر.

وقد تولى الرئيس الروسي مهمة إقناع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن يضغط على المعارضة السورية المدعومة من تركيا لدخول هذا المؤتمر، في مقابل تلبية قسم من مطالب تركيا والمعارضة رغم أن الأتراك ما زالوا مصّرين على رفض حضور الأكراد في هذا المؤتمر. كما استطاع بوتين إقناع أردوغان بالتخلي عن مطالبة أنقرة باستقالة الأسد، مقابل ضمان دور فاعل لها في المرحلة المقبلة بسوريا.

وطبعا لولا أن تركيا مرتابة من سياسات واشنطن الجديدة في المنطقة وتسليحها الأكراد، بعد أن تأكد لأردوغان أن أميركا والسعودية والإمارات وإسرائيل كانوا داعمين للانقلاب العسكري ضده، ولولا الخلافات الخليجية التي بدأت بضوء أخضر أميركي، حسب تغريدات ترامب؛ لما كان سهلا إقناع أردوغان بتغيير موقفه بشأن سوريا.

فرض مرجعية سوتشي
ورغم أن الأسد يدعم بالطبع الموقف الرامي إلى فرض الأمر الواقع على الأرض، وإجبار المعارضة على القبول بشروط "المنتصر"؛ فقد استطاع بوتين بدعوته الأسد إلى سوتشي إقناعه بأن عملية الحل السلمي لا يمكن أن تتم دون تقديم تنازلات، وأن الحل العسكري مكلف وصعب جدا، ولا يمكن أن تكون نتيجته دائمة أو حسب المرجو.

وعليه؛ فيجب أن يقبل بما سيتم تقريره في قمة سوتشي الثلاثية، وإذا كانت لديه ملاحظات فإن بوتين سيطرحها لأنه يجب ألا تفوت الفرصة السانحة في هذه اللحظة التي تتخبط فيها الولايات المتحدة في مشاريعها تجاه سوريا.

وفي النهاية؛ يمكن القول إن إيران وروسيا وتركيا تسعيان إلى إيجاد صيغة جديدة للحل السياسي في سوريا، في ظل غياب أي مشروع للحل السياسي من قبل الطرف المقابل ومشروعهم يتمحور على:

رغم أن الأسد يدعم بالطبع الموقف الرامي إلى فرض الأمر الواقع على الأرض، وإجبار المعارضة على القبول بشروط "المنتصر"؛ فقد استطاع بوتين بدعوته الأسد إلى سوتشي إقناعه بأن عملية الحل السلمي لا يمكن أن تتم دون تقديم تنازلات، وأن الحل العسكري مكلف وصعب جدا، ولا يمكن أن تكون نتيجته دائمة أو حسب المرجو. وعليه؛ فيجب أن يقبل بما سيتم تقريره في قمة سوتشي الثلاثية


1- توسيع مناطق وقف الأعمال العدائية كي تشمل كل الأراضي السورية.

2- إجراء مفاوضات شاملة بين الحكومة السورية والمعارضة والمجموعات التي لا تُعتبر "إرهابية"، ويمكن أن يتم تغيير بعض بنود الدستور السوري لتأمين متطلبات المرحلة المقبلة في سوريا.

3- بدء عودة المهجرين وإعادة إعمار سوريا.

4- تشكيل حكومة ائتلافية جديدة تضم وزراء من المعارضة، ويقوم الأسد بتفويض بعض صلاحياته التنفيذية إلى الحكومة الجديدة.

5- يتم إصدار عفو شامل من قبل الأسد، ويقوم جيش النظام -تحت إشراف الحكومة الجديدة- بالانتشار في كل الأراضي السورية، وتنضوي جميع المجموعات المسلحة المعارضة تحت إمرة هذا الجيش أو يتم حلها.

6- تقوم الحكومة الجديدة بالتحضير لإجراء انتخابات جديدة في سوريا بعد انتهاء دورة رئاسة الأسد الفعلية، ويحق للجميع أن يترشحوا فيها بمن فيهم الأسد نفسه، وتكون هذه الانتخابات تحت إشراف دولي (ليست منفذة من قبل الأمم المتحدة).

7- يتسلم الرئيس المنتخَب الحكم في سوريا.

وحسب مشروع إيران وروسيا وتركيا؛ فإنه يمكن إضافة أو حذف أو تغيير بعض هذه البنود، وفق ما يُتفق عليه في مؤتمر سوتشي السوري، على أن تقوم البلدان الثلاثة بضمان تنفيذ الاتفاق. وأي مجموعة لا تشارك في هذا المشروع ستواجه إمكانية الضرب عسكريا من قِبل جيش النظام بدعم من الدول الثلاث.

وطبقا لمشروع خطة البلدان الثلاثة؛ فإن مؤتمر سوتشي سيُصبح هو محور المباحثات في مؤتمر جنيف بدل القرارات السابقة لمؤتمر جنيف، وخاصة تلك التي تقضي برحيل الأسد وإيجاد حكومة انتقالية، لأنهما نقتطان ترفضهما موسكو وطهران، وأي مشروع آخر يتم طرحه لحل الأزمة السورية يتم رفضه. وفي النهاية؛ يمكن القول إن مستقبل سوريا بات مرهوناً اليوم بشد الحبل بين سوتشي وجنيف.

المصدر : الجزيرة