مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

تطور نوعي
مكاسب إستراتيجية
الانعكاسات المتوقعة 

شكلت زيارة قيادات من حركة حماس الأخيرة لإيران تطورا نوعيا ذا بُعد إستراتيجي، يُنتظر أن يكون له ما بعده خلال المرحلة القادمة.

تطور نوعي
يمكن القول إن حماس استعادت تحالفها القديم مع إيران، وأعادت ترميم ما تآكل من علاقاتها بها على إيقاع الأزمة السورية، توطئة لولوج مرحلة جديدة تطوي تماما صفحة الماضي، وتؤسس لعلاقة أكثر قوة وانفتاحا ورسوخا.

ولا يخفى على أحد أن التحسس الإيراني من بعض قيادات حماس -التي ارتبطت بدوائر التوتر مع النظام السوري- أسهم كثيرا في إعاقة دورة المساعي الرامية إلى عودة المياه إلى مجاريها بين الطرفين.

التطورات الأخيرة التي حملت انفتاح حماس على مصر في ظل القيادة الجديدة المنتخبة للحركة، والتوافق على تطبيق اتفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية، وما يشكله ذلك من متغيرات بالغة الأهمية على الساحة الفلسطينية وفي الإقليم؛ جعلت إيران أكثر تحمسا ومسارعة لاستجلاب حماس والعمل على إعادة ترتيب العلاقة التحالفية معها من جديد


حتى وقت قريب؛ كانت إيران على قناعة كاملة بأن الكرة في ملعب حماس، وأن الحركة قادرة على وقف النزف الذي شاب العلاقة بين الطرفين بزيارة رسمية لطهران من رأس الهرم القيادي للحركة، لكنها كانت تدرك أيضا أن هذه الأمنية أبعد ما تكون عن التحقق، وأن حماس ليست مستعدة لتقديم أي اعتذار ضمني عن موقفها من الأزمة السورية.

لكن التطورات الأخيرة التي حملت انفتاح حماس على مصر في ظل القيادة الجديدة المنتخبة للحركة، والتوافق على تطبيق اتفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية، وما يشكله ذلك من متغيرات بالغة الأهمية على الساحة الفلسطينية وفي الإقليم؛ جعلت إيران أكثر تحمسا ومسارعة لاستجلاب حماس والعمل على إعادة ترتيب العلاقة التحالفية معها من جديد.

على مدار السنوات الماضية -التي أعقبت خروج حماس من سوريا وتصدّع تحالفها الوثيق مع إيران- لم تنقطع الاتصالات بين الطرفين، واستمرت العلاقة في حدود متدنية يصونها حرص كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس) عليها، وكذلك العديد من قيادات الحركة في الداخل والخارج.

بَيْدَ أن ذلك لم يكن ملبيا للطموح الإيراني في ظل توجس عدد من قيادات حماس النافذة في الخارج، وعدم استعجالها ترميم العلاقة مع إيران وإعادتها إلى عصرها الذهبي القديم، لأسباب واعتبارات داخلية وخارجية متعددة.

لذا، راوح مسار العلاقة بين حماس وإيران في مكانه رغم الرغبة المعلنة من بعض قيادات حماس بالداخل والخارج في إعادة العلاقات مع إيران إلى وضعها الطبيعي، إلى أن صعدت قيادة حماس الجديدة إلى الواجهة وتصدرت المشهد والقرار، فأضحى اجتياز المفاوز وقطع المسافات إلى إيران أمرا محتوما.

وهكذا، التقت مصالح الطرفين على تعزيز وتطوير العلاقة بينهما، في إطار رؤية مشتركة لبناء تحالف قوي ومتين قادر على مجابهة التحديات القادمة. 

مكاسب إستراتيجية
في الوقت الذي تبدو فيه الأهداف السياسية الإيرانية -من استعادة تحالفها وتوطيد علاقاتها مع حماس- غاية في الوضوح، فإن الحركة تعوّل على تحقيق مكاسب سياسية ومالية وعسكرية هامة، وذلك على النحو التالي:

1- المكاسب السياسية: لا يختلف اثنان في أن حماس عاشت على مدار السنوات الماضية أزمة سياسية بكل معنى الكلمة، فقد فقدت حكم الإخوان المسلمين في مصر الذي شكل لها فتحا إستراتيجياً بنت عليه الحركة الكثير من الطموحات والحسابات على مختلف الأصعدة والمستويات.

إلا أن إسقاط حكم الإخوان وما ترتب عليه من تشديد الحصار على غزة، بسبب السلوك السياسي الموالي للإخوان الذي أبدته حماس في بدايات الأزمة؛ أصاب الحركة في خاصرتها الإستراتيجية وأربك مسارها السياسي، وأدخل حكمها داخل قطاع غزة في مأزق كبير.

ولم تستطع حماس أن تتجاوز نسبيا أزمة سقوط حكم الإخوان إلا عبر تعزيز علاقاتها السياسية مع قطر وتركيا، وتفعيل آليات الجباية الضريبية داخل القطاع تجنبا لتداعيات الانهيار المؤسسي لبنيتها الحاكمة، في ظل التردي الخطير للأوضاع الاقتصادية هناك جراء قسوة الحصار.

أدركت حماس أن علاقتها مع مصر محكومة باعتبارات مصلحية معروفة ومحدودة، وأنها أشد ما تكون حاجة إلى ظهير سياسي يعوّضها ما ضعُف عنها من تحالفات، بسبب التطورات الأخيرة التي أصابت العلاقات العربية/العربية، فولّت وجهها مسرعة شطر إيران التي سارعت  تجاه حماس بذات القدر كي تستعيد توازنها السياسي


إلا أن الاتفاق التركي/الإسرائيلي، وانكفاء تركيا على أولوياتها الداخلية ومصالحها القومية، ونشوب الأزمة الخليجية التي وضعت حماس في بؤرة الاستهداف السياسي جراء علاقتها المميزة مع قطر؛ أفقد الحركة ظهيرها السياسي، وأجبرها على إعادة رسم خياراتها وتوجهاتها السياسية بما يتناسب مع خطورة المرحلة وتحدياتها الجسام.

وهكذا سارت حماس -كخطوة أولى- في اتجاه مصر بغية تفكيك حلقات الحصار، والتخفيف قدر الإمكان من معاناة أهالي القطاع التي قاربت حد الكارثة، وتجاوبت تماما مع المساعي والجهود المصرية لتحقيق الوحدة والمصالحة مع حركة فتح.

وفي المقابل، أدركت حماس أن علاقتها مع مصر محكومة باعتبارات مصلحية معروفة ومحدودة، وأنها أشد ما تكون حاجة إلى ظهير سياسي يعوّضها ما ضعُف عنها من تحالفات، بسبب التطورات الأخيرة التي أصابت العلاقات العربية/العربية، فولّت وجهها مسرعة شطر إيران.

سارعت طهران تجاه حماس بذات القدر كي تستعيد توازنها السياسي، وتغدو أكثر قوة وصلابة في وجه الإشارات والأحاديث السياسية المتواترة التي تتحدث عما يُسمى "صفقة القرن"، التي تمس جوهر الحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية.

2- المكاسب المالية: منذ خروج حماس من سوريا وتراجع علاقتها مع إيران إلى درجة غير مسبوقة؛ عانت الحركة من أزمة مالية خانقة، تركت آثارها السلبية على مختلف القطاعات الحيوية التي تديرها الحركة وبنيتها الحاكمة.

انتعشت حماس ماليا في سنوات ما قبل الأزمة السورية، فأرست أركان حكمها في غزة وأطلقت العنان لتطوير بنيتها العسكرية، إلا أن انقطاع الدعم المالي الإيراني عقب خروج الحركة من سوريا وضعها أمام تحديات مالية كبرى، واضطرها للبحث عن موارد مالية جديدة لم تجد تعويضا لها إلا بتفعيل الجباية الضريبية للبضائع والبترول المصري المهرب عبر الأنفاق بين غزة ومصر.

ومع إغلاق الأنفاق نهاية عهد محمد مرسي وبدايات عهد عبد الفتاح السيسي؛ دخلت حماس عمليا في عنق الزجاجة، فشحّت مواردها المالية وأضحى جلّ اعتمادها على أموال الضرائب، فضلا عن الأموال التي يتم تهريبها بصعوبة بالغة عبر بعض الأنفاق القليلة المتبقية بين فترة زمنية وأخرى.

ويوما بعد يوم؛ كانت الموارد المالية تتضاءل، والآثار والمفاعيل السلبية التي تمس أنشطة حماس الحيوية تتعمق، إلى أن بلغت ذروة غير مسبوقة خلال الشهرين الماضيين.

واليوم، تجد حماس فرصتها في الدخول إلى الملعب الإيراني مجددا، وإعادة تجديد آليات الدعم المالي الواسع الذي كانت تتلقاه في مرحلة ما قبل اندلاع الأزمة السورية، كي تستنهض ذاتها وبنيتها الداخلية وقطاعاتها الحيوية المختلفة.

3- المكاسب العسكرية: جاهرت حماس كثيرا بحجم الدعم العسكري الإيراني الذي تلقته في مرحلة ما قبل خروجها من سوريا، ولم تترك مناسبة إلا وأشادت فيها بالفضل الإيراني على مستوى تزويدها بتقنية الصواريخ المتطورة التي مكنتها من ضرب العمق الإسرائيلي.

وكذلك أشادت بتدريب إيران لعناصر الحركة العسكرية وتأمين الخبرات العسكرية لهم، وهو ما كان له أثر بيّن وملموس خلال الحروب الثلاث التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة خلال السنوات الماضية.

ومن هنا؛ فإن الباب بات مشرعا أمام استئناف الدعم العسكري الإيراني لحماس، بل وربما تطوير أشكاله وآلياته عن ذي قبل بما يسهم في تعزيز القدرة العسكرية لحماس، التي توليها الحركة أهمية كبرى خلال المرحلة القادمة. 

الانعكاسات المتوقعة
من المبكر الحديث عن انعكاسات فورية وردود فعل ذات بال على المستويين الداخلي والخارجي جراء التطور النوعي في مسيرة علاقات حماس وإيران. ومع ذلك، فإن الأسابيع القادمة ستحمل مزيدا من التجلية للآفاق التي بلغها تحالف الطرفين، وهو ما ستترتب عليه مواقف يمكن الاعتداد بها محليا وإقليميا ودوليا.

محليا، تشعر السلطة الفلسطينية وحركة فتح بالضيق الشديد إثر تطور العلاقات بين حماس وإيران، فهما تدركان -بلا ريب- أن تحالف الطرفين سيمنح الحركة قوة سياسية، ويجعلها أكثر إصرارا على إمضاء مشروعها المقاوم، ويباعد بينها وبين رؤية السلطة وفتح المرتكزة على المفاوضات والنهج السلمي.

رغم اكتفاء الموقف الدولي الراهن -وفي مقدمته الجانب الأميركي- بالترقب والانتظار بشأنه هذا الانفتاح بين الطرفين، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تغيرا في هذا الموقف وانتقالا إلى مربع الضغط والتهديد، ولربما فرض القيود والعقوبات لكبح انعكاس هذا التحالف على ساحة الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي

قد تكتم السلطة غيظها مرحليا حيال هذا التحالف المعاكس لوجهتها وتوجهاتها العامة، وذلك لغايات المحافظة على خط المصالحة وإنهاء الانقسام، لكنها ستضطر لاحقا إلى التعريض به، ولن تملك أكثر من إبداء التبرم منه وتبيان مخاطره -من زاوية نظرها- على المشروع الوطني، انطلاقا من رغبتها في النأي بالفلسطينيين وفصائلهم عن سياسة المحاور وتكريس القرار الوطني المستقل.

إقليميا، تبدو مصر قلقة من استعادة تحالف حماس/إيران ألقه القديم، وما يشكله ذلك من اتجاه نحو إحداث تغيير في صلب المعادلات القائمة، فهي تعلم تماما حدود الدعم الواسع الذي ستتلقاه حماس من إيران مستقبلا.

كما تدرك القاهرة الوجهةَ الجديدة لقيادة حماس في غزة التي تسعى نحو إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني مجددا على أسس تحررية، بعد تخلصها من قيود الحكم وتكاليفه الثقال، بما يتعارض مع الموقف المصري الرسمي الذي يتساوق مع الجهود الأميركية لحل القضية الفلسطينية وفق "صفقة القرن" التي يجري طبخها على نار هادئة، وبلورة ملامحها وتفاصيلها خلال المرحلة القادمة.

لكن مصر تغض الطرف عن هذا التحالف هذه الأيام، وتعطي الأولوية الكاملة لإنجاز مسيرة المصالحة الفلسطينية، وعدم السماح لأي عارض بالتشويش عليها أو التأثير على سرعة إتمامها.

أما إسرائيل فتبدو في أشد حالاتها انزعاجا من عودة الحرارة إلى شرايين علاقة الطرفين، ولن تدخر جهدا في سبيل تحريض المجتمع الدولي على عودة حماس القوية إلى محورها القديم. فهي تدرك يقينا أن هذه العلاقة لها ما بعدها، وأن المرحلة القادمة ستحمل لها الكثير من المتاعب.

ورغم اكتفاء الموقف الدولي الراهن -وفي مقدمته الجانب الأميركي- بالترقب والانتظار بشأنه هذا الانفتاح بين الطرفين، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تغيرا في هذا الموقف وانتقالا إلى مربع الضغط والتهديد، ولربما فرض القيود والعقوبات لكبح انعكاس هذا التحالف على ساحة الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي.

وأخيرا..؛ فإن حماس -التي فقدت قوة الدفع الهامة للحليف الإيراني لسنوات خلت- تبدو اليوم أشد حماسة لاستثمار علاقتها مع إيران إلى حدها الأقصى، بما يضمن استنهاض حالها ومسارها بعد سنوات من التعثر على المستوى الفلسطيني الداخلي والمشروع الوطني الفلسطيني بشكل عام.

المصدر : الجزيرة

التعليقات