حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي، متخصِّص في الشؤون الأوروبية

ذروة التطهير العرقي
دبلوماسية دينية رخوة
ضغوط تلجم البابا 

خسر الروهينغا المنكوبون فرصة نادرة لإنصافهم، وتبددت الآمال الهشة من زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى رانغون، عاصمة ميانمار التي تخوض حملات تطهير عرقي شرسة بحقهم. خرج الحقوقيون حول العالم بخيبة أمل جسيمة من هذه الزيارة، وفقد البابا فرانشيسكوذاته نقاطاً وفيرة من رصيد تراكم له عبر سلسلة مواقف شجاعة، اتخذها منذ توليه المنصب الروحي الأبرز مسيحيا.

ذروة التطهير العرقي
زار بابا الفاتيكان ميانمار في الأسبوع الأخير من نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، تزامناً مع ذروة جديدة من حملات التطهير العرقي الجاري بحق الروهينغا المسلمين الذين وقع تشريد ثلثيْ مليون منهم إلى خارج الحدود في أشهر قليلة.

التقى فرانسيس -خلال زيارته- قيادات عسكرية ومدنية وكهنوتية في ميانمار، وهي وجوه ضالعة -بشكل مباشر أو غير مباشر- في استمرار مأساة الروهينغا التي يقع إنكارها في رانغون، وكان لافتاً للانتباه أنّ أول من التقاهم البابا كان قائد الجيش ذا السطوة مين أونغ هلاينغ.

خلافاً لما عُرف عن البابا فرانسيس من مواقف أخلاقية أنصف بعضُها المسلمين بجرأة غير معهودة ممن سبقوه؛ صبّ البابا تصريحاته بميانمار في لغة دبلوماسية رمزية فاترة، ليس من شأنها تحريك ساكن أو تسكين متحرك في بلاد اختطفت أنظار العالم الصيف الماضي. وقد أثار موقفه هذا دهشة أوساط حقوقية تواكب ما يجري من فظائع للروهينغا


تسلطت الأضواء على لقاء فرانسيس مع أونغ سان سو تشي الحائزة على جائزة نوبل، والتي انقلبت في الوعي العالمي من سجينة سياسية سابقة منافحة عن الحقوق المدنية والديمقراطية، إلى سياسية انتهازية متسترة على واحدة من أشنع مآسي العصر، ولم تكلف نفسها عناء الإشارة إلى ما يجري في حضرة البابا وتحت أضواء الإعلام؛ فاكتفت بالقول إنها مجرد واحدة من "التحديات التي تقوم الحكومة بمواجهتها".

وخلافاً لما عُرف عن فرانسيس من تعبيرات مبدئية مباشرة، ومواقف أخلاقية أنصف بعضُها المسلمين بجرأة غير معهودة ممن سبقوه؛ صبّ بابا الفاتيكان تصريحاته هذه المرة في لغة دبلوماسية رمزية فاترة، ليس من شأنها تحريك ساكن أو تسكين متحرك في بلاد اختطفت أنظار العالم منذ فترة، ولاسيما الصيف الماضي. وقد أثار موقفه هذا دهشة أوساط حقوقية تواكب ما يجري من فظائع يندى لها جبين الإنسانية.

حرص بابا الفاتيكان على الاكتفاء بالتلميح دون التصريح، فامتنع -في مناشداته الدبلوماسية- عن تسمية الأشياء بأسمائها، فبدا هذا تهاوناً جسيماً من رأس الكنيسة الكاثوليكية مع الفظائع التي لم تقع الإشارة إليها بوصف يليق بها؛ فضلا عن عدم تسميتها بالتطهير العرقي أو الإبادة بالطبع.

وجاء امتناعه عن التلفظ بكلمة "روهينغا" خلال الزيارة ليؤكد أنّ الفاتيكان اختار عدم مكاشفة مضيفيه بالحقائق، وفضّل تعبيرات عامة يمكن سماعها في أي وقت وليس في ظلال مأساة كبرى يصنعها بشر، حتى بدا وكأنّ إقامة صلاة جامعة بالأتباع الكاثوليك في نهاية الزيارة كانت أهم من المأساة التي لم تظفر بتصعيد في لغة الخطاب.

دبلوماسية دينية رخوة
تحدّث البابا فرانسيس في ميانمار بلغة دبلوماسية رخوة، من شأنها تشجيع طغمتها الحاكمة -من العسكريين والمدنيين إضافة إلى بعض الكهنوت البوذي- على مواصلة برنامج التطهير العرقي الجاري في إقليم أراكان. ولو تصرف زعماء العالم الروحيون والسياسيون معاً على هذا النحو من التجاهل والتراخي؛ فستكون هذه وصفة مغرية لمقترفي الفظائع الذي سيضمنون حصانة من التقريع والنقد العلني المباشر.

وحتى لو وقع الاستدراك لاحقاً من رأس الكنيسة خلال زيارته بنغلاديش؛ فإنّ الفاتيكان أضاع فرصة تاريخية لا يمكن تعويضها لإنصاف الضحايا في ميدانهم مباشرة، وإيقاظ ضمائر العالم على مأساة تفوق الوصف. تجاهل فرانسيس الروهينغا -الذين لم تقع إشارة محددة إليهم- فأحجم عن تسجيل موقف شجاع أملته اللحظة، رضوخاً لمواءمات وتقديرات لم تضع الضحايا على رأس أولوياتها كما يبدو.

ومن التساؤلات الشائكة التي يثيرها هذا الموقف الضعيف؛ القيمةُ المعنوية للضحايا في وعي قادة العالم، بمن فيهم أولئك الذين يرفعون شعارات مرتبطة بالسماء؛ فهل كان التراخي سيقع لو انتسب الضحايا إلى واحدة من الرقاع المُضاءة بقوة في الوعي الإنساني في أمم الشمال مثلاً، أو لو كانوا من طوائف دينية أخرى وليسوا مسلمين؟

إذا كان الفاتيكان كنيسة؛ فإنه دولة أيضاً تحظى بتمثيل دبلوماسي ودولي، وبعلاقات متشابكة ومصالح واسعة في أنحاء العالم، بما يغوي الرسمية الكاثوليكية بمحاولة الإمساك بالعصا من منتصفها أحياناً، واتخاذ مسافة غير مبدئية بين الضحية والمعتدي. ولذا لا تمنح اللغة غير المباشرة التي استعملها بابا الفاتيكان خلال زيارته أي مفهوم محدد عن هوية الضحايا والمشردين


تحدث فرانسيس بلسان وزير خارجية ينتقي ألفاظه بحذر شديد وتوازن محسوب، فانقشعت التوقعات بأن تنتصر زيارته لشعب يقع استئصاله من أرضه ودياره على مرأى من العالم ومسمع. ويتأسس هذا الحياد السلبي في لغة الخطاب على مبدأ الوقوف على مسافة أمان بين الأطراف؛ وإن تمايزت هذه الأطراف بين ضحية وجلاد.

وإذا كان الفاتيكان كنيسة؛ فإنه دولة أيضاً تحظى بتمثيل دبلوماسي ودولي، وبعلاقات متشابكة ومصالح واسعة في أنحاء العالم، بما يغوي الرسمية الكاثوليكية بمحاولة الإمساك بالعصا من منتصفها أحياناً، واتخاذ مسافة غير مبدئية بين الضحية والمعتدي.

لا تمنح اللغة غير المباشرة التي استعملها بابا الفاتيكان خلال زيارته أي مفهوم محدد عن هوية الضحايا والمشردين، أو حتى عن ضراوة حملة التطهير العرقي التي تستهدفهم. فقد لجأ إلى رسم صورة لما ينبغي أن يسري على "الجميع" من "أي" مجموعة سكانية.

دعا القيادي الديني العالمي البارز إلى مفاهيم عامة مثل "الاحترام" و"السلام" و"العدالة" و"بناء الجسور"، ونبذ "الحقد واللاتسامح والأحكام المسبقة"، دون تحديد لمجالات تنزيلها في خريطة إثنية متشابكة.

ورغم أنّ كلمة الروهينغا هي تحديداً ما يتوارى خلف هذا الحشد من التعبيرات الفضفاضة، فإنّ احتساب انتماء هذه الإثنية إلى البلاد يبقى مستبعَداً بمنطق الطغمة السياسية والعسكرية وبعض الكهنوت الديني في ميانمار، مما يعني أنّ مناشدات البابا لن تنفتح لها قلوب وعقول من بأيديهم الأمر، الذين لا يرون في الروهينغا سوى "مهاجرين بنغاليين غير شرعيين" طارئين على البلاد ولا ينتمون إليها، حسب زعمهم.

وفي النهاية يشجع صدور هذه اللغة الفضفاضة من شخصية دولية بوزن بابا الفاتيكان على استمرار إنكار وجود الروهينغا، وعدم الاعتراف بهم على نحو واضح، وهو التصوّر المؤسس لفعل التطهير العرقي الدؤوب في هذه البلاد، العالقة ضمن منطق خاص من الأحقاد العنصرية والتأجيج الطائفي.

ضغوط تلجم البابا
لم يتجاوب رأس الكاثوليك في العالم مع نداءات أطلقتها منظمات حقوقية دعته فيها إلى الحديث بوضوح عن مأساة الروهينغا خلال زيارته، لكنه رضخ على ما يبدو لضغوط عكسية هوت بالتوقعات من زيارته.

فقد وقع فرانسيس في مأزق حساس خلال زيارته التي تطلعت الأنظار إلى مفعولها المحتمل في التخفيف من وطأة الهجمة الضارية على مسلمي إقليم أراكان. فالكنيسة الكاثوليكية المحلية في ميانمار مارست ضغوطاً على الفاتيكان كي لا يتلفظ الكاثوليكي الأول بكلمة "روهينغا"، بزعم أنّ مجرد النطق بها سيستثير نقمة الأغلبية البوذية على الأقلية الكاثوليكية.

ومن المرجح أنّ الضغط الكاثوليكي الداخلي على البابا كان مدفوعاً أيضاً بإيحاء من السلطات الشمولية في رانغون، التي تملكتها الخشية من مجريات هذه الزيارة. وبهذا لجأ فرانسيس إلى تكثيف مناشداته بلغة غير محددة، تجاوب فيها مع تحفظ السلطات وطلب القيادات الكاثوليكية المحلية، على حساب ضحايا القتل والترويع والتشريد واللجوء.

وقع فرانسيس في مأزق حساس خلال زيارته التي تطلعت الأنظار إلى مفعولها المحتمل في التخفيف من وطأة الهجمة الضارية على مسلمي إقليم أراكان. فالكنيسة الكاثوليكية المحلية في ميانمار مارست ضغوطاً على الفاتيكان كي لا يتلفظ الكاثوليكي الأول بكلمة "روهينغا"، بزعم أنّ مجرد النطق بها سيستثير نقمة الأغلبية البوذية على الأقلية الكاثوليكية


أي أنّ منطق الحفاظ على المصالح الكاثوليكية هو الذي تقدّم، وتمت التضحية بالموقف الإنساني والأخلاقي الصريح الذي أملته لحظة تاريخية، لصالح تقديرات عابرة قدّمت الخشية على الطائفة الكاثوليكية من مآلات موقف شجاع قد يتخذه زعيمها العالمي.

والنتيجة أنّ فرانسيس تجرد من أسلوبه الواضح المباشر الذي اشتهر به، وبدا كمن خذل الضحايا ولم يلتفت إليهم في زيارة عادت على بابا الفاتيكان بسيل من الانتقادات، انهمك المتحدث باسمه غريغ بوركه في الرد عليها لمحاولة تسويغ ما جرى، بما في ذلك البدء بلقاء قائد الجيش خلافاً للبروتوكول الدبلوماسي. وما يلفت الانتباه أنّ المتحدث عزا خيبة الأمل إلى ارتفاع سقف التوقعات المسبقة من الزيارة.

وما لن يبوح به متحدثو الفاتيكان -على أي حال- هو أنّ هذه الزيارة ستُفضي إلى تخفيض سقف الانتقادات الدولية لنظام ميانمار؛ فما الذي أبقته القيادة الروحية الكاثوليكية لصانعي السياسة الدولية بعد أن تعاملت بهذه البراغماتية المائعة مع إحدى فظائع العصر؟!

وفي المحصلة؛ فإنّ زيارة البابا الإشكالية إلى ميانمار كسرت جدار العزلة المتزايدة التي أوقعت رانغون ذاتَها فيها، كما أعادت تأهيل الزعيمة الصاعدة في البلاد أونغ سان سو تشي، بعد أن أحجمت مؤخراً عن الظهور على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت وطأة تسترها على التطهير العرقي الجاري.

أما برنامج التطهير العرقي في ميانمار فلن يتردد في اعتبار هذه الزيارة النوعية صك غفران لمنفّذيه عما مضى، وهو ما يُغويهم بمواصلة النهج ذاته بحق مسلمي الروهينغا، وسرعان ما ستنقشع المواعظ الفاتيكانية من أجواء رانغون في اليوم التالي.

المصدر : الجزيرة