إبراهيم فريحات

إبراهيم فريحات

أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا

مؤشرات لخريطة جديدة
نموذج التحالفات المرنة 

إجابةً للسؤال الذي عنونّا به هذا المقال؛ نقول: ليس بعدُ بشكل نهائي، ولكن الأزمة الخليجية أحدثت تصدعات عميقة في جدران لُحمة المنطقة، ولن تعودها أبدا إلى ما كانت عليه.

وإذا ما طال أمد الأزمة أكثر مما ينبغي؛ فإن خريطة جديدة -ما زالت في مرحلتها الجنينية- قد تتحول إلى خريطة سياسية متكاملة الأركان. وهذا لا يعني أن الأزمة لن تُحل، بل يعني أن عودة العلاقات -عاجلا أو آجلا- ستكون على أسس جديدة غير التي قامت عليها سابقاً.

مؤشرات لخريطة جديدة
يروي أدب اللغة الإنجليزية عن الشخصية الخيالية "همبتي دمبتي" -وهي البيضة التي تمشي على حائط لا متناهٍ وقد وقعت عنه وتهشمت- أن كل رجال الملك لن يعيدوها إلى ما كانت عليه سابقاً.

ربما يكون إعلان أمير الكويت من واشنطن أن الوساطة منعت "العمل العسكري" هو الحلقة الأخطر في مسلسل الأزمة، وهو بمثابة الـ"همبتي دمبتي" التي كسرت حاجز الثقة، وجعلت الأطراف تعيد حساباتها على أسس جديدة غير التي حكمت العلاقات الثنائية سابقاً.

ومع ذلك يلاحَظ عدم وجود قرار سياسي حتى اللحظة عند أي من أطراف الأزمة بهجر الخريطة السياسية القديمة والشروع في بناء خريطة جديدة، إذ ما يحدث حتى الحين هو تكيف للأطراف مع التطورات السياسية المتلاحقة. ولكن عدم وجود قرار سياسي ببناء خريطة جديدة لن يمنع تكونها.

يلاحَظ عدم وجود قرار سياسي حتى اللحظة عند أي من أطراف الأزمة الخليجية بهجر الخريطة السياسية القديمة والشروع في بناء خريطة جديدة، إذ ما يحدث حتى الحين هو تكيف للأطراف مع التطورات السياسية المتلاحقة. ولكن عدم وجود قرار سياسي ببناء خريطة جديدة لن يمنع تكونها


فكثير من الصراعات والتحالفات تتشكل على الأرض بديناميات الصراع نفسه، بحيث يفرض الواقع الجديد نفسه على القيادة السياسية، كما حدث مع إيران وتركيا عندما وجدتا نفسيْهما -وهما المتصارعتان في سوريا- تشكلان محوراً جديداً للرد على تطورات الاستفتاء في كردستان العراق لمنع انتقال عدواه إلى مناطقهما.

التطورات على الأرض التي تدفع باتجاه تشكيل خريطة سياسية جديدة أصبحت كثيرة، وكلما زادت اقتربت الخريطة السياسية الجديدة من التكوّن.

إن إعلان أمير الكويت بوجود الخيار العسكري في إحدى محطات الأزمة دفع أطرافا في مجلس التعاون الخليجي (سلطنة عُمان والكويت) إلى التفكير جدياً في أن ما يحدث مع قطر اليوم لا مانع من حدوثه معهم مستقبلاً، وهو ما دفع أمير الكويت إلى إعلانه صراحة -وفي نفس الخطاب- أن الأمر عندما يمس سيادة قطر فإن الكويت سترفضه.

الزحف الأرضي للمؤشرات التي قد تفرض خريطة سياسية أصبحت كثيرة ومنها: إعادة قطر سفيرها إلى إيران بعد أن سحبته على أثر أزمة الرياض مع طهران مطلع 2016، واعتماد الموانئ البحرية لقطر على عُمان والكويت وإيران وحتى باكستان بعدما كانت بمعظمها معتمدة على ميناء جبل علي الإماراتي.

وكذلك زيادة التعاطف الشعبي الكويتي والعماني وترجمة ذلك بارتفاع الحركة السياحية من البلدين إلى قطر، وكما يقال فإن "الفيل في الغرفة" هو الوجود العسكري التركي في الخليج الذي قد يكون له دور -وإن لم يقله أمير الكويت- في استبعاد خيار التدخل العسكري.

هذه المؤشرات وغيرها لن يتم تغييرها حتى وإن حُلت الأزمة الخليجية وعادت المياه إلى مجاريها؛ فقطر -ومن حولها عُمان والكويت- لن تعود بمعظم تبادلاتها التجارية إلى ما كان عليه الحال مع السعودية والإمارات، لأن الثقة التي كُسرت خلال الأزمة لن يكون بالمقدور استردادها بما كانت عليه تماماً. وربما يكون الأهم من ذلك هو الذاكرة الجمعية للشعوب التي لن يتم محوها على الأقل خلال الجيل الحالي.

نموذج التحالفات المرنة
إن التقارب القطري الإيراني لن يكون بالإمكان التراجع عنه من قبل قطر بسهولة؛ أولاً: تقوم السياسة القطرية بمجملها على الموازنة بين الأطراف المتنازعة، حيث تحتضن قطر قاعدة العديد الأميركية من جهة وقيادة حماس وما بينهما من جهة أخرى.

فتقارب قطر مع إيران لا يعني بالضرورة -وحسب أبجديات السياسة الخارجية القطرية- أنها ستتخلى عن تحالفها مع الولايات المتحدة؛ فهناك النموذج القائم في عُمان والذي يجمع ما بين واشنطن وطهران، دون أن يكون هناك ضغط هائل من الطرفين لتحسم عُمان موقفها باتجاه أحدهما.

لا بل إن هذه الميزة أعطت عُمان مزيداً من أوراق القوة أهلتها للتوسط في إبرام الاتفاق النووي الإيراني. وإقامة قطر لعلاقات أميركية وإيرانية في نفس الوقت سيضيف عاملاً آخراً لانصهار الحدود التقليدية للخريطة السياسية التي تعيشها المنطقة.

ومن جهة أخرى؛ يمكن رؤية حالة السيولة في خريطة التحالفات السياسية من خلال نموذج العمل التركي/الإيراني الذي يضيف بعداً آخر لإعادة التموضع للاعبين السياسيين، فالبلدان يتنازعان في سوريا ثم يعلنان العمل سوياً لمواجهة الاستفتاء الكردي ومحاربة الإرهاب.

مواجهة الأزمة الخليجية وأسبابها -وليس حلها على طريقة "بوس اللِّحَى والتراضي"- هي الحل، والفرصة التي ولّدتها الأزمة تقضي بضرورة إعادة البناء على أسس جديدة من الإنصاف والشراكة الفعلية، واحترام سيادة الدولة كحقيقة وليس مجرد شعارات


وهكذا فإن نماذج العمل السياسية القديمة التي كانت تقوم على تحالف كلي أو خصام كلي لم تعد قائمة الآن. إن النماذج ذات الحدود الواضحة مثل "الاعتدال العربي" أو "المقاومة" لم تعد تقدم تفسيراً واضحاً لحالة السيولة التي تعايشها خريطة التحالفات في المنطقة.

وعليه يمكن لإيران وتركيا الاستمرار في حالة الخصام بسوريا ثم اللقاء في الخليج للعمل سوياً، وإن حدث ذلك فإن المؤشرات تومئ باتجاه التفاهم مع قطر على حساب الخصم التقليدي لإيران، أي المملكة العربية السعودية.

من الخطأ الفادح التعامل مع الخريطة السياسية للتحالفات الإقليمية على أنها حقيقة جامدة، ولفهم هذا الأمر يمكن النظر إلى المعادلة السياسية التي سادت إبان الحرب الأهلية في لبنان، حيث كان الفرقاء يتصارعون يوماً ويتحالفون أياماً أخرى.

في عالم السياسة لا توجد ثوابت، بل إن الثابت الوحيد هو التغير. فالمصلحة والحاجة إلى البقاء تدفعان إلى صياغة تحالفات سياسية جديدة بشكل مستمر. لكن التحدي الكبير في التغير الذي يصيب الخريطة السياسية هو اقترانه بتغيرات هيكلية تعقّد عملية العودة مرة أخرى لما كان عليه الوضع سابقاً.

فرغم احتداد أزمة الخليج واستمرارها -حتى الآن- أكثر من أربعة أشهر؛ فإن الأزمة لم تصاحبها تغيرات هيكلية في النظام الإقليمي حتى اللحظة، وكل ما يجري هو عبارة عن مخاض باتجاه التحول الهيكلي، وهذا يعطي فسحة من الأمل في إمكانية إنقاذ الوضع وتحويل مسار الأزمة باتجاه آخر.

وأقصى ما وصل إليه التغير الهيكلي للخريطة السياسية هو تجميد مجلس التعاون الخليجي وتعطيل آليات عمله دون إنهائه بالكلّية. لكن استمرارية هذا الوضع إلى أمد بعيد قد تحوّل المؤقت إلى دائم، وقد ينتج عن المجلس الواحد مجلسان آخران أو ربما أكثر.

ورغم كل ما مرت به الأزمة الخليجية من تصعيد؛ فإن هناك فرصة يمكن لها أن تولَد من كل أزمة. إن القائمين على مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى أن يعترفوا بأن الهيكلية القديمة -وما يصاحبها من سياسات- قد فشلت في الوصول إلى الأهداف التي وُضعت من أجلها، والدليل على ذلك هو الأزمة التي يعيشها المجلس.

وهذا الاعتراف يشكل فرصة لإصلاح مؤسساتي عميق يشمل الهيكلة والسياسات، بحيث تتم إعادة بناء المجلس على أسس جديدة تعالج الأسباب التي أوصلت الأزمة إلى هذا المستوى.

إن "هدم المعبد" سيطال الجميع، والآلية التي تدار بها الأزمة حالياً تقود في اتجاه الهدم. الأزمة دخلت مرحلة من الجمود ربما تستمر فترة طويلة جداً، وقد تصاحبها حالة من الحرب الباردة في الخليج التي سيدفع ثمنها جميع الأطراف.

مواجهة الأزمة وأسبابها -وليس حلها على طريقة "بوس اللِّحَى والتراضي"- هي الحل، والفرصة التي ولّدتها الأزمة تقضي بضرورة إعادة البناء على أسس جديدة من الإنصاف والشراكة الفعلية، واحترام سيادة الدولة كحقيقة وليس مجرد شعارات.

المصدر : الجزيرة