نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

هناك معادلات محورية في بنيان الدولة قليلا ما يلقي لها الحاكم الدكتاتور بالا، بل يعتبرها من هوامش المسائل، ويرى أن المعادلة الوحيدة التي تحسم الأمور لصالحه تتمثل في جانبين: امتلاك القوة المادية، والسيطرة على أدوات التوعية والتثقيف، فبالأُولى يُخضع العصاة والخارجين على دولته ممن لم يُغرِهم ذهب السلطان ولم يرهبهم سيفه، وبالثانية يسرق وعي الجماهير سالبا منها أهم أسباب قوتها.

ومن المعادلات المهمة التي يغفل عنها الدكتاتور في سياسته العرجاء رغم محوريتها: سلامة النسيج المجتمعي في دولته، وصحة الرباط الواصل بين وحدات هذا النسيج بحيث يتناغم المجتمع في حراكه، ويتوفر له أثناء فعله اليومي والحياتي قدر معقول من التواصل النفسي والعاطفي الإيجابي.

وينبع هذا الخطأ من فصل كثير من ممارسي السياسة بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي؛ ظنا منهم أنه لا يؤثر في السياسة إلا ما هو سياسي وأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، فالمجتمع -في رأيهم- ما دام مجتمعا فقط ولا يشارك في لعبة السياسة إلا بقدر ما توظفه الجهات الحاكمة؛ لا خطر منه على دولتهم. مع أن الثابت تاريخيا هو أن المجتمع محضن الثورات الأول ومصدرها ووعاؤها، وأن الماء يبري الحديد بريا إن لم يفلّه ويكسره!

مخاطر الخلل في المعادلة المجتمعية ليست بعيدة في حقيقة الأمر حتى عن كرسي الحاكم نفسه، مهما ملك من أسباب القوة ووسائل التحكم؛ ليس فقط لأن الخلل قد يُنتج فئات غاضبة تعمل ضد الدولة والنظام الحاكم بصورة أو بأخرى، ولكن أيضًا لأن النجاح في إدارة الدولة لا يتوقف على سيطرة عسكرية أو معلوماتية


ومخاطر الخلل في المعادلة المجتمعية ليست بعيدة في حقيقة الأمر حتى عن كرسي الحاكم نفسه، مهما ملك من أسباب القوة ووسائل التحكم؛ ليس فقط لأن الخلل قد يُنتج فئات غاضبة تعمل ضد الدولة والنظام الحاكم بصورة أو بأخرى، ولكن أيضًا لأن النجاح في إدارة الدولة لا يتوقف على سيطرة عسكرية أو معلوماتية، بل هو عملية متكاملة مثل عمل الجسد الواحد وأعضائه، ومن بينها يمثل العامل الاجتماعي البحر الذي تسبح فيه الدولة، والهواء الذي يملأ رئتيها حياة وحيوية أو اختناقا وموتا.

إن التماسك الاجتماعي يحوّل الشعوب إلى جبهة حماية لدولها ومصدر دفاع عنها، وإلى عمق ضروري للأجهزة الرسمية والقوى النظامية للقيام بهذه الوظائف، إضافة إلى أداء الوظائف الجماعية الأخرى التي يمارسها الناس في حياتهم.

وقد جاء قتل العشرات من رجال الشرطة المصرية في الصحراء الغربية أخيرا ليحيي الحديث عن مثل هذه القضايا الأساسية التي يمكن بها فهم مسلسل الدماء المتواصل في مصر، كما يمكن البدء منها في البحث عن علاج للحالة المصرية بعيدا عن الخلاف السياسي القائم بين الانقلاب العسكري والمعارضة التي وقفت -بأطيافها المتنوعة- خلف ثورة 25 يناير.

ومع أهمية التسليم بأن الدماء التي تسيل في مصر بالجملة -هنا وهناك من هذا الفريق أو ذاك- ليست في صالح أحد من أبناء مصر (بعيدا عن جرائم سابقة ربما شارك فيها بعض ضحايا الحادث الأخير مثل قتل الأبرياء في رابعة وغيرها) فإنه لا بد من البحث لا عن المستفيد مما جرى لأن الكل في الحقيقة مضار وعَى هذا أم لم يعه، بل وعن المتسبب في الوصول بالحالة المصرية إلى هذا المسلسل المستمر من سفك الدماء.

وقبل هذا أنقل هذا التعليق البليغ الذي أطلقه الكاتب المصري السيد الشامي على صفحته على فيس بوك ردا على الجدل الدائر بشأن الحادث؛ حيث قال: "لا أحد يطلب من الضحية أن يترحم على قاتله البيّن، لكن على الضحية ألا يوسّع حالة الكراهية؛ لأنه أول ضحاياها. حين تكون الأضعف عليك حشد الناس معك لا ضدك، مع التأكيد أنني لن أكون ظهيراً للمجرمين"!

أدار النظام المصري -الذي نشأ عن انقلاب 3 يوليو/تموز 2013- حربه ضد خصومه بمنطق العنف والاستئصال الدموي أولا، ثم التحريض واستجاشة أكبر قدر ممكن من قوى المجتمع والدولة ضدهم ثانيا، وعلامة هؤلاء الخصوم -التي يعرفهم بها المجتمع كما شاءت الدولة أن تشيع بأساليب وتعبيرات مختلفة- هي أنهم يخاصمون النظام، ويعتبرونه مغتصبا للسلطة.

وفي عملية اجتزاء للصورة؛ دخل كل هؤلاء الخصوم تحت مصطلح الإرهاب إن كانوا إسلاميين، والعمالة للخارج إن كانوا من التيارات الأخرى.

أدار النظام المصري -الذي نشأ عن انقلاب 3 يوليو/تموز 2013- حربه ضد خصومه بمنطق العنف والاستئصال الدموي أولا، ثم التحريض واستجاشة أكبر قدر ممكن من قوى المجتمع والدولة ضدهم ثانيا، وعلامة هؤلاء الخصوم -التي يعرفهم بها المجتمع كما شاءت الدولة أن تشيع بأساليب وتعبيرات مختلفة- هي أنهم يخاصمون النظام


يُحكَى عن أحد شباب الإخوان المسلمين من أنه حين ذهب إلى مقر عمله بعد الفض الدموي لاعتصاميْ ميدان رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، طارده بعض الناس في الشوارع، ونادوا المارة أن اقبضوا على "الإرهابي الإخواني". ولعل هذا المشهد يلخص الصورة، ويكشف المستويات القياسية التي بلغتها لغة التحريض المجتمعي على المخالف السياسي بمصر، مما يعني أن المجتمع يعمل بعضه ضد بعض خارج الإطار الطبيعي والقانوني للدولة.

لقد اشتهر في مصر -مثل غيرها من البلاد- المناداة على المارة أن اقبضوا على هذا اللص الذي يعدو مسرعا في الطريق، وهو دفاع ذاتي من المجتمع عن أمنه وممتلكاته، وسعي إلى مطاردة الجريمة أو مشاركة الدولة في مطاردتها.

أما أن ينجح النظام في أن يكتب في وعي الجماهير أن "المعارض" يساوي "الإخواني" وهذا يساوي "الإرهابي"، وأنه تجب مطاردته كما يطارَد اللص في الطرق أو أشد؛ فهذا كاشف بصورة مؤلمة عن العمق الغائر للمأساة التي وصلت إليها علاقة بعض المصريين ببعض، وهو الجو الذي يسمح للعنف بأن يكون لغة مألوفة للحياة في المواقف الصغيرة والكبيرة.

لقد تعامل نظام 3 يوليو/تموز مع الحالة التي واجهها في مصر بمنطق الاحتفاظ بحكم "المحروسة" بأي ثمن؛ لذا لم يكن متحسبا للوسائل التي يختارها، ولم يعمل حسابا للحظة أخرى غير اللحظة التي يعيشها ويريد من خلالها أن يدمر خصومه تدميرا.

والحقيقة أن هذا منطق خاطئ منذ البداية ومرفوض من النظام والمعارضة على السواء، فلا مسوِّغ لسعي أي طرف إلى حرق البلاد وسفك دماء أهلها خارج إطار القوانين لأجل الوصول إلى حكمها أو الاحتفاظ به.

أرانا لم نوضح بشكل كافٍ علاقة هذا التفسخ الاجتماعي الذي أحدثه الحكم الحالي في مصر بالدماء التي سالت أخيرا غزيرة في صحراء مصر الغربية، وهو نموذج فقط يعبر عن فوضى الدماء التي تضرب مصر من وقت إلى آخر منذ سنوات.

معروف أن الدماء لغة حرب وقتال لها مواضعها ومواقعها في الشرائع والقوانين، وليست لغة إدارة داخلية لشعب ودولة، ولا يلجأ حاكم رشيد إلى سفك الدماء داخل حدود الوطن إلا عند الضرورة التي تحكمها القوانين، وبأقل قدر ممكن حسب التقدير العاقل للأمور، فإن فعلها انقلب بعدها يسد الخلل ويعالج الآثار السالبة؛ فسلامة الدولة من سلامة القاعدة الاجتماعية التي تنتمي إليها.

كان التعامل بلغة الدم في الحالة المصرية مفتوحا على مصراعيه منذ وقع الانقلاب العسكري، مما أسقط الهيبة من الدم وسفكه في نفوس المصريين، لا لصالح الشجاعة والثبات في وجه المحن، بل في صالح تخويف المواطن وترهيبه، وتعويده سماع أخبار الانفجارات والاغتيالات داخل مصر


وقد كان التعامل بلغة الدم في الحالة المصرية مفتوحا على مصراعيه منذ وقع الانقلاب العسكري، مما أسقط الهيبة من الدم وسفكه في نفوس المصريين، لا لصالح الشجاعة والثبات في وجه المحن، بل في صالح تخويف المواطن وترهيبه، وتعويده سماع أخبار الانفجارات والاغتيالات داخل مصر، ومراكمة ذلك -في ظل الخوف- ليعزز رصيد الكراهية التي دفعهم النظام إليها في وجه معارضيه الموصومين بالإرهاب.

وفي جو التفسخ الاجتماعي الحاصل واعتياد التعامل بلغة الدم؛ تسرب من المجتمع المصري ومن خارجه من تعامل مع الدولة والنظام وعامة المصريين بنفس اللغة التي أحلها النظام لنفسه وعوّد الناس عليها، وساعد على ذلك جو الاضطراب في المنطقة عامة وفي دول الجوار خاصة، حيث يتوفر السلاح ومستعملوه والمدرِّبون عليه بسهولة.

ولا يفوت القلم هنا أن يذكر أن الأداء الضعيف لقوات وأجهزة الأمن المصرية في مواجهة العنف بالصحراء الغربية، يدل على أن عين النظام وجهازه الأمني متجهة إلى عمق المجتمع ومناطقه المزدحمة التي يخشى أن تلد ثورة جديدة، وليس إلى أطرافه التي تمثل الخطر العسكري الحقيقي، وهو خلل جديد يدل على أن سياسة تتبع المعارضين مدينة مدينة وحارة حارة وقتلهم أو اعتقالهم؛ تقدم مزيدا من الانهيار الأمني والمجتمعي لمصر.

ورغم أن حق المصريين في العدالة والحرية لا يسقط بالتقادم، فإن العقلاء مدعوون -بعيدا عن الخصومة السياسية القائمة- إلى علاج ما يستطيعون علاجه من آثار السنين السلبية على بنية المجتمع المصري، بإشاعة لغة التفاهم والجدال بالتي هي أحسن وقبول الرأي الآخر، في خطوات مهمة ضمن طريق طويل لإعادة السلامة إلى مصر والمنطقة.

المصدر : الجزيرة