نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

العامل الثقافي والصراعات
الخليج بين نموذجين

مع الإيمان التام بتصريف الله تعالى للأقدار؛ فإن ذلك لا يقع عبثا، ولا يحدث خبط عشواء، سواء أكان الحديث عن أمر عام أم خاص، سياسي أم اقتصادي أم اجتماعي، وهذا جزء من الرؤية الباطنة لأي حدث يقع في هذا الوجود.

فثمة حلقات متتابعة من الاعتبارات تحكم مسار الأحداث في أي إقليم جغرافي مثلا؛ تبدأ بالقوة الفاعلة أو الموجهة لسياسات الإقليم وإمكاناتها وأفكارها، ثم القوة المضادة والمخالفة لها بإمكاناتها وأفكارها أيضًا. وعادة ما يسعى كل من الطرفين إلى توظيف ما يتاح له من العوامل الاجتماعية والثقافية والجغرافية والمادية في صراعاته، لتوجيه الأحداث حسب رؤيته.

العامل الثقافي والصراعات
ولا تبدو الشعوب في هذه الحسبة خارجة عن الاعتبار تماما، فإن الحرص على تحييدها وتحويلها إلى مجرد مؤيد مغيَّب، وكذلك الحرص -في المقابل- على إيقاظها وإطلاق قواها والاستفادة من طاقاتها؛ كلاهما يثبت أن الشعب في أي دولة رقم لا بد من أن يُعمَل له حساب بصورة أو أخرى.

ويبدو العامل الثقافي -بمعنى المفاهيم التي ينطلق منها الفاعلون- ذا تأثير كبير في الصراعات التي يشهدها أي مجتمع أو إقليم، فالقناعات الفكرية والفلسفة المختارة للحياة والتعاطي مع الواقع والناس؛ ترسم معالمَ الواقع بشكل غير محسوس في أغلب الأحيان، متفاعلة في هذا مع جملة العوامل الذاتية والموضوعية المحيطة.

يبدو العامل الثقافي -بمعنى المفاهيم التي ينطلق منها الفاعلون- ذا تأثير كبير في الصراعات التي يشهدها أي مجتمع أو إقليم، فالقناعات الفكرية والفلسفة المختارة للحياة والتعاطي مع الواقع والناس؛ ترسم معالمَ الواقع بشكل غير محسوس في أغلب الأحيان، متفاعلة في هذا مع جملة العوامل الذاتية والموضوعية المحيطة. ومن هنا فلا بد ألا نهمل البُعد الثقافي في الأزمة الخليجية


ومن هنا فلا بد ألا نهمل البُعد الثقافي في الأزمة الخليجية الناتجة عن فرض الحصار على قطر، ومحاولة إرغامها على قبول مجموعة من الشروط تعني في مجملها تماهي الدوحة مع السياسة الخارجية التي تتبعها دول الحصار.

ولا بد أن ندرك أن الأزمة الخليجية انتقلت من طور الحصار إلى طور الصراع، بما يمتاز به هذا الطور من سعي كل طرف إلى توظيف أقوى أوراقه لنصرة موقفه خارج الطوق الجغرافي الضيق؛ سواء على مستوى الحملات الإعلامية، أم الاتفاقيات العسكرية وصفقات السلاح، أم تغيير الشراكة التجارية والتوسع فيها إقليميا وعالميا، وفي كل هذا يبدو تأثير القناعات الثقافية والأخلاقية بالمعاني السلبية والإيجابية واضحا.

ولا يبدو ثمة فرق كبير بين دول الخليج العربية من حيث الثقافة والظروف الاجتماعية ومسار التطور الحديث، فقد نشأت هذه الدول في القرن الماضي من أسر حاكمة لمجتمعات خارجة من ظروف اجتماعية تقليدية جدا، وأحوال اقتصادية صعبة إلى عصر النفط ثم الغاز، وما رافق ذلك من انفتاح ضخم وتغييرات سريعة وعميقة لم تترك وجها للمقارنة بين ما كان وما صار.

وتتمثل أهم الأسباب المباشرة لتغيير الرؤى والأفكار -الذي حصل على الساحة الخليجية خلال أكثر من نصف قرن مضى- في الانفتاح الواسع على العالم، ونمو التعليم وتطوره والتوسع في ابتعاث الطلاب للدراسة بالخارج (أميركا خاصة)، حتى بلغوا مئات الآلاف خلال السنوات الأخيرة، وتوفر وسائل التثقيف ومنافذ المعرفة خليجيا، ثم اهتمام الحكام بتحديث بلادهم.

ولأن الاقتصاد كان هو الترس الأكبر الذي تغير فتغير معه أكثر من 80% من عناصر الحياة الخليجية، فلا بد من الإشارة إلى أن دول الخليج انتقلت معه من الاقتصاد المحلي الضعيف -أو الذي يسمَّى اقتصادا مَجازاً- إلى اقتصاد عده بعضهم اقتصادا رأسماليا، لكنه في الحقيقة اقتصاد ملحق بعجلة الاقتصاد الرأسمالي الضخمة وليس رأسماليا بالمعنى الكامل؛ لأنه لا يبدع النماذج بل يسير على ما يتم صكه وتطويره في مهاد الرأسمالية الأولى.

وقد لا نلوم الدولة الخليجية كثيرا على هذا الإلحاق؛ لأن التغير الذي جرى عليها كان كبيرا وسريعا إلى درجة تدير الرأس، وفي جو سقطت فيه التجارب المطروحة في الأقطار العربية الكبرى. لكن التجربة الخليجية كانت قد وصلت في تسعينيات القرن الماضي -على الأقل- إلى مستوى مناسب من الوعي بالذات ثقافيا وحضاريا (وهو أمر واضح في كتابات محمود محمد سفر ومحمد جابر الأنصاري وغيرهما).

وكان ينبغي عند هذا المفرق التاريخي -الذي أعقب كارثة حرب الكويت بعد غزوها- أن يدفع إلى الفكاك التدريجي من هذا الإلحاق ولوازمه الثقافية والأخلاقية والاجتماعية، على الأقل.

الخليج بين نموذجين
وإذا رجعنا إلى تجليات العلاقة الخليجية بالمنظومة الرأسمالية؛ فسنجد أن أهمها يتمثل في استيراد منظومة المصارف والمؤسسات المالية ومفردات التكنولوجيا الغربية، مما شكّل الجانب الأكبر من الحياة الخليجية الجديدة، وصنع لنفسه ثقافة على مقاسه ظلت تصارع الثقافة الأصلية بسمتها العربي الإسلامي؛ فتصالحت الثقافة الجديدة مع هذا السمت في مساحات وشخصيات وخاصمته في أخرى، على تفاوت في هذا وذاك.

لكن إن اعتبرنا أن العقل الخليجي سار بهذه الطريقة وفق منظومة واحدة ذات شقين، فهذا على سبيل الإجمال؛ إذ نجد في التفاصيل أن بعض الدول كانت تنتظر التطور وتستسلم لحتمياته، وهذا هو حال الأغلبية من دول الخليج العربية. وبعضها كان يسعى إليه، وهو ما تمثله كل من الإمارات وقطرتحديدا على اختلاف واضح بينهما.

هل نفهم الصراع القائم على أنه خلاف بين "تنوير خليجي" مشبع بشراسة الرأسمالية المأزومة أصلا، وبين تنوير عربي خليجي تأثر بقيم الغرب ونموذجه الاقتصادي تأثرا قويا، لكنه لم ينخلع من جذوره وثقافته المشرقية الإسلامية؟ هذا ما يبدو في المشهد القائم على العموم، ويفسر الإصرار على المواجهة مع قطر باعتبارها جزءا من إستراتيجية، وليست مجرد اندفاع


ويتمثل ذلك الاختلاف في أن الإمارات هي أكبر ممثل إقليمي للرأسمالية السياسية والاقتصادية في الإقليم كله برمزيها دبي وأبو ظبي، وكأنه قد بدا لخلفاء الشيخ الراحل زايد بن سلطان آل نهيان أن هذا الالتحام مع النموذج الرأسمالي -في مرحلته الحالية وبكل ميوله وأخلاقياته- ضروري بعد الإعصار المالي عام 2008، ثم تأكد سياسيا بالربيع العربي عام 2011.

ومن أخطر ما في نموذج رأسمالية الشركات العابرة للقومية والاقتصاد المحرَّر من القيود -الذي تتبعه الإمارات حاليا- أنه يمثل رأسمالية ذات مطامع كبيرة وسطوة ضخمة، تخوّلها أن تشعل الحروب وتتدخل في الدول، وتوجه السياسات الداخلية حتى في أعتى الديمقراطيات لصالحها، وهذا بالضبط ما تقوم به -أو بكثير منه- الإمارات الآن في المنطقة العربية.

وأما النموذج القَطري؛ فواضح من طروحاته الإعلامية وبرامجه في التعليم الجامعي والمدرسي ومن عنايته باللغة العربية، ثم نزوعه -خاصة بعد نشوب الأزمة التي بدأت بالحصار- إلى تنويع الشركاء الاقتصاديين الإستراتيجيين؛ أن هناك سعيا قَطريا إلى الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية -قدر الإمكان- وسط أمواج التغيير، وما رافقها من العواصف السياسية التي تتابعت على المنطقة.

إذن؛ رغم زحف الحداثة واحتلالها أركانا كبيرة في الحياة الخليجية، فإن النموذج الإماراتي تحديدا يمثل أنياب وأظافر الرأسمالية المتأخرة الأبرز في الخليج، وهو يسعى إلى جر الأشقاء الباقين إلى نفس الخندق -كما نجح مع السعودية- كسباً لأطراف ذات ميول من هذا النوع، لتقع شراكة سياسية واقتصادية كاملة بينهم وبينه لحساب الكبار على كل مستوى؛ دوليا وعربيا وقُطريا.

فهل نفهم الصراع القائم على أنه خلاف بين "تنوير خليجي" مشبع بشراسة الرأسمالية المأزومة أصلا، وبين تنوير عربي خليجي تأثر بقيم الغرب ونموذجه الاقتصادي تأثرا قويا، لكنه لم ينخلع من جذوره وثقافته المشرقية الإسلامية؟ هذا ما يبدو في المشهد القائم على العموم، ويفسر الإصرار على المواجهة مع قطر باعتبارها جزءا من إستراتيجية، وليست مجرد اندفاع دعت إليه روح الغيرة والتنافس.

ولعل من أهم ما يشهد لصحة هذه الرؤية؛ جملة المواقف التي ينحاز إليها كل فريق، وفيها دائما خيار وفرق واضح بين أمرين: مساندة الدكتاتورية أو حقوق الشعوب العربية، دعم الحقوق الفلسطينية أو الاحتلال الإسرائيلي، انتهاك حقوق الإنسان أو رعايتها، توظيف التدين والمتدينين (صوفية وسلفية وغيرهم) أو ممارسة التدين وإشراك المتدينين، الوقوف مع التجارب الإسلامية غير العربية أو معاداتها.. إلخ.

المصدر : الجزيرة