جوزيف س. ناي، الابن

جوزيف س. ناي، الابن

كاتب أميركي وأستاذ في جامعة هارفارد

هذا الأسبوع، صَوَّت الأكراد في شمال العراق بأغلبية ساحقة لصالح استقلال إقليم كردستان عن البلاد. يبلغ عدد الأكراد ثلاثين مليون نسمة، وهم مقسمون بين أربع دول (العراق وتركيا وسوريا وإيران)، ويزعم القوميون أنهم يستحقون اعتراف العالَم. وفي إسبانيا، يثير نحو 7.5 ملايين كتالوني نفس القضية.

ولكن هل من المهم أن نعرف أن استطلاعات الرأي تُظهِر أن أهل كتالونيا -على عكس الأكراد- منقسمون إلى حد بعيد بشأن هذه القضية؟ وهل من المهم أن نعرف أن الدول المتاخمة لكردستان العراق ربما تستخدم القوة لمقاومة الانفصال؟

الواقع أن تقرير المصير الوطني ذاتيا -وهو المبدأ الذي وضعه الرئيس الأميركي وودرو ويلسون على الأجندة الدولية عام 1918- يُعَرَّف عموما بأنه حق أي شعب في تشكيل دولته. ولكن من تكون "الذات" التي تقرر هذا المصير؟ لنتأمل هنا حالة الصومالا لذي كان شعبه -على عكس شعوب أغلب الدول الأفريقية المستقلة حديثا- ينتمي تقريبا إلى نفس الخلفية اللغوية والعِرقية.

حق تقرير المصير الوطني ذاتيا -وهو المبدأ الذي وضعه الرئيس الأميركي وودرو ويلسون على الأجندة الدولية عام 1918- يُعَرَّف عموما بأنه حق أي شعب في تشكيل دولته. ولكن من تكون "الذات" التي تقرر هذا المصير؟ 


تشكلت كينيا المجاورة على يد الحكم الاستعماري من عشرات الشعوب أو القبائل، وقد زعم الصومال أن مبدأ تقرير المصير ينبغي أن يسمح للصوماليين في شمال شرق كينيا وجنوب إثيوبيا بالانفصال. ورفضت كينيا وإثيوبيا ذلك، مما أسفر عن عدد من الحروب الإقليمية بسبب المسألة الوطنية الصومالية.

وكانت النتيجة -التي لا تخلو من مفارقة- أن الصومال ذاته تجزأ لاحقا في خضم حرب أهلية دارت رحاها بين عشائره وقادته من أمراء الحرب. واليوم أصبح إقليمه الشمالي (أرض الصومال) دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع، رغم أنه يفتقر إلى الاعتراف الدولي أو عضوية الأمم المتحدة.

والواقع أنالتصويت لا يحل دائما مشاكل تقرير المصير، فأولا هناك مسألة تحديد مكان التصويت؛ ففي إيرلندا مثلا اعترض الكاثوليك سنوات عديدة على أنه إذا جرى التصويت داخل المنطقة السياسية في شمال إيرلندا، فإن الغَلَبة ستكون للأغلبية البروتستانتية التي تشكل الثلثين.

ورد البروتستانت بأنه إذا جرى التصويت داخل المنطقة الجغرافية للجزيرة بالكامل، فستكون الغَلَبة للأغلبية الكاثوليكية. وفي نهاية المطاف، وبعد عقود من الصراع؛ ساعدت الوساطة الخارجية في جلب السلام إلى إيرلندا الشمالية.

وهناك أيضا مسألة متى يُعقَد التصويت؟ في ستينيات القرن العشرين، أراد الصوماليون التصويت فورا؛ وأرادت كينيا الانتظار لمدة أربعين أو خمسين عاما حتى تتسنى لها إعادة تشكيل الولاءات القَبَلية وصياغة الهوية الكينية.

هناك مشكلة أخرى تتمثل في كيفية وزن مصالح أولئك المتخلفين عن الركب؛ فهل سيُلحق الانفصالُ الضررَ بهم بحرمانهم من الموارد أو بالتسبب في ارتباك من نوع آخر؟

تحتفظ كردستان العراق بقدر كبير من الاحتياطيات النفطية، وتشير التقديرات إلى أن كتالونيا تمثل 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسباني. وتزعم حكومة إسبانيا أن التصويت على الاستقلال في كتالونيا غير قانوني بموجب الدستور الإسباني.

والتاريخ ليس مشجعا في هذا الصدد؛ فبعد تفكك إمبراطورية هابسبورغ 1918 جرى ضم منطقة سوديتنلاند إلى تشيكوسلوفاكيا، رغم أن أغلبية الناس هناك كانت تتحدث اللغة الألمانية. وبعد التوصل إلى اتفاق في ميونيخ مع أدولف هتلر عام 1938، انفصل الألمان في سوديتنلاند عن تشكوسلوفاكيا وانضموا إلى ألمانيا.

ولكن خسارة الحدود الجبلية حيث كانوا يعيشون مثلت نكسة شديدة للدفاعات التشيكية؛ فهل كان من الصواب السماح للألمان في منطقة سوديتنلاند بتقرير المصير، حتى ولو كان ذلك يعني تجريد تشيكوسلوفاكيا (التي مزقتها ألمانيا بعد ستة أشهر) من دفاعاتها العسكرية؟

ولنأخذ من أفريقيا مثالا آخر؛ فعندما قرر أهل جنوب شرق نيجيريا الانفصال وتشكيل دولة بيافرا في ستينيات القرن العشرين، قاوم النيجيريون الآخرون ذلك، وهو ما يرجع جزئيا إلى أن بيافرا كانت تضم أغلب النفط النيجيري. وقد زعموا أن النفط ينتمي إلى كل شعب نيجيريا، وليس المنطقة الجنوبية الشرقية فحسب.

وبعد نهاية الحرب الباردة، أصبح تقرير المصير قضية حادة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق. ففي القوقاز، طالب كل من الأذربيجانيين والأرمن والجورجيين والأبخازيين والشيشانبدولة مستقلة.

أفضل أمل للمستقبل هو أن نسأل عن المصير المطلوب تقريره ومن سيقرره؟ في الحالات التي تتعايش فيها المجموعات داخل دولة واحدة بصعوبة، ربما يمكن المساح بدرجة من الحكم الذاتي في تقرير الشؤون الداخلية. وتوفر دول مثل سويسرا أو بلجيكا قدرا كبيرا من الاستقلالية السياسية الثقافية والاقتصادية والسياسية لمجموعاتها التأسيسية


وفي يوغوسلافيا، تمكن السلوفينيون والصرب والكروات من اقتطاع جمهوريات مستقلة، ولكن المسلمين في البوسنة والهرسك كانوا أقل نجاحا، وأُخضِعوا لحملة "تطهير عِرقي" على أيدي كل من القوات الكرواتية والصربية.

في عام 1995، أرسِلَت قوة لحفظ السلام تابعة لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى المنطقة المضطربة، ولكن عندما تدخل الحلف عسكريا في كوسوفو 1999 أيدت روسيا اعتراضات صربيا على الانفصال، وحتى الآن لم تُقبَل كوسوفو في الأمم المتحدة. وفي المقابل؛ استندت روسيا إلى مبدأ تقرير المصير لدعم انفصال أبخازيا عن جورجيا في 2008، وفي 2014 غزت شبه جزيرة القرم وضمتها إليها.

لقد تبين لنا أن تقرير المصير مبدأ أخلاقي غامض، ويبدو أن ويلسون تصور أنه كفيل بجلب الاستقرار إلى أوروبا الوسطى؛ ولكن ما حدث -بدلا من ذلك- هو أن أودلف هتلر استغل ذلك المبدأ لتقويض الدول الجديدة الهشة بالمنطقة في ثلاثينيات القرن العشرين.

ويظل الدرس صالحا اليوم. إن أقل من 10% من دول العالَم متجانسة سكانيا، وهذا يعني أن التعامل مع تقرير المصير باعتباره مبدأً أخلاقيا أوليا وليس ثانويا ربما تترتب عليه عواقب كارثية في عديد من أجزاء العالَم. والواقع أن المجموعات العرقية المعادية تكون غالبا مختلطة ولا يمكن فصلها بدقة.

وهذا يجعل التقسيم صعبا كما اكتشفت الهند عام 1947، ولعل هذا هو السبب وراء قبول عدد ضئيل فقط من الدول الجديدة في عضوية الأمم المتحدة هذا القرن. فمثلا بعد انفصالها عن السودان، استمرت الاضطرابات العِرقية داخل دولة جنوب السودان دون انقطاع عمليا.

إن أفضل أمل للمستقبل هو أن نسأل عن المصير المطلوب تقريره ومن سيقرره؟ في الحالات التي تتعايش فيها المجموعات داخل دولة واحدة بصعوبة، ربما يمكن المساح بدرجة من الحكم الذاتي في تقرير الشؤون الداخلية. وتوفر دول مثل سويسرا أو بلجيكا قدرا كبيرا من الاستقلالية السياسية الثقافية والاقتصادية والسياسية لمجموعاتها التأسيسية.

وعندما لا يكون الحكم الذاتي كافيا فربما يكون من الممكن ترتيب الانفصال الودي، كما حدث عندما جرى تقسيم تشيكوسلوفاكيا سلميا إلى دولتين تتمتع كل منهما بالسيادة الكاملة. بيد أن المطالب المطلقة لتقرير المصير تتحول في الأرجح إلى مصدر للعنف، ولهذا السبب لا بد من أن يكون التعامل معها بحرص شديد.

وقبل استحضار مسألة تقرير المصير بوصفها مبدأً أخلاقيا؛ يتعين علينا أن نلتفت إلى الصيغة الدبلوماسية من قَسَم أبقراط: "أولاً، لا تُؤذِ".

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات