حسين عبد العزيز

حسين عبد العزيز

كاتب ومحلل سياسي ومنتج أخبار سابقا في قنوات فضائية

مؤتمر الرياض 2
مؤتمر سوتشي
اجتماع جنيف 8
 

بعد اتضاح معالم نفوذ أميركا وروسيا في سوريا؛ تعمل الدولتان على رسم مساراتهما السياسية والعسكرية بعيدا عن بعضهما بعضا.

ففيما تبدو موسكو مستعجلة للانتقال إلى المستوى السياسي مستفيدة من الاندفاعة التي حققتها على الأرض، وما نجم عنها من تفاهمات مع تركيا وأطراف في الفصائل المسلحة والمجالس المحلية، تبدو واشنطن غير مستعجلة على اجتراح مسار سياسي، ولا حتى تنشيط اجتماعات جنيف في ظل هيمنة الحسابات العسكرية على إستراتيجيتها، وقد يعود ذلك لغياب رؤية واضحة لديها للحل السياسي، أو لأن شروطه -في رأيها- لم تكتمل بعدُ.

أمام هذه التوجهات؛ ثمة ثلاث محطات رئيسية قد تشكل كلمة السر لفهم المرحلة التالية، ولفهم مدى التقارب والتباعد بين موسكو وواشنطن (مؤتمر الرياض 2، مؤتمر حميميم، جنيف 8).

مؤتمر الرياض 2
يعتبر مؤتمر "الرياض 2" الفرصة الأخيرة "للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" و"الهيئة العليا للمفاوضات" وبعض الشخصيات، لإعادة بناء معارضة أوسع تلبي متطلبات المرحلة المقبلة الناجمة عن تفاهمات روسية أميركية. ومن شأن نجاح هذا المؤتمر -الذي ترعاه السعودية- أن يشكل نقلة مهمة في توسيع مروحة القوى المعارضة تحت مظلة واحدة وبخطاب سياسي موّحد.

فيما تبدو موسكو مستعجلة للانتقال إلى المستوى السياسي مستفيدة من الاندفاعة التي حققتها على الأرض، وما نجم عنها من تفاهمات مع تركيا وأطراف في الفصائل المسلحة والمجالس المحلية، تبدو واشنطن غير مستعجلة على اجتراح مسار سياسي، ولا حتى تنشيط اجتماعات جنيف في ظل هيمنة الحسابات العسكرية على إستراتيجيتها


لكن هذا المؤتمر قد يكون سببا في القضاء على "الهيئة" لتنافر بدأ في الظهور مؤخرا، بين من يريد المحافظة عليها وعلى مرجعياتها السياسية مع توسعتها بما لا يؤدي لتغيير هويتها، ومن يجد أن الفرصة متاحة لإنهاء مرحلة هيمنة "الائتلاف" على المعارضة، وبالتالي الانتقال إلى تشكيل جسم جديد يختلف كليا عن الجسم القديم، وهذا تيار تتبناه هيئة التنسيق برئاسة حسن عبد العظيم بتنسيق مع منصة القاهرة، وإلى حد ما مع منصة موسكو.

المسألة لا تتعلق فقط بإدخال قوى جديدة، بقدر ما تتعلق بتغيير الخطاب السياسي للمعارضة السورية، وإجراء انزياح -وإن كان بسيطا- في مرجعياتها، وهذا أمر خطير لأنه يقدم تنازلا جادا قُبيل الاتفاق على المرحلة الانتقالية.

فليس المهم إدخال أطراف جديدة أو تشكيل جسم سياسي جديد، المهم وهو الاتفاق على مرجعية سياسية جامعة وعلى كيفية الانتقال السياسي، ومن دون هذا الاتفاق ستجد المعارضة نفسها قد دخلت مرحلة التفكك والانهيار، في وقت تسارع فيه قوى أخرى لرسم المعالم السياسية للمرحلة المقبلة.

وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة مشتركة؛ فلن يكون أمام "الهيئة العليا للمفاوضات" سوى خيارين: إما التوجه إلى جنيف 8 بوفد واحد موسَّع ولكن بمرجعيات سياسية متعددة، وإما الذهاب إليها بأكثر من وفد كما جرى في الاجتماعات السابقة، وفي كلتا الحالتين ستجد "الهيئة" نفسها في مأزق في ضوء تفاهم دولي/إقليمي على مصير بشار الأسد.

والإشكالية التي تقف أمامها المعارضة إشكالية معقدة؛ فمن جهة يُخشى أن يؤدي تقديم تنازلات سياسية إلى فتح باب واسع من التنازلات، في ظل غياب أية ضمانات دولية عن المدى السياسي الذي يمكن أن يصل إليه التغيير في سوريا.

ومن جهة أخرى، يُخشى أن يؤدي التمسك بثوابت الثورة إلى إضعاف الائتلاف وبعض القوى، وبالتالي ترك زمام الأمور لقوى ليست بعيدة في رؤيتها عن رؤية النظام. وأمام هذا الواقع، تبدو المعارضة مطالبة باجتراح حلول تناسب التفاهمات الدولية والإقليمية للحل، فلم يعد مناسبا ربط حل الأزمة السورية برحيل الأسد.

ومع أن هذا الربط ناجم عن قناعة بأنه لا يمكن إحداث تغيير في بنية النظام السياسية طالما بقي الأسد في الحكم؛ فإنه ربط أصبح خاليا من أي حوامل إقليمية ودولية، الأمر الذي يجعله مجرد موقف يُخرج الممارسة السياسية من مجالها الإمكاني ليتعالى بها فوق الوقائع وحواملها المادية.

مؤتمر سوتشي
مما لا شك فيه أن موسكو تحاول استثمار مخرجات أستانا لتحقيق اختراق سياسي يوازي الاختراق العسكري الحاصل على الأرض. ولذلك تعتقد روسيا أن الوقت حان لشرعنة ليس فقط قوى محسوبة عليها (منصتا موسكو وأستانا) وقوى خارجية وداخلية مطلوب وجودها ("تيار قمح" والاتحاد الديمقراطي الكردي)، وإنما أيضا شرعنة قوة تعتبر امتدادا للنظام بشكل أو بآخر (منصة حميميم).

ولم تجد روسيا أفضل من النهج الذي اتبعته في أستانا، أي الانتقال من الأسفل إلى الأعلى؛ فهذا النهج يسمح لها -على المستوى السياسي- بتثبيت قوى وشخصيات داخلية تحت عنوان وطني، يتمثل في ضرورة مشاركة جميع مكونات الشعب السوري (إثنيات، طوائف، عشائر، مجتمع مدني)، فضلا عن أطراف الصراعالرئيسيين.

تبدو المعارضة مطالبة باجتراح حلول تناسب التفاهمات الدولية والإقليمية للحل، فلم يعد مناسبا ربط حل الأزمة السورية برحيل الأسد. ومع أن هذا الربط ناجم عن قناعة بأنه لا يمكن إحداث تغيير في بنية النظام السياسية طالما بقي الأسد في الحكم؛ فإنه ربط أصبح خاليا من أي حوامل إقليمية ودولية، الأمر الذي يجعله مجرد موقف


وبطبيعة الحال؛ من شأن هذه الخطوة أن تمهد الطريق لنشوء كتلة سياسية وازنة، لا تحمل أجندات سياسية راديكالية كما هو حال "الهيئة العليا للمفاوضات"، ولا أجندات مطابقة لأجندات النظام كما هو حال الأحزاب الداخلية التي تدعي أنها معارضة، وإنما صيغة لا تسمح بإسقاط النظام عبر البوابة السياسية، ولا تؤدي إلى تغيير بنيوي سريع فيه، في وقت لا تسمح فيه بإعادة إنتاجه بنفس أدوات الضبط والإكراه التي يمتلكها.

ويدرك صناع القرار في الكرملين جيدا أن مثل هذه الصيغة تتطلب -كي يكتب لها الاستمرار- ألا تكون بديلا عن مفاوضات جنيف ومرجعياتها الأممية، وهذا ما يفسر تأكيد الروس الالتزام بالقرار الدولي 2254.

غير أن التأكيد على هذا القرار يقتصر فقط على شقيْ الدستور والانتخابات، وليس على هيئة الحكم، ولم تكن صدفة غياب صيغة الحكم عن تصريحات المسؤولين الروس، وعن الوثيقة المسربة لمؤتمر سوتشي أو مؤتمر "الحوار الوطني السوري".

وبعبارة أخرى؛ تريد روسيا التخلص من أمرين رئيسيين: الأول إلغاء فكرة المرحلة الانتقالية نهائيا، لما تتضمنه من انتقال لشكل ما من الحكم إلى شكل آخر مختلف، وهو ما يقود إلى الأمر الثاني المتمثل في طمس معالم آليات التنفيذ.

وتحاول موسكو حشد أكبر قدر ممكن من القوى المعارضة، مثل حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي، وتيار قمح، وهيئة التنسيق، ومنصة القاهرة، الذين يرغبون -كل لأسبابه- بإنشاء منصة واسعة للمعارضة ذات مرجعية سياسية مختلفة، لتحل محل "الهيئة العليا للمفاوضات" ومن ورائها الائتلاف الوطني، وهذه القوى هي التي ستشكل ما يمكن تسميته "التيار الوسط".

إلا أن العقبة التي ستواجه الروس لن تأتي من بوابة المعارضة الرسمية، وإنما ستأتي من النظام السوري وإيران، لإدراكهما أن الخطوات الروسية ستنتهي -ولو بعد حين- إلى ترتيبات سياسية جديدة، ستؤثر بالسلب على منظومة وبنية الحكم الحالية ولو على المستوى البعيد.

وفي نظرة سريعة على خطاب النظام الرسمي وغير الرسمي خلال الأيام الماضية؛ يتضح أن حديثه يقتصر على الإصلاح السياسي المدروس تحت مرجعية الدستور الحالي، مع القبول بإجراء انتخابات برلمانية وحكومة وحدة تضم قوى مقبولة من قبله.

اجتماع جنيف 8
سيكون لاجتماع "جنيف 8" المقبل أهمية خاصة لكونه يأتي بُعيد إنجاز أستانا لمهمته الرئيسية، وبُعيد الاقتراب من القضاء على تنظيم الدولة الإسلاميةفي حضوره الإستراتيجي ضمن الجغرافيا السورية.

تحاول موسكو حشد أكبر قدر ممكن من القوى المعارضة لتحل محل "الهيئة العليا للمفاوضات" ومن ورائها الائتلاف الوطني، وهذه القوى هي التي ستشكل ما يمكن تسميته "التيار الوسط". إلا أن العقبة التي ستواجه الروس لن تأتي من بوابة المعارضة الرسمية، وإنما ستأتي من النظام السوري وإيران


لكن الاجتماع يواجه عقبتين كبيرتين: الأولى، استمرار الغموض في الموقف الأميركي من الحل السياسي، حيث لا تزال واشنطن تولي أهمية لمحاربة تنظيم الدولة وللترتيبات العسكرية في الشمال السوري.

ولم تكن تصريحات وزير الخارجية الأميركي مؤخرا حول مصير عائلة الأسد إلا فائضا في الغموض السياسي الأميركي، ذلك إن إدارة دونالد ترمب أصدرت خلال هذا العام مواقف متناقضة من مصير الأسد.

ومع ذلك، تولي واشنطن أهمية لعملية الانتقال السياسي، وهذا ما عبرت عنه المندوبة الأميركية في مجلس الأمن نيكي هيلي حين شددت على أن الحل الوحيد في سوريا يمر عبر انتقال سياسي. والعقبة الثانية، أن الاجتماع سيقتصر على مناقشة الدستور والعملية الانتخابية، وهذا تراجع هام عن الترتيبات السياسية التي حددها القرار الدولي 2254، وخاصة ترتيبات الحكم.

ويبدو أن ستيفان دي ميستورا بات قريبا من الرؤية الروسية، سواء كان ذلك لقناعة سياسية أم لأسباب شخصية؛ فالرجل أصبح على قناعة بأن إحداث اختراق في جدار المفاوضات يتطلب تجاوز مسألة الحكم ولو مؤقتا، لأن هذه المسألة لا تنفصل عن مصير الأسد. صحيح أن ثمة توافقا دوليا على تجاوز مسألة بقاء الأسد، لكن الخلاف ما زال قائما حول الصلاحيات التي ستؤخذ منه.

وعليه فإن التفاهم على صيغة مبدئية بشأن الإعلان الدستوري أو دستور جديد، ومن ثم التوصل إلى صيغة واضحة للانتخابات، سيعبّدان الطريق أمام التوصل إلى اتفاق حول الانتقال السياسي.

المصدر : الجزيرة