عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميزوري

فاز في نهايات سبتمبر/أيلول المنصرم القاضي روي مور (1947-....) على لوثر سترينغ في المنافسة بينهما للترشح عن الحزب الجمهوري لمقعد بمجلس الشيوخ في ولاية ألباما. وكان فوزه لافتاً لأنه تغلب على خصم أنفق عشرة ملايين دولار من مال وفّرته قيادة الجمهوريين، وآزره الرئيس دونالد ترمب نفسه، والغرفة التجارية الأميركية.

وقيل في نصره إنه دلالة على أن الحركة الوطنية الشعبوية المحافظة -التي حملت ترمب إلى سدة الرئاسة- في صعود. ولو فاز القاضي مور على المرشح الديمقراطي دوق جونز -في الانتخابات التي ستنعقد في 12 ديسمبر/كانون الأول القادم- لدخل الكونغرس محافظ من طراز فريد في وضوح دعوته إلى أن تكون الحاكمية للإنجيل في أميركا.

فلكلام الرب اليد العليا وللدستور الأميركي اليد السفلى. ولا يري القاضي -خلافا لكثيرين- وجهاً للشذوذ في عقيدته، لأن الآباء المؤسسين أرادوا من إعلان استقلال أميركا أن تلتزم في تفسير الدستور بنواميس الطبيعة وطبيعة الرب.

لم يطرف للديمقراطيين والليبراليين جفن علماني في حين يطرق ناشط ديني غير معتاد أبواب التشريع الأميركي، وخلفه تاريخ شخصي غير مسبوق في تنزيل الدين على الدولة كما لم يحدث من قبل. وكان غاية قولهم إن من حمل القاضي إلى الفوز جمهرة غاضبة على المؤسسة الجمهورية في عام 2017، كما هم في 2016 يوم وقفوا من وراء ترمب الخارجي دون سائر مرشحي المؤسسة الجمهورية


ويتوقع المرء -وعقائد الرجل كما هي- أن يقشعر الليبراليون والعلمانيون والديمقراطيون لاحتمال أن يكون هذا الأصولي المدنف - كما سنرى- في سدة التشريع. ولكن يفاجأ المرء بالطريقة غير الذكية التي جعل بها أهلُ فصل الدين عن السياسة من نصره مناسبةً أخرى للنيل كفاحاً من الرئيس ترمب والحزب الجمهوري.  

فلم يطرف للديمقراطيين والليبراليين جفن علماني في حين يطرق ناشط ديني غير معتاد أبواب التشريع الأميركي، وخلفه تاريخ شخصي غير مسبوق في تنزيل الدين على الدولة كما لم يحدث من قبل. وكان غاية قولهم إن من حمل القاضي إلى الفوز جمهرة غاضبة على المؤسسة الجمهورية في 2017، كما هم في 2016 يوم وقفوا من وراء ترمب الخارجي دون سائر مرشحي المؤسسة الجمهورية.

وقالوا بأن فوز روي صفعة فشل أخرى على وجه ترمب الذي وقف مع خصم القاضي، وهو الذي لم يسلم بعدُ من صفعة فشله في الإطاحة بقانون الرئيس أوباما للتأمين الصحي في نفس يوم الفوز العظيم.

ناهيك عن صفعة منازلته النكراء للاعبي كرة القدم في تضامنهم ضد العنصرية في أميركا بالركوع في الميدان دون الوقوف لتحية العلم الأميركي، علاوة على تخلفه عن نجدة ضحايا العواصف في جزيرة بورتوريكو.

قلّ منهم من استهول فوز هذا الأصولي العريق في حزبه ودلالاته على عقيدتهم العلمانية بجذورها في فكر الأب المؤسس والرئيس توماس جفرسون (1743 - 1826). وهو ما يسمى "التقليد الجفرسوني" الذي قضى بفصل الدين عن الدولة، وجعله ممارسة خاصة مرعية من الدولة من بعيد لمن اعتقدوه.

ومعلوم أن "التقليد الجفرسوني" يخضع حالياً لنقد واستنكار شديدين في دائر المتدينين المحافظين. فقد قضى مجلس التعليم في تكساس -السوق الثاني للكتاب المدرسي- منذ سنوات بإلغاء دراسة هذا التقليد من مناهجه، واتستبدل به عقائد جون كالفن وهو من رموز الحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر.

بل فرض المجلس على المدراس تدريس الطلاب أن أميركا جمهورية دستورية لا ديمقراطية، كراهةً في الديمقراطية كنظام جعل عقائدهم شأناً خاصاً. ولذا يستغرب المرء كيف لم ير العلمانيون في هذه النُّذُر -التي كادت تقتحم صحن الكونغرس في شخص القاضي روي- سوى "عاصفة" على الجمهوريين، لا زلزالاً لن يبقي على هشيمهم هم وأخضرهم هم.  

كان أول ما تنبهتُ إلى عقائد روي الأصولية في خضم نقاش مع زملائي العلمانيين في السودان الذين اعتقدوا أن العلمانية حالة سياسية حصينة خالصة، عرفنا بها إقليم الدين من إقليم السياسة. أي أن الخطتين مثل الشرق والغرب لن يلتقيا في كلمة سائرة.

وجئت بحالة القاضي مور مثلاً في أن الذي بين الدين والسياسة جدل من كرّ وفرّ. فالدين لم يستسلم للخط الفاصل بينه وبين الدولة؛ فبقي يحدق بالدولة، ويتربص بها، ويتحين الفرص لتتوب إلى الله.

والقاضي مور ممن تربص بالدولة لتؤوب إلى الدين. فجرّ يوماً في يوليو/تموز 2001 نُصباً زنته 5280 رطلاً إلى ساحة المحكمة وقد كُتبت عليه الوصايا العشر.

كيف يجوز العنف الليبرالي في سياق حرية العقيدة والضمير التي تكفلها الديمقراطية التي خرجوا هم لحمايتها من تطفل المتدينين على السياسة؟ ناهيك عن العسر الذي سيواجه العلمانيين في تعريف الدين كـ"شأن خاص" -حسب "التقليد الجفرسوني"- متى رأى المتدين وجوب الحكم على سياسته من زاوية عقائده الدينية


ويسمي الناس هذا النصب "صخرة روي"، وصار لقب روي نفسه "قاضي الوصايا العشر"، وفجأة أصبحت هذه الكتلة الثقيلة من الغرانيت في مدينة مونتغمري بولاية ألباما معلماً يستضاء به في سائر الجنوب الأميركي، تفد إليه أفواج الأصوليين المسيحيين من كل فج عميق.

وأكثرهم يركع عنده قداسة له ويصلي. وازدادت شعبية القاضي حتى انتخبوه مرتين في 2001 و2013 ليرأس محكمة ألباما العليا، ولكن في المرتين أزاحته المحكمة القضائية لألباما من منصبه.

ففي مرته الأولى لأنه رفض أن يزيل نصبه للوصايا العشر عن الساحة القضائية. وأما في المرة الثانية فلأنه حض القضاة على أن يمتنعوا عن عقد الزواج للمثليين بعد أن صار حقاً مقرراً. وصمم من يومها على أن يترشح للكونغرس، وها هو على أعتابه.

ولم يهز كونُ القاضي مور على أعتاب الكونغرس -بحمولته الأصولية التي رأيناها- ساكنَ الليبراليين والعلمانيين؛ فهم في شغل عنه يمضغون خيبات ترمب السياسية. وهي الغفلة الليبرالية التي جاء من ثقوبها نفسها ترمب إلى سدة الحكم.

وهي غفلة عن "نزق" كما جاء في عنوان المحاضرة الرئاسية عن مأزق العلمانيين للدكتور جيفري ستاوت (الأستاذ بجامعة برنستون) أمام الأكاديمية الأميركية لدراسة الدين في 2007.

فمن رأيه أن أصل المأزق الليبرالي يكمن في أن خطتهم لمنع المتدينين من بلوغ سدة الحكم لن تنجح إلا بالعنف، ما تمسك المتدينون بربهم ولم يتحولوا عنه بحجج العلمانيين المنطقية.

ولكن كيف يجوز العنف الليبرالي هذا في سياق حرية العقيدة والضمير التي تكفلها الديمقراطية التي خرجوا هم لحمايتها من تطفل المتدينين على السياسة؟ ناهيك عن العسر الذي سيواجه العلمانيين في تعريف الدين كـ"شأن خاص" -حسب "التقليد الجفرسوني"- متى رأى المتدين وجوب الحكم على سياسته من زاوية عقائده الدينية.

لم تتصالح العلمانية مع حقائق سياسية وثقافية وروحية أميركية ملموسة. وهي أن جمهرة غفيرة من الناس -إن زادت لم تنقص- لا تزال مؤمنة بالرب. بل إن هذه الجماعة في حالة صعود سياسي منذ انتخابها للرئيس جورج بوش الابن.

ولم تتحول عن عقيدتها كما توقع العلمانيون منها ذلك متى سمعت قولهم المنطقي واتّبعت أحسنه. وتريد هذه الجماعة لمعادها أن يكون طرفاً مرموقاً في تكييف معاشها، ومعاشها الراهن مرتبك جداً.

فهي في أشد الانزعاج من وفود المهاجرين على بلدها، وتبدل العلاقات بين الأعراق والنوع (نساء ورجال) بوتائر متسارعة، وتردي الأوضاع الاقتصادية للطبقة الوسطى، وتضعضع نفوذ النقابة ومزرعة الأسرة، وهجرة الناس من بلداتهم إلى المدن لأجل التعليم أو العمل المجزي، وعدم ارتياحهم للمواد المعروضة في وسائط الترفيه، وتزايد الاقتناع بأن الأفراد المنقطعين عن بعضهم بعضاً ما عادوا يؤثرون في قرار الصفوة البيروقراطية.

ليخرج الليبراليون من دائرة الغضب الشريرة على فوز ترمب الذي يكنّون له احتقاراً عظيماً، كما جاء عند قارئ لبعض أدبهم. وسيصاب بالسقم كل من استمع إليهم يبثون الشكوى منه آناء الليل وأطراف النهار كلًّ ما خط تغريدة على تويتر. فمن ثقوب فكرهم ووهن عزائمهم جاء ترمب، ومنها سيجيء قاضي الوصايا العشر يجر صخرته الشماء


وتزداد هذه الزلزلة عند المتدينين شدة بما يلمسونه من ضيق العلمانيين بهم وازدرائهم. وبلغت هذه الجماعة المحافظة من الضيق بـ"نزق" العلمانية أن قامت حالياً تجارة مجزية لتهجير الأسر الراغبة في الانتقال من مكان فيه الغلبة لليبراليين -مثل جنوب كاليفورنيا- إلى مكان الغلبة فيه للمحافظين مثل تكساس، طلباً للعيش مع من هم على ملتهم والشوارع الآمنة.  

ولا يستغرب أن العلمانيين في هذه الغفلة من حقائق التدين في شغل بلعنه في شخص ترمب إلى أنهم انتهوا في قرارة أنفسهم إلى أن الدين مشكلة لا يقصرونها على دين بذاته أو ضرب معلوم من الديانات.

وهو ما عبر عنه الفيلسوف رتشارد روتري زميل إستاوت، بقوله إن الملحد الذي يريد للرب أن يتلاشى هو المواطن الديمقراطي المثالي. وذكّره هذا بقول فولتير (1694 - 1778) في فرحه بعصر الأنوار -الذي هو الأصل في العلمانية- إنه يرقب اليوم الذي يجري فيه شنق آخر ملك بمصارين آخر قسيس.

ونعى إستاوت على العلمانيين فشلهم في عقد تحالفات مع أديان وجماعات دينية لا خصومة لها مع الديمقراطية، لا في وجه المتطرفين الدينيين فحسب بل وفي وجه دولة الأغنياء منا. وعرض لتاريخ طويل للمستضعفين بأميركا لم تتأخر مروءة الدين عن نصرة مسألتهم.

فكان رجال الدين ضمن حركة إلغاء الرق، وتأمين هرب العبيد الآبقين من جنوب أميركا إلى شمالها، وكان القس مارتن لوثر كنغ والكنيسة وراء أعتى حركة للحقوق المدنية في الستينيات، وكانت الكنيسة الكاثوليكية مثلاً داعمة لحقوق العمال. بل نجد الكنائس الآن ضمن الملاجئ الآمنة للمهاجرين الذين تتعقبهم الدولة.

ولفت إستاوت إلى دور الكنيسة الإنجليكية في مقاومة نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا. ولو جاء إلى أداور للإسلام في نصرة الحق لرأى عجبا.

ليخرج الليبراليون من دائرة الغضب الشريرة على فوز ترمب الذي يكنّون له احتقاراً عظيماً، كما جاء عند قارئ لبعض أدبهم. وسيصاب بالسقم كل من استمع إليهم يبثون الشكوى منه آناء الليل وأطراف النهار كلًّ ما خط تغريدة على تويتر. فمن ثقوب فكرهم ووهن عزائمهم جاء ترمب، ومنها سيجيء قاضي الوصايا العشر يجر صخرته الشماء. وسيعلم العلمانيون يومها أي منقلب ينقلبون.

المصدر : الجزيرة

التعليقات