سيدي ولد عبد المالك

سيدي ولد عبد المالك

كاتب وباحث موريتاني متخصص في الشؤون الأفريقية

سباق نحو الجنوب
تشكل محور جديد
بين الاقتصاد والسياسة 

تعكس الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين المغرب والجزائر جرّاء اتهام وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز مساهل للبنوك والشركات المغربية بـ"تبييض أموال الحشيش" في أفريقيا؛ احتدامَ التنافس بين البلدين لتحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير والنفوذ في الفضاء الأفريقي.

فوصْف الوزير الجزائري مساهل للاستثمارات المغربية في أفريقيا بأنها استثمارات متأتية من "تبييض الأموال" يدخل في مساعي بلاده لتقويض إحدى أهم أدوات المغرب لاختراق أفريقيا (الاقتصاد والاستثمار)، ولقطع الطريق أمامها لكسب المزيد من الصفقات والأسواق في هذه القارة.

تصريحات مساهل تُوسّع دائرة المواجهة والمنافسة بين الجزائر والمغرب في أفريقيا لتوصلها إلى أرضية جديدة قاعدتها الاقتصاد، بعد أن كانت مساحة الخلاف مقتصرة سابقا على الملفات السياسية والدبلوماسية والأمنية، وعلى موضوع الصحراء الغربية بالذات الذي كان سببا في خروج المغرب من منظمة الوحدة الأفريقية سنة 1984، بعد اعتراف المنظمة بجمهورية الصحراء الغربية التي أعنت قيامها جبهة البوليساريو.

مظاهر التنافس بين الجارتين تتجاوز اليوم حدود طموحات الفاعلية الإقليمية في القضايا الأفريقية إلى المواجهة الدبلوماسية المكشوفة، حتى ولو تطلب الأمر استخدام كل طرف الدولَ المتحالفة معه في معركته مع الآخر، وذلك على مستوى الملتقيات والمنتديات والفضاءات والأطر الأفريقية.

سباق نحو الجنوب
تأتي حدة التنافس الجزائري/المغربي على أفريقيا بينما تشهد حركة الدبلوماسية العربية في منطقة شمال أفريقيا اهتماما متزايدا بالتكتلات الإقليمية بأفريقيا، وبالأخص بمنظمة التنمية الاقتصادية لهذه الدول (الإكواس) التي تعتبر الجهاز الرسمي الذي يخطط وينفذ سياسات التكامل الاقتصاديوالاندماج التنموي لـ15 بلدا في غرب القارة الأفريقية.

تأتي حدة التنافس الجزائري/المغربي على أفريقيا بينما تشهد حركة الدبلوماسية العربية في منطقة شمال أفريقيا اهتماما متزايدا بالتكتلات الإقليمية بأفريقيا، وبالأخص بمنظمة التنمية الاقتصادية لهذه الدول (الإكواس) التي تعتبر الجهاز الرسمي الذي يخطط وينفذ سياسات التكامل الاقتصادي والاندماج التنموي لـ15 بلدا في غرب القارة الأفريقية


فقد قدم المغرب قبل أشهر طلبا رسميا للانضمام إلى هذه المنظمة، ووقعت موريتانيا قبل حوالي شهرين اتفاقا للربط مع نفس المنظمة يقضي بالاستفادة من المزايا الاقتصادية "للإكواس"، مقابل تقديم موريتانيا لمزايا مشابهة للدول المنتمية للمنظمة، كما عبّرت تونس رسميا عن عزمها الانضمام إلى هذا الإطار السياسي والاقتصادي الأفريقي.

دوافع الحصول على المزايا الاقتصادية والبحث عن أسواق جديدة في المنطقة قد تكون من العوامل الرئيسية التي تدفع دول الفضاء المغاربي إلى محاولة الاندماج مع هذا التكتل الاقتصادي، الذي يبلغ تعداد ساكنته حوالي ثلث مليار نسمة ويتمتع بموارد اقتصادية وثروات طائلة.

إلا أن الاقتصاد وحده ليس هو كل ما يحرك الدول المغاربية للتقارب مع دول العمق الأفريقي؛ فثمة عوامل أخرى تفرض هذا التوجه، وتأتي في طليعتها محاولة تعويض فراغ التكتلات الاقتصادية في شمال أفريقيا، بعد فشل مشروع اتحاد المغرب العربي سواء على المستوى الاقتصادي أو على الصعيد السياسي.

وقد أصبح الانضمام إلى التكتلات الاقتصادية خيارا إستراتيجياً تمليه متطلبات النهوض الاقتصادي والتوسع التجاري، ومما يغذي هذا السعي تراجع فاعلية السوق الأوروبية التي كانت شريكا إستراتيجياً هاما لدول الاتحاد المغاربي، بسبب الهزات الاقتصادية والأزمات المالية المتلاحقة التي تعصف بالاقتصاد الأوروبي.

وكذلك لنزوع دول في الاتحاد الأوروبي إلى القطع مع الشراكة الأوروبية ومع ضوابط الاتحاد، في ظل سياسات التقوقع الذاتي التي باتت تنادي بها تيارات اليمين المتطرف، التي تحظي اليوم بحضور وازن في المشهد السياسي الأوروبي.

ثم إن تحديات الأوضاع الأمنية بالمنطقة -والمتمثلة أساسا في ملفات الأزمة الليبية والإرهاب والهجرة غير النظامية- تستدعي هي الأخرى توثيق عرى التنسيق والتكامل بين حكومات المنطقة، بما يضمن تحصين المنطقة ككل من الوقوع في الفوضى وأتون الاضطرابات الأمنية.

وبعيدا عن هذه الحسابات؛ فإن للمغرب والجزائر بالذات حساباتهما التقليدية الخاصة والمتعلقة بملف الصحراء، الذي ظل نقطة خلافية جوهرية بين البلدين على مستوى دوائر النفوذ وصنع القرار في أفريقيا.

تشكل محور جديد
كانت عودة المغرب إلى عضوية الاتحاد الأفريقي -في دورته الـ28 المنظمة في يناير/كانون الثاني 2017 بأديس أبابا- خطوةً هامة، باعتبارها تشكل تصالحا للمغرب مع فضائه الأفريقي وتعزز الحضور العربي في البيت الأفريقي.

لكن هناك عوامل سياسية واقتصادية دفعت المغرب للاهتمام بأفريقيا والتصالح مع الاتحاد الأفريقي، من بينها الاعتبارات الاقتصادية التي تمت الإشارة إليها؛ لكن العامل الرئيسي الذي يقف وراء هذه العودة هو سعي المغرب إلى منافسة غريمته الجزائر، التي تمتلك نفوذا واسعا في الاتحاد وتعتبر أحد بلدانه المموِّلة له.

ربما يسعى المغرب -بانضمامه إلى الاتحاد- لتصدّر محور جديد داخل الاتحاد، يقابل محور الجزائر/ أبوجا/بريتوريا الذي يعتبر المحور الوحيد والمهيمن على الاتحاد الأفريقي، وقد تجلت بوادر هذا الأمر بمطالبة 28 بلدا من الدول الأعضاء -في قمة كيغالي (يوليو/تموز 2016)- بطرد جمهورية الصحراء الغربية من الاتحاد


فالمغرب ربما يسعى -بانضمامه إلى الاتحاد- لتصدّر محور جديد داخل الاتحاد، يقابل محور الجزائر/ أبوجا/بريتوريا الذي يعتبر المحور الوحيد والمهيمن على الاتحاد الأفريقي، وقد تجلت بوادر هذا الأمر بمطالبة 28 بلدا من الدول الأعضاء -في قمة كيغالي (يوليو/تموز 2016)- بطرد جمهورية الصحراء الغربية من الاتحاد.

كما يعزز هذا الطرحَ وقوفُ المغرب مع مرشح السنغال لمنصب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في الدورة الـ28 للاتحاد، مقابل اصطفاف المحور الآخر خلف مرشح تشاد موسي فاكي الذي فاز بالمنصب.

فقد تكون من بين مبررات المغرب للعودة إلى البيت الأفريقي محاولةُ التأثير والتغيير من الداخل، وكسر شوكة الاعتراف بجمهورية الصحراء بشكل متدرج. ولعل هذا الأمر هو ما بات يقلق الدول الداعمة للصحراء التي ظلت تتحفظ على دخول المغرب في الاتحاد لأنها ترى فيه مساسا بالقضية الصحراوية.

وقد ذهب حزب المؤتمر الوطني الحاكم في جنوب أفريقيا إلى التعبير عن هذه المخاوف ساعتها، حيث أبدى في بيان له "أسفه على عودة" المغرب للاتحاد الأفريقي، معتبرا أن قرار الأخير قبول المغرب يعد "انتكاسة واضحة لقضية الشعب الصحراوي، ومطالبه بتقرير مصيره واستقلال الصحراء الغربية".

كما اعتبر رئيس زيمبابوي روبرت موغابي أن قرار قبول عودة المغرب "يثبت أن القادة الأفارقة لا يفكرون بشكل صحيح"، مضيفا أن "المال المغربي هو الذي لعب الدور الأكبر في اتخاذ هذا القرار".

فالاتحاد الأفريقي ظل منذ تأسيسه محكوما برؤية تقليدية تُغلّب الثوابت الأساسية لمنظمة الوحدة الأفريقية (سلف الاتحاد الأفريقي)، كالدفاع عن سيادة واستقلال الحوزة الترابية للدول الأعضاء، على غيرها من الملفات والتحديات الكبيرة التي تواجه القارة الأفريقية اليوم. وتدعم هذه الرؤيةَ الجزائرُ وجنوب أفريقيا ونيجيريا، بينما لا يزال ضعيفاً التيارُ الذي يعتمد مقاربة جديدة للاتحاد تقوم على الاهتمام بالقضايا التنموية والاقتصادية.

ومن المنتظر أن يلعب المغرب دورا محوريا في تزعّم هذا التيار على المستوى الأفريقي، من أجل قلب المقاربة التقليدية لصالح توجه جديد تحكمه في الأساس المصالح الاقتصادية على حساب الأجندات السياسية، وهو ما قد يضعف تعاطف الأفارقة مع ملف الصحراء.

بين الاقتصاد والسياسة
استفاد الحضور المغربي في أفريقيا من تراجع الدور الجزائري فيها، فالعشرية السوداء التي شهدتها الجزائر والأزمة التي لحقت قبل ذلك باقتصاد البلاد سنة 1985؛ أثّرتا على الطموح الجزائري بأفريقيا، بعد أن كانت الجزائر اللاعبَ الشمال أفريقي الأكثرَ تأثيرا في قرارات القارة، نتيجة دعمها المالي السخي لبلدانها ومساندتها واحتضانها حركات التحرر الأفريقي.

صحيح أن حركة الدبلوماسية المغربية تُحرز الآن تقدما كبيرا في مسار الحضور أفريقياً، لكن هذا لا يعني بالطبع أن الطريق أمامها محفوف بالورود؛ فالجزائر تمتلك حلفا إستراتيجياً وتقليديا (نيجريا وجنوب أفريقيا وأنغولا، مثلاً) يتمتع بنفوذ سياسي واسع وتأثير اقتصادي كبير وقوة ديموغرافية مؤثرة، كما أنها باتت تستشعر حجم المنافسة المغربية


لكن الجزائر لم تُحدث آلية تفكير إستراتيجي تتواءم مع متطلبات المرحلة، تحافظ بموجبها على تأثيرها التقليدي وتؤسس لرؤية براغماتية تؤمّن لها ترسيخ أقدامها في القارة، وظل اهتمامها منصبا أكثر على الاتحاد الأفريقي ومن قبله منظمة الوحدة الأفريقية، على حساب بناء علاقات واسعة مع الدول الأعضاء.

في حين ركز المغرب -قبل عودته إلى الاتحاد الأفريقي- في السنوات الأخيرة على اختراق دول أفريقية جديدة في وسط وشرق القارة مستفيدا من حضوره التقليدي بغربها، وذلك عبر تكثيف الزيارات الدبلوماسية، وتعزيز التعاون الاقتصادي البيني وتوجيه الاستثمارات المغربية نحو أفريقيا.

تقديم حسابات السياسة في ثوب الاقتصاد مكن المغرب من جلب تعاطف أفريقي معه بخصوص قضية الصحراء، فقطع العديد من الدول الأفريقية علاقاتها مع الصحراء وارتمت في أحضان المغرب.

صحيح أن حركة الدبلوماسية المغربية تُحرز الآن تقدما كبيرا في مسار الحضور أفريقياً، لكن هذا لا يعني بالطبع أن الطريق أمامها محفوف بالورود؛ فالجزائر تمتلك حلفا إستراتيجياً وتقليديا (نيجريا وجنوب أفريقيا وأنغولا، مثلاً) يتمتع بنفوذ سياسي واسع وتأثير اقتصادي كبير وقوة ديموغرافية مؤثرة، كما أنها باتت تستشعر حجم المنافسة المغربية وبدأت تفكر في إلقاء ثقلها في القارة مجددا.

تداعيات الاستقطاب بين الجزائر والمغرب ستؤثر حتما على طبيعة الانسجام الذي ظل يطبع الاتحاد الأفريقي في السنوات الأخيرة؛ فملف الصحراء لن يكون هو نقطة الخلاف الوحيدة، بل إن تباين وجهات النظر بين الجارتين الشماليتين في كثير من الملفات الإقليمية (الوضع بمنطقة الساحل مثلا) سيلقي بظلاله على أجندات الاتحاد الأفريقي مستقبلاً.

المصدر : الجزيرة