مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

الحقيقة التي يرتكز عليها عنوان المقال تعتمد مقدمتين مهمتين لفهم الناتج التنفيذي النهائي، الذي يترتب عليه قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومباركة واشنطن لتأميم الإسرائيليين لها، ودعوة العالم الضمنية إلى ذلك، والتي صرح بها الرئيس التشيكي بعزمه على نقل سفارته للقدس بعد دقائق من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس.

وليس ذلك من باب الإثارة الإعلامية، وإنما لغرض التتبع الإستراتيجي للحملة الإسرائيلية وداعميها الغربيين، وصولاً إلى استخدام واشنطن للاستبداد العربي الذي بدأ بمصر في كامب ديفيد، واليوم باتفاقيات فريق ترمب في الخليج العربي.

المقدمة الأولى:
1- أن هناك عملا مركزيا عقائديا وسياسيا واجتماعيا تمسكت به الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، وبدأ خطابها يتدرج بالتصريح بضرورة إنجازه، حتى أصبح هدفا قوميا تبشر به الآلة الإعلامية الإسرائيلية، ولو وضع هذا الضخ الإعلامي بأنه ليس موقفا حكوميا وإنما جاء في سياق اليمين واليسار المتطرف (واليسار المقصود هنا ميال للصهيونية وليس ضدها)، أو حركة اليمين الديني الحاخامي الجديد الصاعدة، والتي تركّز على وجوب هدم الأقصى لبناء الهيكل.

هناك عملا مركزيا عقائديا وسياسيا واجتماعيا تمسكت به الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، وبدأ خطابها يتدرج بالتصريح بضرورة إنجازه، حتى أصبح هدفا قوميا تبشر به الآلة الإعلامية الإسرائيلية، ولو وضع هذا الضخ الإعلامي بأنه ليس موقفا حكوميا وإنما جاء في سياق اليمين واليسار المتطرف


2- نُلاحظ هنا أن كل الحكومات الإسرائيلية مهدت ودعمت بكل قوة معادلتين مركزيتين تتصلان مباشرة بهدم المسجد الأقصى والتحضير له، رغم أن حكومات تل أبيب لا تعلن صراحة إيمانها بمشروع هدم ومصادرة الأقصى.

حيث كانت المعادلة الأولى هي تكثيف الاستيطان وتركيز تهويد الأرض في القدس بالقوة الغاشمة، في حين تتمثل المعادلة الثانية في توسيع الحفريات المتزايد، للوصول إلى الهيكل المزعوم.

ومع أن قضية الزعم بوجود هيكل منذ آلاف السنين لا يُمكن أن تُقبل كمدخل احتجاج، لإسقاط مركز تعبدي ديني له قداسة قائمة أمام العالم، وعاصر العالمُ الجديدُ احتلالَه والمسلمون يهبّون إليه أفواجاً.

إلّا أن هذه القصة تم ترويجها كحق للمتطرفين اليهود بالذات، ولو كانت مثلا قضية لدين آخر يعتمد هذه الحرب والحصار والتهجير لتنفيذ الوصول إلى حفريات تسقط معالم معبد ديني ضخم كالمسجد الأقصى؛ لاعتُبر ذلك دولياً عملا متطرفا يقود إلى حرب وكراهية دينية، فكيف ومن يقوم بذلك سلطة احتلال مباشر.

3- من هنا نفهم أن هناك سياقا متلازما تسير فيه تل أبيب بإستراتيجية واضحة، وكانت تنجح دورياً في توظيف الموقف الأميركي لها، ولم يكن الأمر وليداً مع ترمب مطلقاً، إذ لم تتوقف زيادة الدعم الأميركي لتل أبيب خلال الحفريات والتوحش الاستيطاني طوال فترة الرؤساء السابقين.

4- لكن المرحلة الحالية استدعت موقفا مُوغلاً في العداء الديني والعنصري، تجسد كلياً في دونالد ترمب ورغم طبيعة شخصيته العدوانية المناهضة للمسلمين والعنصرية ضدهم وضد غيرهم، إلّا أنه وجد الاستبدادَ العربي في منطقة الخليج شريكا مناسبا لإنجاز هذه المهمة الخطيرة جداً، ولضمان لجم الشعوب عن أي حراك يؤثر على تحقيق هذه النقلة الكبيرة في الطريق إلى هدم المسجد الأقصى.

وهنا نوضح المقدمة الثانية في المقابل:
1- لقد ركزنا طوال تحليلاتنا عن القضية الفلسطينية -كحق مشروع لأرض وشعب محتليْن- على أن المقاومة هي العامل الوحيد لمنع هيمنة تل أبيب على القدس الشريف وبناء الهيكل، وقد ثبت ذلك في عدة دورات، وبالذات حين ورثت حركة حماس مشروع المقاومة الفلسطينية، وأنهت فصولا من إشكاليات تأجير البندقية، من أبو نضال إلى الجبهة الشعبية (أحمد جبريل) التي استُخدمت مؤخرا في تصفية الثورة السورية.

المرحلة الحالية استدعت موقفا مُوغلاً في العداء الديني والعنصري، تجسد كلياً في دونالد ترمب ورغم طبيعة شخصيته العدوانية المناهضة للمسلمين والعنصرية ضدهم وضد غيرهم، إلّا أنه وجد الاستبدادَ العربي في منطقة الخليج شريكا مناسبا لإنجاز هذه المهمة الخطيرة جداً، ولضمان لجم الشعوب عن أي حراك يؤثر


2- كما أن حماس استطاعت أن تتجنب -رغم الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها- رميَها في مزالق الصراعات السياسية القومية بين الدول العربية، وحتى في موقفها المتوازن إلى حد ما مع إيران، قبل أزمة الخليج.

3- شكلت حركة الربيع العربي متنفسا لحماس لكنه متنفس قصير، حين باتت المقاومة تستمد شرعيتها وقوتها السياسية من الشارع العربي، الذي أصبحت له قوة في هذا الربيع القصير، ولكن هذا الأمر انصرم بشراسة وضيّق على حماس، حتى وُرّطت اليوم -عن عمد ورغبة للاستبداد العربي- في التماهي مع الموقف الإيراني.

وصدرت تصريحات مشينة من منصاتها بناءً على قهر صُبّ عليها لا تحتمله قدراتها، لكنها مع ذلك كله بقيت متمسكة بمساحتها القوية في الشارع العربي، والأهم بقدرتها على إدارة خيار دحرجة المقاومة، أي تحريك معادلة المقاومة لمنع تهويد القدس الكلي وهدم الأقصى.

4- كان من الواضح أن أمن تل أبيب والمشروع الإسرائيلي المركزي كان جزءا رئيسياً بل هدفا إستراتيجياً في وأد الربيع العربي، ولم يعد القول بأن تقدير مصالح الأميركيين والغرب لأمن إسرائيل كان مفصلا لإسقاط الربيع العربي وخاصة ثورة سوريا، عملية خطاب سياسي عاطفي.

وإنما الدلائل موثقة منذ إسقاط ثورة 25 يناير في مصر، وحتى أزمة الخليج التي قيل علنا إن أحد أهم أسبابها هو دعم قطر للمقاومة الفلسطينية، ووُصفت هذه المقاومة بالإرهابية (بنص تصريحات دول المحور المناهضة لقطر).

5- وهو رابط مهم جدا أن يستدعى اليوم من خلال هذا التكثيف المخابراتي الذي استخدم خصومه اليوم لصناعة موسم عداء كاذب بين الشعوب الخليجية -وخاصة السعودية- والشعب الفلسطيني، وفَتح هذه الأعاصير من الكراهية التي عاشتها مصر في كامب ديفد قديما، ويمكن أن ينتج موقف يشاغب به الرأي العام ويشوش على القدس، إن لم يغرس في ضمير الشباب الزهد فيها.

لقد ورث ترمب مرحلة مهمة لحطام البلدان العربية بعد الثورة المضادة التي أسقطت الربيع العربي، ونلاحظ هنا أن لحظة إعلان خطوة ترمب تتزامن مع قهر الثورة السورية عبر إيران وحلفائها، ولذلك لم يكن للاستبداد العربي وترمب أن يصلا إلى هذا المنعطف لولا قوة القهر التي كرستها إيران على الشعب السوري والمنطقة، وأن ما سجلناه مبكراً كرصد إستراتيجي لوحدة الموقف لبقاء بشار الأسد بين طهران وتل أبيب، يعود اليوم ليرتد على الشعب الفلسطيني.

إعلان قائد المقاومة الفلسطينية إسماعيل هنية الانتفاضة الثالثة قد يتطور إلى مرحلة قوة تدريجية، تستطيع أن تُحيد نسبياً ومرحلياً حرب السلطة والنظام المصري ضدها وأن تخلق متنفسا للمقاومة، وإن كان البأس الشديد لحصار غزة لم يعد على حدودها فقط، وإنما بات يطارد كل صوت يتضامن أو يسعى لدعم فلسطين حول العالم


وهنا تأتي المهمة المزدوجة لشركاء ترمب في المنظومة الخليجية، واستخدام عنوان المواجهة لإيران لرمي كل خصومهم وخصوم ترمب بها، ودفعهم اضطراريا لمراعاة أو مسايرة إيران.

ومن ثم تحت هذا الضجيج الضخم يُحقّق مشروع استيعاب الرأي العام العربي وخاصة الخليجي، الذي تصدر دعم الشعب الفلسطيني إنسانيا وإعلاميا وإغاثيا في آخر ثلاثة عقود، بل والسعي لتحويله كحليف اجتماعي يدعم ضمنيا خطوات الشراكة الخليجية الجديدة، مع المشروع الإسرائيلي لتأميم القدس.

هنا نحتاج أن نتساءل عن فهم فرص المقاومة لردع هذه الخطوة، ويتبين لنا من خلال مراجعة الصورة الدقيقة أن قرار حماس الأخير مع مصر -بعد أن خُنقت حماس كليا في غزة- حمى بنية المقاومة من حرب مزدوجة على غزة تشنها مصر وتل أبيب، وأنقذ الحركة من انفجار الضيق الذي بدأ يصعد داخل أهالي غزة، بعد أن أغلقت كل السبل وحوصر المرضى والغذاء وكل مصادر الحياة، واستُهدف الداعم القطري الحيوي لشعب غزة بمشروع عدائي ضخم.

وبالتالي فإن إعلان قائد المقاومة الفلسطينية إسماعيل هنية الانتفاضة الثالثة قد يتطور إلى مرحلة قوة تدريجية، تستطيع أن تُحيد نسبياً ومرحلياً حرب السلطة والنظام المصري ضدها وأن تخلق متنفسا للمقاومة، وإن كان البأس الشديد لحصار غزة لم يعد على حدودها فقط، وإنما بات يطارد كل صوت يتضامن أو يسعى لدعم فلسطين حول العالم.

ولذلك فمهمة اليوم لدعم هذه الانتفاضة -التي هي القادر الردعي الوحيد بعد رعاية الله لمنع هدم الأقصى- يتطلب تحالفاً إغاثياً وإعلامياً وسياسياً، يؤسس مركزه بعيداً عن قدرات الاستبداد العربي وصفقته مع تل أبيب، ويُشرك كل من يتحد مع قضيته حتى من اختلف معه عن الربيع العربي، فضلا عن الخلافات الأيديولوجية.

ليكون هذا التحالف ذا حدود إسلامية وإنسانية مفتوحة، يؤمن بها العربي ويفهمها كل إنسان منصف، يصاغ ميثاقه في كونفدرالية دولية لإنقاذ القدس، لا تعتمد على مواسم التعاطف المهمة لكنها سريعة التبخر، وإنما تبني ترسا إستراتيجياً من هذا التعاطف، يمثل حائط صد أمام بلدوزر إرهاب ترمب وتل أبيب، ليوقف هدم ثالث الحرمين ومسرى النبي الحبيب.

المصدر : الجزيرة