كارل بيلت

كارل بيلت

رئيس وزراء السويد سابقا

هل يمكن أن يشهد العالم قريبا حربا مدمرة أخرى على شبه الجزيرة الكورية؟ يخيم هذا السؤال على كثير من المحادثات هذه الأيام. وبطبيعة الحال، ليست المخاوف بشأن برنامج الأسلحة النووية لنظام كوريا الشمالية شيئا جديدا.

لقد حاولت الولايات المتحدة أولا حل المسألة عام 1994 في إطار الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؛ ولكن هذا الجهد انهار تدريجيا بسبب الإجراءات المتخذة -وغير المتخذة- من الجانبين. وفي عام 2006، فجر نظام كيم جونغ إيل أول جهاز نووي لكوريا الشمالية، وألقى باللوم مرة أخرى على سياسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفي العِقد الذي أعقب ذلك، أجرت كوريا الشمالية خمس تجارب نووية أخرى -كانت أخراها في سبتمبر/أيلول الماضي- وأظهرت التمكن التكنولوجي اللازم لتطوير أسلحة نووية حرارية متقدمة.

وتحت قيادة كيم جونغ أون، ساء الوضع أكثر عندما بدأ النظام إحراز تقدم كبير نحو تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، وقادر على الوصول إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة. وتزامن هذا التطور مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمبالذي وعد بنهج جديد للشؤون العالمية.

نظرا إلى أن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لم تظهرا أي حماس لإجراء محادثات، فإنه يمكن للمرء أن يستنتج أن الحرب أمر لا مفر منه. ومع ذلك، فمن غير المحتمل أن يبدأ النظام الكوري الشمالي -بسبب كل ما يعانيه- صراعا عسكريا شاملا، لأن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى نهايته


وقد أوضحت كوريا الشمالية التزامها بتطوير قدرة بعيدة المدى للضربات النووية. ويرى زعيمها كيم أن الأسلحة النووية هي التأمين الوحيد ضد الهجوم، وأنه بدونها سيلقى مصير الآخرين الذين تخلوا عن سعيهم لامتلاك أسلحة نووية، مثل صدام حسين في العراق ومعمر القذافي بليبيا.

وفي هذا السياق، لا يمكن تحقيق الهدف الأميركي المتمثل في نزع سلاح كوريا الشمالية الخالية من الأسلحة النووية بالوسائل الدبلوماسية. وعلى أية حال، فقد أعلن ترمب أن الدبلوماسية مجرد "مضيعة للوقت"، وحذر بشؤم من أن "شيئا واحدا فقط سينجح"، رغم أنه لم يوضح ما الذي يعنيه بذلك.

ونظرا إلى أن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لم تظهرا أي حماس لإجراء محادثات، فإنه يمكن للمرء أن يستنتج أن الحرب أمر لا مفر منه. ومع ذلك، فمن غير المحتمل أن يبدأ النظام الكوري الشمالي -بسبب كل ما يعانيه- صراعا عسكريا شاملا، لأن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى نهايته.

وفي الوقت نفسه، لا تملك الولايات المتحدة خيارات جيدة؛ فالضربات الجراحية قد تبدو واعدة، لكنها ليست مضمونة. وكما يعلم القادة العسكريون الأميركيون جيدا؛ فإن الضربات إذا فشلت في القضاء على جميع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية في وقت واحد، قد تؤدي إلى حرب إقليمية أو حرب نووية ستكلف ملايين الأرواح.

في الولايات المتحدة، غالبا ما يعتقد أولئك الذين يدعون إلى العمل العسكري أن الردع لن ينجح ضد نظام "غير عقلاني". ولكن ليس هناك ما يدعو إلى افتراض أن كيم عازم على الانتحار الجماعي.

وبعد كل شيء، فإن الصين عندما بدأت تحت قيادة ماوتسي تونغ انطلاقتها في الأسلحة النووية خلال الستينيات؛ كان منطقها مختلفا قليلا عن وضع كوريا الشمالية اليوم، ولكن لا أحد يشك في أن الردع سينجح.

ومع ذلك، وحتى مع افتراض أن هذا الردع -الذي يتجسد في تهديد ترمب بأن الولايات المتحدة "ستدمر كليا" كوريا الشمالية- سينجح؛ فإنه لن يمنع كوريا الشمالية المسلحة بالصواريخ النووية من القيام بتغيير جذري لحساب التفاضل والتكامل الإستراتيجي في شمال شرق آسيا.

إن الردع النووي الأميركي يحمي الولايات المتحدة أولا وقبل كل شيء. ويبقى أن نرى ما إن كان "الردع الممتد" للولايات المتحدة سيواصل حماية الحلفاء الأميركيين مثل كوريا الجنوبية واليابان.

إذا أصبح البر الرئيسي الأميركي هدفا محتملا لضربة نووية من كوريا الشمالية، فإن مصداقية الردع يمكن أن تعتمد على ما إن كانت واشنطن مستعدة للتضحية بسان فرانسيسكو لإنقاذ سول أو طوكيو. إن الشك حول المظلة النووية الأميركية في المنطقة يمكن أن يؤدي بكوريا الجنوبية واليابان إلى اتخاذ قرار بشأن تطوير الخيارات النووية الخاصة بهما.

كان هدف النهج الأميركي تجاه كوريا الشمالية يكمن في تشديد العقوبات، والاستعانة بمصادر خارجية لحل المشكلة مثل الصين. ولأن الصين لديها علاقات اقتصادية قوية مع كوريا الشمالية، فمن غير الواضح ما إن كانت الصين لديها النفوذ لتغيير سلوك نظام كيم، حتى لو أرادت ذلك


في الواقع، كانت كوريا الجنوبية تمتلك برنامجا للأسلحة النووية قبل كوريا الشمالية، لكن تم التخلي عن هذا البرنامج عندما وقعت كوريا الجنوبية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1975، ولكن إعادة تشغيله أصبحت موضوع نقاش في سول. ومن الجلي أن المزيد من التصعيد النووي في شبه الجزيرة الكورية سيكون خطرا للغاية، إذ سيشعر نظام كيم بالتهديد أكثر من السابق ليس إلا.

حتى الآن؛ كان هدف النهج الأميركي تجاه كوريا الشمالية يكمن في تشديد العقوبات، والاستعانة بمصادر خارجية لحل المشكلة مثل الصين. ولأن الصين لديها علاقات اقتصادية قوية مع كوريا الشمالية، فمن غير الواضح ما إن كانت الصين لديها النفوذ لتغيير سلوك نظام كيم، حتى لو أرادت ذلك. وربما يتطلب النجاح شيئا قريبا من تغيير النظام.

ومن ثم فإنه من غير الحكمة الاعتماد اعتمادا كليا على الصين. ومن الواضح أن هناك حاجة إلى نهج دبلوماسي أوسع نطاقا، وينبغي أن يبدأ بمعالجة مسألة أساسية في صميم المشكلة، ألا وهي عدم توقيع أي معاهدة سلام على الإطلاق لإنهاء الحرب الكورية 1950-1953.

ومن شأن إجراء حوار لاستبدال اتفاق رسمي للسلام بالهدنة المتواصلة منذ 64 عاما، أن يمهد الطريق لإجراء مناقشات أوسع نطاقا بشأن التصعيد النووي، وغيره من التهديدات التي يتعرض لها الاستقرار الإقليمي. ويمكن -كحد أدنى- التخلص من المشكل الدبلوماسي الحالي، وإعطاء الأطراف المعنية سببا أكبر للامتناع عن الاستفزازات الأخرى.

وعلى نطاق أوسع؛ سيكون على جولة جديدة من الدبلوماسية معالجة المخاوف الأمنية لكوريا الشمالية، وتوفير المجال أمامها لكي تتطور سياسيا واقتصاديا، كما فعلت الصين على مدى العقود القليلة الماضية. هذا قد يبدو وكأنه احتمال بعيد؛ ولكن إذا تم حل المشكل الأمني في شبه الجزيرة فلن يكون الأمر مستحيلا.

والبديل هو مواصلة السير على الطريق الحالي والمجازفة بحدوث نزاع عسكري أو حرب شاملة. وحتى لو أمكن تفادي هذه السيناريوهات السيئة؛ فإن المنطقة لن يكون لها مما تتطلع إليه سوى عدم الاستقرار لسنوات قادمة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت