سامر إلياس

سامر إلياس

كاتب متخصص في الشؤون الروسية

موسكو بين تجربتين
بديل عن جنيف
مصالحة دونها عقبات

تكشف تصريحات وتحركات المسؤولين الروس عن سعي الكرملين الحثيث لتحقيق استثمار سياسي لنتائج التدخل العسكري الروسي في سوريا المتواصل منذ أكثر من عامين. وبدا واضحا التخبط والتعجل في التعامل مع الفكرة التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في "منتدى فالداي" الأخير للحوار، والقاضية بالدعوة إلى "مؤتمر شعوب سوريا" في قاعدة حميميم العسكرية بسوريا.

وقد أجبر سيلُ الاعتراضات على مصطلح "شعوب سوريا" -من جانب المعارضة والنظام على حد سواء- الجانبَ الروسي على تغيير الاسم إلى "مؤتمر الحوار الوطني السوري". وبرز إلى العلن خلاف بين روسيا من جهة والنظام السوري وإيران -من جهة أخرى- بشأن النقاط التي من المقرر أن تطرح للنقاش في المؤتمر.

ومؤكد أن روسيا تطمح إلى الاستفادة من التفاهمات التي توصلت إليها مع الأطراف الإقليمية المنخرطة في الأزمة السورية، من أجل الانتقال إلى هندسة الأوضاع الداخلية في سوريا بما يروق لها، وذلك بالبناء على الاختلال الكبير في التوازن لمصلحة النظام على حساب المعارضة.

ومع نجاح تجربة جولات أستانا في فرض مناطق خفض التصعيد بضمانات إقليمية، وقرب دحر تنظيم الدولة الإسلامية؛ تنخرط روسيا بجدية واضحة في الترويج لعملية سياسية تهدف أساسا إلى تهميش -أو حتى نسف- عملية جنيف بمرجعياتها الدولية، والاستعاضة عنها بمؤتمر أو سلسلة مؤتمرات تضم المكونات العرقية والطائفية والحكومة والمعارضة.

وتطمح موسكو من خلال "مؤتمر شعوب سوريا" الذي طرح فكرته الرئيس فلاديمير بوتين؛ إلى إعادة تسويق نظام بشار الأسد عبر إصلاحات سياسية بدلا عن الانتقال السياسي، واستغلال ضعف المعارضة ومعاناة السوريين لفرض بقاء الأسد باعتباره الضامن لمصالح موسكو الجيوسياسية في سوريا وشرق المتوسط.

الرئيس بوتين أرفق الدعوة إلى "مؤتمر شعوب سوريا" بتحذير من تقسيم البلاد، وأبقى الباب مواربا أمام فرص نجاح المؤتمر وجعله رهنا برغبة البلدان الإقليمية والولايات المتحدة، وجديتها في محاربة الإرهاب والمحافظة على سوريا موحدة.

وأشار إلى أن مناطق خفض التصعيد تصب في مصلحة الأردن وإسرائيل وتركيا وإيران، وتحظى بدعم من الولايات المتحدة والسعودية ومصر وقطر، وهو ما يضع هذه الأطراف جميعا أمام مسؤولية عدم تحول هذه المناطق إلى حدود دائمة للتقسيم. 

موسكو بين تجربتين
اختارت روسيا في خريف 2015 التدخل العسكري المباشر لإنقاذ نظام الأسد الآيل للسقوط حينها، بعد أكثر من أربع سنوات من الدعم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والسياسي. ويتباهى المسؤولون الروس بأن النظام بات الآن يسيطر على معظم الأراضي السورية التي فقدها.

مع نجاح تجربة جولات أستانا في فرض مناطق خفض التصعيد بضمانات إقليمية، وقرب دحر تنظيم الدولة الإسلامية؛ تنخرط روسيا بجدية واضحة في الترويج لعملية سياسية تهدف أساسا إلى تهميش -أو حتى نسف- عملية جنيف بمرجعياتها الدولية، والاستعاضة عنها بمؤتمر أو سلسلة مؤتمرات تضم المكونات العرقية والطائفية والحكومة والمعارضة


وتكشف فكرة المؤتمر عن رؤية روسيا المستقبلية للحل السياسي وطبيعة النظام المقبل الذي تروج له. ويبدو أنها طورت إستراتيجيتها في سوريا بالاعتماد على تجربتين سابقتين في جورجيا والشيشان.

فقد اختارت موسكو في حرب الأيام الخمسة على جورجيا عام 2008 شعار "الإرغام على السلام"، لتبرير تدخلها العسكري في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وفي الشيشان استخدمت سياسة الأرض المحروقة، وأتبعتها بتصفية جميع الشخصيات السياسية الشيشانية المعتدلة الراغبة والقادرة على التوصل إلى حل سياسي وسط وتسويقه للشعب الشيشاني.

ثم انتهت إلى فرض شخصيات محسوبة عليها في الشيشان، وعقد "مؤتمر شعوب القوقاز" في ربيع 2007 لتشجيع الحوار الوطني بين القوميات في القوقاز، وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بمشاركة ممثلين عن المجتمع والحكومات المحلية في القوقاز.

طبقت روسيا عمليا شعار "الإرغام على السلام" في سوريا منذ بداية عمليتها العسكرية بتركيزها على استهداف البيئة الحاضنة للمعارضة، والجيش الحر والتشكيلات العسكرية غير المرتبطة بجبهة النصرة (سابقا) وتنظيم الدولة الإسلامية.

وفي محاكاة للتجربة الشيشانية؛ استخدمت موسكو سياسة الأرض المحروقة لتسهيل تقدم جيش النظام ومليشيات إيران وحزب الله اللبناني والفصائل العراقية والأفغانية. ولم تلتفت روسيا إلى محاربة تنظيم الدولة إلا مؤخرا، وذلك لموازنة تقدم مليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" -المدعومة من التحالف الدولي- في مناطق واسعة شمالي شرق البلاد.

بديل عن جنيف
بعد السيطرة على حلب؛ دعت روسيا إلى مؤتمر أستانا بضمانة تركية توسعت لاحقا لتضم إيران، وأجبرت الأطرافُ الثلاثةُ كلا من النظام والمعارضة على تبني فكرة مناطق خفض التصعيد المبتكرة من حيث التسمية والتطبيق من قبل روسيا.

ولاحقا أشركت موسكو كلا من الأردن والولايات المتحدة بالتنسيق -الكامل مع إسرائيل- في الاشراف على منطقة خفض التصعيد في الجنوب. وفي المرحلة الأخيرة أقحمت مصر عبر اتفاق غوطة دمشق الشرقية. وواضح أن مؤتمر أستانا بدأ يستنفد غاياته الأساسية، خاصة في ظل الفيتو الأميركي والغربي على مناقشة القضايا السياسية في جولاته.

ومع نجاح جمع الأطراف الإقليمية على هدف خفض التصعيد، والحديث عن توسيع قائمة البلدان الضامنة؛ بدأت موسكو التفكير في فتح مسار جديد يعنى بالحلول السياسية بعيدا عن مرجعية جنيف، ولا يتناقض مع حديثها العلني المتكرر عن أن حل الأزمة يجب أن يكون سورياً.

تراهن موسكو على أن المعارضة السورية في أضعف مراحلها، وأن الأطراف الإقليمية ستساعدها في تحقيق الاستقرار في سوريا. وإضافة إلى إنجازاتها على الأرض؛ تنطلق رؤية روسيا -في الدعوة إلى "مؤتمر شعوب روسيا"- من معرفتها العميقة بتوازن القوى داخل سوريا


وتراهن موسكو على أن المعارضة السورية في أضعف مراحلها، وأن الأطراف الإقليمية ستساعدها في تحقيق الاستقرار في سوريا. وإضافة إلى إنجازاتها على الأرض؛ تنطلق رؤية روسيا -في الدعوة إلى "مؤتمر الحوار الوطني السوري"- من معرفتها العميقة بتوازن القوى داخل سوريا.

فمثلا، فإن ميخائيل بوغدانوف -نائب وزير الخارجية الذي انهالت عليه الانتقادات منذ نحو أربع سنوات عندما صرح لدبلوماسيين بأن المعارضة السورية تسيطر على قرابة 60% من البلاد- التقى بعدة آلاف من السياسيين والصحفيين والخبراء وحتى شيوخ العشائر، وعقد لقاءات مع ممثلي الحكومة والأكراد، ومع المعارضة بمختلف تلاوينها.

كما تستغل روسيا عدم وجود تغيرات جدية في الموقف الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، والتزام سياسة أوباما المتحفظة.

أُوسِعت فكرةُ المؤتمر العتيد نقاشاً رغم عدم وجود تصور كامل لها، وتسعى موسكو إلى فرضه ضمن جدول زمني مزدحم يضم جولة جديدة في أستانا، ومؤتمر المعارضة في الرياض، وجولة مفاوضات جنيف 8.

وواضح أن روسيا تسعى إلى استباق مرحلة القضاء النهائي على تنظيم الدولة بفتحها مسارا لمناقشة مستقبل سوريا بعد الانتهاء من محاربة الإرهاب، وضمان دور أساسي لها في رسم مستقبل البلاد وتوزيع "الغنائم".

وتنطلق موسكو من أنها انتصرت -مع النظام وحلفائه- على المعارضة، وأنها ساهمت في تجميد ما تسميه "حربا أهلية" بمكونات إثنية وطائفية وتدخلات خارجية. ومن هنا، فإنها تطمح إلى تثبيت النظام الحالي مع بعض الترتيبات التجميلية، من قبيل صياغة دستور جديد وإشراك أطراف من المعارضة في حكومة موسعة.

وبدأت أولى المشكلات الجدية في الظهور فور الإعلان عن ترتيبات المؤتمر في ختام  جولة أستانة الأخيرة، ورغم التهديد بالتهميش فإن الهيئة العليا في المفاوضات في المعارضة  السورية رفضت حضور المؤتمر مع أن المسؤولين الروس أكدوا أن المؤتمر سوف يتطرق إلى الدستور، وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية.

كما بدا أن قائمة حضور المؤتمر أعدت بعجالة ولم يتم التشاور مع الأطراف المدعوة، وتضمنت مزيجا غريبا بين أحزاب وهيئات كبيرة إضافة إلى فصائل ومنظمات مغمورة يشكك في وجود حضور قوي لها على الأرض.

مصالحة دونها عقبات
حسب الدعوة الروسية الأولية؛ فإن المؤتمر سيعقد في سوتشي على البحر الأسود في 18 من الشهر الجاري، بعدما كان الحديث يدور عن انعقاده في قاعدة حميميم العسكرية بسوريا، وقد يضم حتى 1500 شخصية منها نحو 700 محسوبة على النظام بمؤسساته العسكرية والمدنية، ومثلها من المعارضين ولجان المصالحة، والإدارات المحلية، مع تمثيل وازن للمكون الكردي.

وستتم فيه مناقشة تشكيل جمعية تأسيسية، ويُتبع بمؤتمرات -في مطار دمشق أو قاعدة حميميم ذاتها- لمناقشة الدستور والانتخابات البرلمانية، دون الحديث عن مصير رأس النظام.

وتبدو فكرة المؤتمر محاولة روسية لمساعدة السوريين على إيجاد حل سياسي دون تدخل خارجي، كما أنه محاولة لتوظيف القوة العسكرية المفرطة وسياسة الأرض المحروقة لفرض حل على السوريين، أشبه ما يكون بمصالحة واسعة تشمل بقاء النظام مع تجميله على مبدأ عفا الله عما سلف. وهو ما يفسر هجوم روسيا القوي على التقرير الأممي الأخير بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية ورفضها التمديد لعمل اللجنة التي أصدرته.

من العوامل التي ستضعف فرص نجاح الفكرة الروسية؛ الحاجةُ الماسة إلى الدعم المادي لعملية إعادة البناء، وأن الجانب الغربي حتى الآن يريد انتقالا سياسيا كاملا وليس مجرد إصلاحات سياسية تبقي الأسد وتتغاضى عن جرائمه، كما أنه يرغب في استمرار مسار جنيف التفاوضي، ويكرر مطالبته روسيا بالضغط على النظام لينخرط في قضايا الانتقال السياسي


نجحت روسيا -نوعا ما- في توظيف آلتها الإعلامية لإفراغ الثورة من محتواها كحركة شعب يريد إزاحة دكتاتور وطاغية، وتصوير الاحتجاجات التي بدأت سلمية لأشهر -باعتراف الروس أنفسهم- وكأنها حرب أهلية بمكونات إثنية وطائفية وحروب وكالة بين أطراف إقليمية.

كما دمرت آلتها العسكرية مدنا، وأجبرت مجموعات كثيرة على الاستسلام؛ لكنها لن تستطيع فرض حل دائم على السوريين يشمل بقاء نظام الأسد المسؤول عن القتل منذ اليوم الأول للثورة في درعا.

وفي العامين الأخيرين؛ فتحت روسيا حوارا مع أكراد سوريا، وأرسلت -في الآونة الأخيرة- ممثلين عنها لإقناعهم بالمشاركة في "مؤتمر شعوب سوريا". ورغم سيطرتهم على نحو ربع الأراضي السورية التي تضم أهم الثروات المائية والزراعية إضافة إلى النفط؛ فإن تطورات قضية كردستان العراق ستساهم نوعا ما في عقلنة وتخفيض سقف أكراد سوريا.

لكن مشاركة الأكراد في المؤتمر تظل معتمدة على الموقف التركي الرافض لتمثيل الأكراد، والأهم من ذلك ربما يكون موقف واشنطن التي استثمرت كثيرا في الأكراد، وبنت قواعد عسكرية لها في سوريا.

ومن العوامل التي ستضعف فرص نجاح الفكرة الروسية؛ الحاجةُ الماسة إلى الدعم المادي لعملية إعادة البناء، وأن الجانب الغربي حتى الآن يريد انتقالا سياسيا كاملا وليس مجرد إصلاحات سياسية تبقي الأسد وتتغاضى عن جرائمه، كما أنه يرغب في استمرار مسار جنيف التفاوضي، ويكرر مطالبته روسيا بالضغط على النظام لينخرط في قضايا الانتقال السياسي والحوكمة.

ناهيك عن أن خروج المؤتمر بنتائج جيدة رهن بقدرة روسيا على المحافظة على التوازنات الدقيقة بين مختلف الأطراف الإقليمية، التي تتضارب تصوراتها ومصالحها بشأن مستقبل سوريا. 

لقد استطاعت روسيا توظيف خبرتها في القوقاز لبسط سيطرتها وتثبيت أقدامها في سوريا، واستغلت انحسار الدور الأميركي والأوضاع الإقليمية للعب دور المنسق بين مصالح هذه الدول، لكن محاكاة تجارب القوقاز لا تكفي لفرض الاستسلام على الثائرين ضد الأسد، وإحلال السلم المجتمعي في بلد فقد مئات الألوف من الشهداء وشُرّد نحو نصف سكانه، ويحتاج إعماره أكثر من مئتي مليار دولار لا تستطيع روسيا وحلفاؤها دفعها.

ويبدو أن استعجال موسكو لاستثمار نتائج التدخل العسكري في سوريا -مع اقتراب نهاية تنظيم الدولة- أوقعها في مشكلات كبيرة مع النظام والأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة بقوة في الأزمة السورية، مما قد يدفعها إلى إعادة النظر في القضايا التي ستُطرح في المؤتمر وطبيعة الأطراف المدعوة، أو حتى تأجيل المؤتمر إلى أجل غير مسمى في ظل تضارب مصالح اللاعبين الأساسيين، وعدم قدرة روسيا أو غيرها على فرض حل سياسي يحظى بإجماع داخلي ودولي ودعم إقليمي في المستقبل المنظور.

المصدر : الجزيرة