حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي، متخصِّص في الشؤون الأوروبية

أين تقف أوروبا؟
صدوع عبر القارة
ازدواجية في المعايير 

تحبس أوروبا أنفاسها وهي تترقب ما يجري في إسبانيا بحذر يدفعها إلى الزهد في البلاغات والتصريحات. فتطورات كتالونيا الطامحة للاستقلال عن المملكة الإسبانية قد تتدحرج لتخرج عن السيطرة؛ إن لم تكن قد انزلقت بالفعل تحت وطأة عناد الحكومة المركزية واندفاع إدارة الإقليم لفرض خياراتها.

تتعاظم في الإقليم الواقع شمال شرق إسبانيا أعلى موجة انفصالية ضمن الاتحاد الأوروبي، وهي مدعومة بعمق تاريخي ووعي جمعي جارف بهوية "أمة كتلانية" لم تعد تجد فرصتها في إسبانيا.

ليس خافياً أنّ الكتلان يشعرون بخصوصية ثقافية مستقلة كما لا يحس بها غيرهم تقريباً في الأقاليم الإسبانية، ولا يبدو لمعظمهم أنّ خيار الحكم الذاتي -الذي يحظون به حالياً- يستوعب طموحاتهم المشفوعة بذرائع اقتصادية أيضاً، ويُغْني عن جدوى الانعتاق المفترضة. وبعد تحركات متلاحقة في السنوات الماضية، شملت إجراء استفتاءات رمزية للانفصال؛ بدا أنه آنت لحظة الخطوة الحاسمة التي من شأنها أن تخرج بجمهورية كتالونيا إلى السطح.

استبقت الحكومة الإسبانية المركزية والمؤسسة القضائية المنسجمة معها خطوة الاستفتاء بحملة واسعة لكبح العملية، وقد هدفت -على ما يبدو- إلى توفير الأرضية القانونية والمبررات العملية لتأكيد رواية مدريد بأنّ الاقتراع خطوة غير شرعية ولا تستوفي الأركان. كما تحركت الحكومة لمصادرة وثائق وسجلات وأوراق انتخابية قبل أيام من التوجه إلى الاستفتاء، ثم باشرت إغلاق بعض المراكز وصادرت الصناديق يوم الاقتراع.

لم تقتصر تطورات 1 أكتوبر/تشرين الأول الجاري على إجراء الاستفتاء الساخن على استقلال الإقليم؛ بل امتدت إلى مشاهد تُعدّ استثنائية في السياق الأوروبي الغربي. فقد دفعت مدريد بحشود من "الحرس المدني" لعرقلة الاقتراع بالقوة، فطارت الكاميرات بمشاهد الضرب بالهراوات والسحل وإطلاق الأعيرة المطاطية، مما أوقع مئات الإصابات بين جمهور أعزل.

خسرت مدريد مقابل برشلونة في ملعب الصورة؛ فقد تفاعلت مشاهد القسوة بحق السلاسل البشرية التي حاولت حماية مراكز الاقتراع، وحظيت بتعليقات لاذعة في شبكات التواصل الاجتماعي الأوروبية، لكنّ وسائل الإعلام انصرفت في اليوم التالي إلى مذبحة لاس فيغاس بأميركا.

لا تقتصر المسالة الآن على حدود الاستفتاء بل تتعداها إلى ما بعده. تتمسّك مدريد بمقولتها عن عدم شرعية الاقتراع، ويتذرّع مناهضو الانفصال في الإقليم بثغرات فيه وبعدم استيفاء أركانه وشروطه، خاصة أنهم أعلنوا مقاطعته سلفاً، لكنّ ذلك لن يكبح روح الاستقلال عن الاحتجاج بالتصويت الواسع، ورمي حكومة ماريانو راخوي المركزية بمحاولة حرمان "الأمة الكتلانية" من حقها في تقرير المصير في استفتاء مشهود.

أين تقف أوروبا؟
حافظت الأطراف الأوروبية طويلاً على صمتها ولم تشأ التعليق على التوجهات الكتلانية الجارفة، لكنّ الرواية التي تبلورت في أروقة القارة قُبيل إجراء الاستفتاء هي الإعراب عن "احترام" نتائج أي استفتاء "سليم من الناحية القانونية"، مع التنبيه إلى أنّ الانفصال لن يحقق لكتالونيا عضوية تلقائية في الاتحاد الأوروبي.

ليس خافياً أنّ الكتلان يشعرون بخصوصية ثقافية مستقلة كما لا يحس بها غيرهم تقريباً في الأقاليم الإسبانية، ولا يبدو لمعظمهم أنّ خيار الحكم الذاتي -الذي يحظون به حالياً- يستوعب طموحاتهم المشفوعة بذرائع اقتصادية أيضاً، ويُغْني عن جدوى الانعتاق المفترضة. وبعد تحركات متلاحقة في السنوات الماضية؛ بدا أنه آنت لحظة الخطوة الحاسمة التي من شأنها أن تخرج بجمهورية كتالونيا إلى السطح


جاءت هذه الثنائية تحديداً على لسان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر الذي رسم -بصفة استباقية- موقف الاتحاد الأوروبي، وتوالت البلاغات على المنوال ذاته من عواصم أوروبا.

يبدو منطقياً هذا الإلحاح على اشتراط الصفة القانونية للاستفتاء، لكنه في المحصلة يضع المواقف الأوروبية في خندق حكومة راخوي التي تسلّحت بورقة القانون في مسعاها لقطع الطريق على الاقتراع الكتلاني. أما التنبيه قبيل الاستفتاء إلى فقدان عضوية الاتحاد الأوروبي فهو إشارة أريد منها تثبيط التطلعات الانفصالية، التي تمنح جمهورها وعوداً سخية حال الانعتاق من العَلم الإسباني، الذي بات غائباً تقريباً عن الأجواء الكتلانية.

إن كان التلويح بورقة الخروج من أوروبا الموحدة وصفة رادعة للإقليم؛ فإنّ جديته تبقى موضع شك. لا غنى لكتالونيا إن استقلّت حقاً عن الحفاظ على امتيازات الانفتاح على أوروبا، وما يترتب على ذلك من أواصر ووشائج تصعب التضحية بها بالنسبة لإقليم ينعم بالسياحة والاستثمارات الخارجية.

لكنّ الإقليم -الذي يُشغل أوروبا والعالم هذه الأيام- لديه ما يلوِّح به في المقابل؛ فالإصرار على إخراجه من الرواق الأوروبي سيمنحه فرصة التحوّل إلى واحة ضريبية جاذبة للاستثمارات ورؤوس الأموال التي ستفر من الدول الأعضاء إلى محطة قريبة لا تقع هذه المرة في الكاريبي مثلاً. كما أنّ المساس بالانفتاح الأوروبي على كتالونيا سيعود بأضرار فادحة على مئات الشركات الأوروبية الكبرى التي تتخذ من الإقليم مقراً لها.

تتضارب التقديرات الاقتصادية لجدوى الانعتاق الكتلاني من إسبانيا بين مؤيديه ومعارضيه، فلكل طرف روايته المدعومة بالدراسات والمؤشرات، لكنّ الذي يصنع الحالة الآن هو الشعور الجماهيري الجارف. فلا صوت يعلو على هتافات الاستقلال التي تتردد في مدن الإقليم أسوة بمشجعي المدرجات الكروية المتأججة.

لدى أوروبا ما تخشاه سواء نجحت مساعي الاستقلال عاجلاً أم لم تنجح؛ فإن تمكنت مدريد من تهشيم المحاولة الكتلانية أو احتوائها فإنّ ندوباً ستبقى بادية في الوعي الجمعي للإقليم الذي يستشعر الآن فجوة معنوية واسعة عن الدولة التي ينضوي تحت لوائها. وثمة شعور بالمهانة من سلوك قوات "الحرس المدني" تحديداً مع جماهير كتالونيا.

وإذ أعلن الإقليم "نجاح الاستفتاء" بنتيجة ساحقة لصالح الاستقلال تجاوزت تسعة أعشار المصوتين؛ فإنّ الحكومة المركزية -التي تتجاهله بصرامة- تواجه خطر الرفض الشعبي المتواصل في كتالونيا الذي قد يتصاعد إلى درجة عصيان مدني. ولدى الأجهزة الكتالونية ما قد تستقوي به من خطوات تصعيدية على نحو يرسم توقعات متعددة لمآلات الحالة الراهنة، التي تصفها الأغلفة بتناطح ثورين هائجين في حلبة تقليدية.

 صدوع عبر القارة
لا مصلحة لأوروبا في احتقان على هذا النحو في كتالونيا قد يتمدد إلى أقاليم أخرى داخل إسبانيا وربما خارجها. فلن يبقى نجاح هذه العملية الانفصالية إن تمت بدون ارتدادات ملموسة الأثر على خطوط الصدع الكامنة تحت السطح في دول عدة، وقد تنكأ جروحاً مزمنة.

لدى أوروبا ما تخشاه من الهواجس من أن تشقّ بادرة كتالونيا مساراً يعيد رسم خرائطها، فإعادة رسم الخرائط تبدو امتيازاً للعالم العربي والإسلامي في هذه المرحلة الذي تتزامن مع مئوية اتفاقية سايكس بيكو.

تمتد تفاعلات ملف انفصال كتالونيا إلى مساعي توسيع صلاحيات الحكم الذاتي في غرينلاند وجزر الفارو التابعة للدانمارك، وقد تنتعش تلك المساعي إن نجحت التحركات الكتلانية. ولا شكّ أنّ لندن تتابع بحذر حمى الاستقلال في شمال شرق إسبانيا، فنجاح هذا المسار الانفصالي قد يُنعش حالات شبيهة في أسكتلندا وإيرلندا الشمالية


قد يلحظ بعضهم مثلاً أنّ الإقليم المشاغب يعادل مساحة بلجيكا التي تحتضن مقرات الوحدة الأوروبية، فذلك البلد الذي يتوسط أوروبا الغربية منقسم على ذاته أساساً، فإقليم فلاندرن -المتحدث بالفلامنية (الهولندية البلجيكية) والواقع شمالاً- تختمر فيه تطلعات الانفصال عن منطقة والونيا الناطقة بالفرنسية والواقعة جنوباً.

وما زالت النزعات المناطقية راسخة في إيطاليا -التي تعيش تحديات اقتصادية- تغوي أطرافاً في الشمال الثري بانفصال المسماة "بادانيا" عن الجنوب ذي الحظوة الأدنى.

وما زالت فرنسا تطمس كل أثر للروح المناطقية في بعض أقاليمها، بما فيها جزيرة كورسيكا، وتحتفظ بصرامتها المعهودة التي تنبذ التعددية الثقافية واللغوية في الداخل، وإن ظلت تنادي بها عالمياً كي تضمن للفرانكفونية مساحة بقاء في زمن التأثير الثقافي الأميركي.

وتمتد التفاعلات إلى مساعي توسيع صلاحيات الحكم الذاتي في غرينلاند وجزر الفارو التابعة للدانمارك، وقد تنتعش تلك المساعي إن نجحت التحركات الكتلانية. ولا شكّ أنّ لندن تتابع بحذر حمى الاستقلال في شمال شرق إسبانيا، فنجاح هذا المسار الانفصالي قد يُنعش حالات شبيهة في أسكتلندا وإيرلندا الشمالية، وهو استقلال قد يحظى بالبقاء في الاتحاد الأوروبي الذي تستعد بريطانيا لمغادرته.

ولم يكن مفاجئاً أن تطلق نيكولا ستيرجون رئيسة حكومة أسكتلندا تغريدات ناقدة بشدة لسلوك القوات الحكومية بحق جماهير كتالونيا. وتوالت مثل هذه التغريدات أيضاً من الأوساط المنادية بالانفصال في شمال بلجيكا، وفي إقليم بافاريا الألماني وغيره.

يخاطر الاتحاد الأوروبي بقسط من رصيده إن بدا في عيون شعوب الدول الأعضاء متماثلاً مع قيادة راخوي الإسبانية التي صدمت الجمهور في أنحاء القارة بسلوك قواتها في الميدان. وما يزيد من وطأة الموقف أنّ نزعات الفكاك من الاتحاد الأوروبي تتفاعل منذ سنوات، وقد صنعت الحدث بالفعل في بريطانيا.

ثمة أزمة ثقة ضمن أوساط شعبية عبر القارة بالمؤسسة الأوروبية التي تبدو منفصلة عن الواقع على الأرض، علاوة على مفعول حس شائع يرى الانتماء الأوروبي متعارضاً مع الهوية الوطنية.

تتحسس أوروبا الموحَّدة بصفة متزايدة من أساليب الديمقراطية المباشرة، فالاستفتاءات الشعبية تنتصب تهديداً ماحقاً للبنيان الأوروبي المشترك؛ كما تجلّى في الحالة البريطانية التي انزلقت فيها المملكة المتحدة إلى تصويت سيُخرجها من الاتحاد الأوروبي.

لكنّ التجربة الكتلانية كشفت عمقاً واقعياً آخر للتهديد الذي يمسّ بتماسك الدول الأعضاء ذاتها؛ إن تصاعدت مطالب الانفصال داخلها ولجأت جماهيرها إلى صناديق الاقتراع لفرض خياراتها بقوة الديمقراطية المباشرة.

لا يملك الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء سوى الوقوف مع مدريد في هذه الجولة، لكنّ الكلفة الأخلاقية والمعنوية ستكون عالية إن تم صرف النظر عن أي تجاوزات منسوبة إلى الحكومة الإسبانية اليمينية في الميدان. وقد حاولت المفوضية الأوروبية توجيه إشارات مخففة بالتنبيه إلى أهمية تجنب التجاوزات بحق المواطنين، والتذكير بأنّ "العنف لا يمكن أن يكون أداة للسياسة"، كما قال متحدث باسمها.

ازدواجية في المعايير
تتراجع ثقة جماهير كتالونيا بأوروبا وتتزايد مراهنتهم على تدويل قضيتهم، بالدعوة إلى دور دولي لتحقيق تطلعاتهم ونزع فتيل الأزمة، وفي هذا ما يكفي من الإحراج للاتحاد الأوروبي قبل إسبانيا ذاتها.

لأنّ إسبانيا لا تقع جنوب المتوسط مثلاً ولا في ثنايا العالم العربي والإسلامي؛ فلا يبدو مستغرباً أن تخوض كتالونيا ملحمتها دون أن تحظى بظهير دولي مساند لها، فمن يجرؤ على التلاعب بالملفات الانفصالية في دول "العالم الأول" أساساً


لكنّ مساعي الانفصال التي تتفاعل ضمن الدول الغربية لا تجد من يدعمها في الخارج، بينما تجتذب حالات شبيهة تواطؤات خارجية معها وخطوط تشجيع وإسناد متعددة، ودعوات لاحترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

ولأنّ إسبانيا لا تقع جنوب المتوسط مثلاً ولا في ثنايا العالم العربي والإسلامي؛ فلا يبدو مستغرباً أن تخوض كتالونيا ملحمتها دون أن تحظى بظهير دولي مساند لها، فمن يجرؤ على التلاعب بالملفات الانفصالية في دول "العالم الأول" أساساً؟ ولذلك تفرض التطورات الإسبانية مراجعات في السلوك الرسمي الأوروبي إزاء الملفات الانفصالية.

فقد شهد شرق أوروبا -بعد نهاية الحرب الباردة- تصدعات جسيمة، انهارت معها دول وتفككت فيها أقاليم ضمن مخاضات شاقة. وكان انفصال بعض الأقاليم آنذاك يجري تحت شعارات "اللحاق بأوروبا"، وهذه الأخيرة أطلقت نداءات تدعو لاحترام "حق تقرير المصير"، كما جرى مع سلوفينيا ابتداء التي انفرط من بعدها عقد الاتحاد اليوغسلافي.

ورغم التباينات القائمة بين الملفات الانفصالية المتعددة وصعوبة وضعها جميعاً في سلة واحدة؛ فإن تجاهل تطلعات كتالونيا الاستقلالية يمنح زخماً لمقولة "ازدواجية المعايير" في السياسات الأوروبية والغربية التي تبدو جواباً تعميمياً مريحا لجمهور حائر بشأن تفسير مواقف رسمية متعارضة من ملفات انفصالية قد تبدو في ظاهرها متشابهة.

ويبدو في النهاية أنّ ثمة شعوباً وأقاليم تم منحها حق تقرير المصير مع تصفيق العالم الحار لإصرارها، مثل تيمور الشرقية وجنوب السودان، بينما بقيت غيرها منسية في هوامش الوعي ومتروكة بلا اكتراث.

المصدر : الجزيرة

التعليقات